ترامواي القصاع وشكل البناء التراثي

أخ لو ترجع ايام زمان…

أخ لو ترجع ايام زمان…

سقى الله الشام وتراب الشام…

وأهل الشام ايام زمان…

واترحم على جدتي اسما طحان واسترجع الذاكرة الطفولية…

كانت الشام ولا أحلى، حارات نظيفة، لأنو كل ست بيت كانت تكنس الحارة قدام باب الزقاق، الصبح والمسا… وترش الميه لتروح الغبرة، وتحط اللي كنستهم ب”قصديرة” (تنكة) الزبالة…( لأنو ماكان فيه وقتها أكياس نايلون للقمامة) وتبقيها بالبيت حتى يمر الزبال وتعطيه ياهن ويكبو بالعرباية وتشوف خاطرو وخاصة الضهر بشي صحن طبيخ “خطيي خليه يبل قلبو بلقمة طبيخ” “لو مالو موجود لتسرح الزبالة من بين اواعينا”

هيك ستي ام نقولا الله يرحمها كانت تقول، وهيك كانت تعمل وهيك وُعينا على هالشي حتى آخر لحظة من حياتها بعمر 85 سنة… وكان بيت العيلة العربي بدخلة عين الشرش المعروفة بدخلة الفاعور بشارع القصاع…

واجهة مستشفى الافرنسي في حي القصاع زمن الانتداب الفرنسي
واجهة مستشفى الافرنسي في حي القصاع زمن الانتداب الفرنسي

عشية… ومن بعد التنظيف متل العادة كانت تحط كرسي خشبي بلدي مقعده ومسنده من القش، وتقعد تشرب فنجان قهوة ونحنا الأحفاد الصغار كنا نتحلق حواليها وتحكيلنا قصص وخاصة عن اول ماتجوزت جدي فارس الله يرحمو…وكل مامر زلمة او ست ( وكانت كل الناس بالقصاع بيعرفوا بعضهم) يسلم عليها” الله معك ام نقولا… نهارك سعيد ام نقولا… مسا الخير أم نقولا… سعيدة ست أسمى…

وهي والضحكة معبية تمها ووشها ترد:” اهلا وسهلا…الله يحفظكم… سعيدة مباركة…تفضلوا شربوا قهوة…

وكان الجواب: عشتم… منتشرف… مرة تانية… تعوا انتو لعنا ام نقولا… منجي منتشرف تعوا انتوا…”

كلمات ذات مصداقية نابعة من القلب وكلها محبة…

كانت ستي اسما الله يرحمها تحكيلي وانا بالأخص من ابناء عمومتي لأني ومن صغري بحب حكي الكبار بالسن وذكرياتون وبحفظها…

حارة دمشقية
حارة دمشقية

مرة قالتلي (مع تغيير ببعض الكلام من العامي الى الفصحى): ” ياستي نحنا كنا ساكنين ببيت بجناين الورد (هي الحارة والاسم ذاته حالياً والممتدة من جوار الحائط الشمالي لمستشفى الافرنسي ومخبز القصاع الى شارع حلب بالقرب من جامع الفردوس، وكان هذا الشارع صغير وهو طريق السفر نحو القابون وبرزة وصيدنايا وجوبر… ولم تكن ساحة العباسيين موجودة كما هي الآن…أما جامع الفردوس فكان مصلى قديم بمئذنة خشبية أُعيد بناؤه في سبعينيات القرن الماضي وبتبرع جزيل من سكان المحلة وكلهم مسيحيون ومنهم المحسن سركيس مقدسي وهذه هي اخلاقية المسيحيين الشوام) وكانت حارة الجناين حارة في بستان بديع كلو شجر جوز ومشمش وتوت وكل بيت كان عبارة عن غرفة وتنتين ومطبخ وبيت الأدب (مرحاض)وكان كالعادة بقفا باب الزقاق وكانت الغرفة هي مربع كبير وفيه يوكين تلاتة… نحط فيون الفرشات…وبالليل نقسم المربع الى قسمين بشرشف قسم ننام فيه انا وجدك اول شي عالأرض وبعدين بتخت نحاس، وقسم التاني ينامو فيه الأولاد وكلهم كانوا صغار ونيمهم معاكسين بعضون وغطاء كبيرعا الكل وناموسية كبيرة فوق الكل… (عاش لجدي وجدتي ثمانية اولاد هم اربع إناث واربعة ذكور… هم عمتي ماري الكبرى ثم عمي نقولا فعمتيَّ ماري وايفون ووالدي جورج وعمتي جوزفين وعمي جوزيف وعمي حنين وعمتي جانيت..)

طريق فرعي من حارات القصاع شبه الريفية
طريق فرعي من حارات القصاع شبه الريفية

وتتابع جدتي :”وكان بالبيت ارض الدار وفيها شجر وبير وطرنبة ميه، وبالصيف كان جدك يحط سقالة الحفر( كان يمتهن حرفة حفر الخشب وعمل معه ولداه نقولا الكبير بين الذكور وجورج (ابي رحمه الله) الثاني بين الذكور، وكانا صغيران وتعلما المهنة ومن ثم اكترى جدي دكان في محلة القيمرية وعمل معه والدي عام 1950 وترك عمي نقولا العمل معهما وعمل مع الغير… واصبحت عائلة زيتون من القامات الرفيعة في حرفة حفر الخشب ونقشه ولايزال انتاجهم الفني في البرلمان السوري في القاعة الشامية في القصر الجمهوري بالمهاجرين وفي الجوامع والكنائس والأديرة التراثية العريقة وقد ترك جدي العمل منذ 1962 وقد انضم اليهم عام 1974شقيقي الشهيد مروان بعمر 15 سنة وتعلم الحرفة بفنياتها بسرعة ولكنه استشهد بعمر 21 سنة في خدمة العلم، وقد كرمت وزارة السياحة والدي حال وفاته وقلد بوسام على جثمانه في الكنيسة عام 1995 وانتهت هذه الأسرة الفنية الرفيعة بوفاته رحمه الله)…

حرفة حفر الخشب
حرفة حفر الخشب

تتابع ستي اسما رحمها الله بالقول:”…مسكين جدك كان بالليل يكمل شغلو على ضو الكاز وانا كنت اشتغل تطريز للأواعي العربي وحبكة للشراويل والصداري وايطان وكان يكتر الشغل علي خصوصي قبل اعياد اخوتنا الاسلام…

ياستي لو ماعملنا هيك ماكان صار معنا حق البيت هاذا اللي ساكنينو هلق بعين الشرش… واشترينا بسبع تالاف ليرة سورية…

حزين جدك لك ستي لاطلعة ولا فوتة ولا قعدة قهوة… ولا سيكارة… وعشنا بالتدبير والقندقة على حالنا… ماكان عنا حمام بالبيت كنا نروح لك ياستي نتحمم بحمام السوق حمام البكري… وقت حمام النسوان…

مرة اخدت كل الأولاد قبل الضهر يوم سبت ( حمام المسيحيين الدمشقيين كان يتم يوم السبت لأن اليوم التالي يوم الأحد وللذهاب الى الكنيسة وهذه كانت من سلوكيات العائلة) لحممهم قامت البلانة ماخلتني دخل عمك نقولا قالتلي هاذا كبير ياست ام نقولا صار خرج جازة وكان عمرو 9 سنين، قلا يوه ياأم محمد هو صغير ومابيفهم شي… والله ماخلتني ولا خلتني ولا خلتني دخلو للحمام مع اخواتو… وكنت بدي ارجع بالكل عالبيت لأني مابدي ياه يرجع لحالو، ولكن ساقبت انو جارتنا كانت مخلصة حمامها ومعها اولادها رجعتو معا للبيت لعند جدك… ولما رجعت سخنتلو مي على ببور الكاز وحممتو بالمطبخ وبعدو تحمم جدك…

وبعدين صرت حممهم بالبيت سخن المي بالتنكة وحممهم ورا بعضون وكانت عمتك ماري تاخد الصغار وتنشفهم وتلبسون اواعيون… واواعي الكبيربيلبسون الصغير وهيك…مو نحنا كنا هيك بس كل الناس اللي متلنا كانوا هيك … الجمل بفلس ومافي فلس ياستي…

تاني نهار نروح كلنا على الصلاة بكنيسة الصليب… وهي انتو كمان عم تروحو معي ومع امهاتكن الله يخليلنا ابونا ايوب هذا اللي كان بدو ياخدك على دير البلمند لتصير راهب وبعدين شماس وخوري هدا ياستي كان متخاوي مع جدك بالدم على قبر المسيح بالقدس السلام على اسمو…” بالمناسبة ابونا ايوب سميا كان خوري القصاع وكنيستها منذ عام 1930 وحتى وفاه اول شباط 1967 وكان يزور كل البيوت ويكرسها بالنورية بالغطاس ويناول المرضى بالبيوت والمستشفيات وحاصة مستشفيات الدولة والسجون ويناول كل المسيحيين وكان يحظر على احد من ابناء رعيته ان لايحضر الى القداس الالهي ويارب القوات والمدايح وصلاة العذراء ، حيث تراه في اليوم الثاني يأتي متفقداً ومؤنباً…رحمة الله عليه كان علامة وكنت استمتع بزيارته في بيته في الحارة الضيقة بشارع مارسيل كرامة،وكان قبو معتم فاقد كل شروط الصحة ولكن مكتبته على كل الحيطان وبكل اللغات والاجمل ان معظمها مخطوطات… واقف منذهلا منذ طفولتي بمكتبته وبالمستحاثات  الطبيعية التي يلتقطها من اماكن تجواله الآثاري وكنت بوقوفي الطويل الفت انتباهه ولذا اصر على والديَّ ارسالي الى دير البلمند ولو كنت أصغر سنتين من عمر القبول وكان عمري 10 سنوات وقال انه سيسعى لاكمل بمدرسة الدير الابتدائية و… لكن لم يتوفق بالحصول على استثناء من السن وبالرغم من ان امي خاطت لي قنباز على مقاسي مع سكوفة الراس…

اما ستي اسما فكانت قديسة…الله يرحمك ياستي … صحيح كان الجمل بفلس بس ماكان في فلس… ولكن كان في شي اسمو عيلة بتحب بعضها الكل كانوا على فرد قلب وكان الجد والجدة كلمتون مقدسة والكل بيبوس ايدون كل يوم الصبح ولساتها العبارة الحلوة بعد الحمام  سائدة عنا في كل العيلة لما بيطلع الولد من الحمام وبيقول للكل قبلنا الأيادي وبيكون الجواب حمام الهنا … نعيماً…

وكان كل شي رخيص وكان بياع الخس ينادي : “الله الدايم عشرة بورقة ياصايم”

وبياع الخيار بينادي ” اصابيع البوبو ياخيار…” وبياع الناطف يصرخ: ” تعا ياولد تعا كلك ملوق”…

هيك كنا …

اترك تعليقاً