تعليم القديس يوحنا الدمشقي عن والدة الإله

تعليم القديس يوحنا الدمشقي عن والدة الإله

 

 

“إنه لحق وواجب أن نسمّي القديسة مريم والدة الإله. لأنه في هذا الاسم يتكون (يحتوى) كل سر التدبير الإلهي” (Εκδ ΙΙΙ, 12) (المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي ص 173)

1- عندما كتب القديس يوحنا الدمشقي، حوالي نهاية حياته الاعترافية، كتابه الأساس “التحديد الدقيق للإيمان الأرثوذكسي”( Ἒκδοσις ἀκριβὴς τῆς Ὀρθοδόξου Πίστεως)

بدأه مشدداً على التقليد الشريف للكنيسة الأرثوذكسية الجامعة. كل ما كتب حول الله، حول الثالوث القدوس، حول المسيح، وحول والدة الإله الفائقة القداسة، هذا كتبه مستقياً من التقليد الشريف الذي كشفه ومنحه لنا الله عبر تدبير المسيح الخلاصي (Εκδ Ι,1). التقليد الشريف بالنسبة للدمشقي هو كل بناء وجسم الكنيسة الجامعة الرسولية، التي قد بنيت على “أساس حجر الزاوية” الذي بحسب بولس (1 كور 3: 11. أفسس 2: 20) و”صخرة اللاهوت” التي بحسب بطرس (متى 16: 18) “التي هي المسيح” (1 كور 10: 4)

الدمشقي الأمين لتقليد آباء الكنيسة العظماء المدافعين عن والدة الإله، يكرز بشكل واضح بفائقة القداسة أنها أولاً وحقاً والدة الإله.

ايقونة الايدي الثلاثة عندما قطع الخليفة يد القديس يوحنا الدمشقي عقاباً له على خيانته المزعومة عاد ومعه يده المقطوعة في بيته وسجد للعذراء لأنها منحته هذا الشرف فلم يجد الا يده سليمة وآثار القطع عليها وهذا ماجعل الخليفة يعتذر منه ويرجوه العودة لوظيفته امينا لبيت مال المسلمين... وتم تخليد هذه الاعجوبة بهذه الايقونة

> ايقونة الايدي الثلاثة عندما قطع الخليفة يد القديس يوحنا الدمشقي عقاباً له على خيانته المزعومة عاد ومعه يده المقطوعة في بيته وسجد للعذراء لأنها منحته هذا الشرف فلم يجد الا يده سليمة وآثار القطع عليها وهذا ماجعل الخليفة يعتذر منه ويرجوه العودة لوظيفته امينا لبيت مال المسلمين… وتم تخليد هذه الاعجوبة بهذه الايقونة


2- تعليم القديس يوحنا الدمشقي عن العذراء يشير بدقة إلى إرادة الله “القديمة والحقيقية”، “التي لتجسد الكلمة ولتأليهنا”. في “بحار محبة الله الغامضة غير المكتشفة” التي لها (لإرادة الله) أو لوحدة الثالوث المُبدئ الحياة “نحو هذه الكنائسية بوحدة إرادة الرأي” قد قررت قبل كل الدهور تجسد وتأنس الله الكلمة وتأله الإنسان. هذه “الإرادة المحددة” قبلاً من الله والتي قبل كل الدهور تظهر لنا “بحر صلاحه الوافر واللامتناهي”. وهذا الظهور يصير عبر والدة الإله القديسة: “محبة الله هذه غير الموصوفة نحو البشر ظهرت كلجّة”. هذا التحديد الإلهي للعذراء هو بالتأكيد غير مدرك من قبلنا، ليس صدفة ولكن وُجد في داخل الله مع سابق معرفته التي قبل الدهور لحرية اختيار واستحقاق العذراء وقداستها الشخصية: “إله الكل أحبّ استحقاقكِ الذي سبق فعرفه، ومحبّاً سبق فحدَّد في آخر الأزمنة أيضاً، وجعلكِ أماً ووالدة الإله وأبرزكِ مرضعةً لابنه وكلمته”. الكلمة “سبق فحدَّد” (بالنسبة للأهل) تعني هنا أن الله قد سبق فعرف ليس فقط استحقاق وفضيلة العذراء و”عذريتها الطاهرة”، ولكن أيضاً برَّ وعفّة وسيرة أهلها المرضية لله، لكي يعطي لهم هدية عظيمة بهذا المقدار، الابنة، التي ستلد الإله وبهذه الطريقة سيصيرون هم أنفسهم جدَّي الإله. هذه الكلمات الموضوعة توضح بشكل بديهي مبدأ التعاون بين الله وحرية الإنسان في كل تاريخ تدبير الخلاص.

هذا التدبير يصل إلى قمته ويكتمل في العذراء، التي بصورة رئيسية هي “مختارة” و”مطيعة” لله، عملت بغيرة و”شاركت بالعمل مع الثالوث” وشاركت في تدبير الخلاص كما لم يعمل أحد آخر منذ الدهر. بهذه الطريقة يرى القديس يوحنا الدمشقي، وبشكل عام الآباء القديسين، كل العهد القديم “دعوة” الله واختياره المسبق على مدى الأجيال (روم 5:11-7) أي نسب العذراء، التي منها سيولد مخلص العالم المسيح، مخلصٌ بالطبع أولاً، قبل كل فروع الأجيال هذا، قمتها التي هي العذراء، وبواسطتها لكل البشر.

يسميها القديس “ابنة آدم” بينما يدعو داوود الملك “الجد الأول وجد الإله” الذي من جذره “بحسب الموعد” وُلدت العذراء موحِّدةً بها الجذر الكهنوتي والملوكي. ميلاد العذراء من “أصل يسى” وبالرغم من الحل العجائبي، الحاصل بالنعمة الإلهية، لعقر حنة فهذا لا يشكّل بحسب القديس يوحنا الدمشقي استثناءً للعذراء من نسل الجد الأول ومن آدم أصل الجنس البشري. وُلدت العذراء من زرع يواكيم في رحم حنة، أي من العلاقة الزوجية الطبيعية ليواكيم وحنة، و”من الأرض وُلدت” ، “ورثت جسداً فاسداً من آدم”. وماتت أيضاً ميتة بشرية و”كابنة آدم… وبآدم ينحل الجسد إلى التراب” و”تنفصل طبيعياً” نفسها الكلية الطوبى والمقدسة والجسد “يثوي في القبر” وتالياً، فالعذراء الكلية القداسة كانت، كباقي البشر، وارثة لخطيئة آدم الجد الأول. هذا حتى أن القديس يوحنا الدمشقي يتكلم بدقة عن طهارتها وقداستها ونقائها بالروح القدس الحاصل لحظة حملها بكلمة الله.

3- هذا لا يعني أن القديس الدمشقي لا يقبل قداسة العذراء والدة الإله ولا يتكلم عنها. على العكس، إنه مع كل الكنيسة الأرثوذكسية يقبل ويمجّد قداسة العذراء الشخصية. ولكنهم يظهرون كم هو بعيد الأب القديس الأرثوذكسي عن الهرطقة الجديدة التي ابتدعتها كنيسة الروم الكاثوليك حول “الحبل بلا دنس” وولادة العذراء بدون خطيئة جدية.

هذه البدعة، حصيلة لهرطقة “عصمة” البابا الفاتيكاني (بيوس الرابع 1854)، لا تفصل العذراء عن أجدادها وأصل نسلها وعن باقي البشرية فقط، بطريقة ما ظالمة، بل هي ترفض كل معنى التدبير الإلهي المسبق في قصة العهد القديم، وبالأكثر، إنها تقلّل من استحقاقها الحقيقي وقداستها الشخصية. وليس هذا فقط، وإنما هذه العقيدة تقوّض واقع حقيقة خلاصنا لأنها ترفض وحدة طبيعة الجنس البشري الكاملة وتضع بالمقابل شكاً بحقيقة تجسد المسيح الخلاصي من مخلوق واحد ممثّل للجنس البشري

والدة الاله
والدة الاله

4- كلمة الله يسوع المسيح البرئ من العيب اتخذ، بحسب القديس الدمشقي، الطبيعة البشرية، كل الإنسان، لكي يخلّصه ويتحده بنفسه وبهذه الطريقة ليؤلّهه “اتخذ الكل واتحد الكل بالكل ليمنح الخلاص للجميع لأنه ما لم يتَّخذ لا يشفى” (Εκδ. ΙΙΙ,6). هذا “الاتخاذ” للإنسان في أقنوم كلمة الله بلا تشوش والاتحاد الأقنومي غير المنقسم (Εκδ. ΙΙΙ,2,9,22)

يؤكّد ويثبت دوام استمرارية الـ “الشركة الثانية” التي يتحدّث عنها القديس يوحنا الدمشقي متابعاً للقديس غريغوريس اللاهوتي. الـ “الشركة الثانية” أتت بعد انقطاع “الشركة الأولى مع الله” التي بآدم الأول، وتالياً فالمسيح وجد الإنسان ساقطاً واتخذه بجملته (لأن ما لم يتَّخذ لا يشفى) اتخذه بجملته ولكن بدون الخطيئة.

يشدّد القديس يوحنا الدمشقي بأن المسيح اتخذ “آدم بجملته قبل العصيان حراً من الخطيئة”، “ميلاد آدم الأول” (Εκδ. ΙΙΙ,1) أي طبيعته التي بدون خطيئة.

والدة الإله العذراء التي “حبلت بالمسيح مخلّص العالم” صارت أداة خلاصنا: “أم الله وأمته، الأرفع شأناً من القوات الملائكية أداة خلاصنا ولدت حمل الله الرافع خطيئة العالم”

لهذا نحن الأرثوذكسيون لا نقبل التفكير الكاثوليكي حول”الحبل بلا دنس” بوالدة الإله الذي يستثنيها من وراثة الخطيئة الجدّية، الأمر الذي يقوّض حقيقة تجسد الرب الخلاصي. نحن الأرثوذكسيين نؤمن حول (العذراء)، كما سلّمنا الآباء والقديس الدمشقي، أن توقير الغربيين المغلوط لشخص العذراء لا يمكن أن يكون مقياساً للإيمان وللحقيقة

التعليم المريمي للكنيسة الرومانية الكاثوليكية يعاني من فصلها عن التعليم عن المسيح  (Χριστολογία) والتعليم عن الخلاص (Σωτηριολογία)

5- بالرغم من أن العذراء والدة الإله وُجدت منذ لحظة الحبل بها خاضعة للخطيئة الجدية كوراثة لطبيعة آدم، هي نفسها شخصياً، وبحسب القديس يوحنا الدمشقي، ليس عندها أي خطيئة شخصية. يشدّد على قداستها الشخصية ويؤّكدها ويمجّدها كل الآباء وكنيستنا جامعة وبشكل خاص القديس يوحنا الدمشقي.

أن تكون جديرة بالخالق “ἀξία τοῦ Κτίσαντος” يُشهد له من الحدث أنها هي الوحيدة بين جميع المخلوقات عبر العصور قد حصلت على هذه القداسة لكي يصطفيها الله لتصير أم الله الفائق القداسة ولتخدم السر “الجديد تحت الشمس” أي تجسد كلمة الله. قداستها هذه تستند على مجمل تدبير الله الخلاصي.

مريم العذراء  هي بحسب طبيعتها “ابنة آدم”. ولكن بحسب إرادتها وفضيلتها الشخصية فإن القديس يوحنا الدمشقي يقارنها (يقاربها) بالجدين الأولين، ويظهر تفوق قداستها المطلق. وراثة الخطيئة الجدية لم يكن لها تأثير فاعل على مريم العذراء لأن إرادتها وكل قوى نفسها وجسدها كانت “موضوعة (مكرّسة) لله السيد”. أهلها الأبرار ولداها بالحكمة والعفاف، حتى أن القديس يوحنا الدمشقي يسمي “زرع” يواكيم “زرعاً طاهراً”

يصف القديس يوحنا قداستها والنعمة الممنوحة من الله ليواكيم وحنة. في لحظة البشارة، مريم العذراء، ابنة حواء، طبعاً ليس في الفردوس كتلك، وإنما في عالم خاضع للخطيئة، استحقت أن تسمع عن حق “إفرحي يا ممتلئة نعمة… لا تخافي يا مريم فقد وجدّت نعمة عند الله”.

 

6- يقول القديس يوحنا الدمشقي أن والدة الإله كانت “الأفضل والأبهى من الجميع” ويشملها مع “الجميع” والملائكة. لأنها أظهرت، بين الجنس البشري “العذرية المضاعفة”، قداسة تفوق على الشيروبيم والسيرافيم. لهذا فقداستها مرتبطة بدون انفصال ببتوليتها (عذريتها) الطاهرة (غير الفاسدة)، بتوليتها الدائمة. ولكن كل سر والدة الإله الكلية القداسة، كما علّمنا وسلّمنا الرسل والآباء القديسون، يلخَّص بالإجمال بـ “سر المسيح” وعلى أساسه يفسَّر.

عن سؤال اليهود: “ماذا تقدِّم لي؟ أتقدر إمرأة أن تلد الله؟” يجيب القديس بروكلس القسطنطيني: “لم أقل أن إمرأة تقدر أن تلد الله، ولكني أقول أن الله قادر على أن يتجسَّد مولوداً من إمرأة لأن كل شيء مستطاع عنده”.  ويكرّر القديس يوحنا الدمشقي هذا بقوله: “بإرادة الله تتحقق هذه الأمور، بإرادة الله كل شيء ممكن، ولا يصير شيء بدون إرادته”. إن قوة الله المطلقة هذه تتفق بحسب الدمشقي مع تنازله الذي لا يوصف، لأنه بالتنازل فقط نستطيع أن نفهم كيف أن الله الكلمة “نزل دون انتقال… شوهد على الأرض ونزل بإخلاء الذات الذي يرفع”.

القديس يوحنا الدمشقي راهباً في دير مار سابا في فلسطين
القديس يوحنا الدمشقي راهباً في دير مار سابا في فلسطين

 

7- من سر تجسّد كلمة الله هذا الذي لا يدرك تدعى الكلية القداسة “بحق واستحقاق” والدة الإله: “كيف لا تكون والدة الإله وهي ولدت ابن الله؟”. لم تلد والدة الإله إنساناً متشحاً بالله أو إنساناً متألهاً فقط، وإنما كلمة الله نفسه ابن الله الوحيد الذي: “بمسرة الآب، ليس من علاقة طبيعية، ولكن من الروح القدس ومريم العذراء، وصار جسداً بشكل فائق الطبيعة وغير متغير، ومن العذءرا والدة الإله الجبلة للجابل والتأنس لله وخالق كل شيء، والوعد للإله ومنقذة الوحدة بين المتَّحِد والمتَّحَد معه”.

(Εκδ. ΙΙΙ, 12)

الكلمات الأخيرة للقديس تعني أن الأقنوم الإلهي للإبن المساو للآب في الألوهة اتخذ الإنسانية في رحم العذراء، الطبيعة البشرية الكاملة، وصار المسيح مساوياً في الجوهر مع أمه ومعنا (جوهر الطبيعة البشرية) موحداً في شخصه هاتين الطبيعتين، الإلهية والبشرية، من دون أن تتحول أو تمتزج أو تذوب (تنحل) الخواص الجوهرية لكل من هاتين الطبيعتين.

مريم العذراء، الكلية القداسة، هي أيضاً والدة المسيح لأنها “ولدت المسيح” لهذا يمكن أن ندعوها “والدة المسيح، والدة الرب، والدة المخلّص، والدة الإله” (16) ولكن لأن تسمية “والدة الإله” لم تعجب الهرطوقي نسطوريوس المدان من الله، الذي دعاها “والدة المسيح” لذلك أفضل شيء أن نسميها والدة الإله.ومن بين كل أمهات الممسوحين والأنبياء والملوك فقط القديسة مريم هي والدة الإله.

8- يتحدّث القديس يوحنا الدمشقي أيضاً عن رقاد والدة الإله الممجَّد وصعودها العجيب إلى السماء، “بحسب التقليد الشريف القديم” لكنيسة أورشليم، ويصف بدقة الأحدث العجائبية الصائرة في يوم رقادها. لنرى فقط موضوع رقادها، ودفن جسدها، وانتقاله إلى السماء.

الحدث هو ان العذراء رقدت رقاداً بشرياً. بالرغم من أنها “نبع الحياة” إلا أنها “انتقلت إلى الحياة بواسطة الموت” وبينما في ولادتها تجاوزت حدود الطبيعة، ولكنها الآن تخضع لحدود هذه الطبيعة ويوضع جسدها الطاهر تحت سلطة الموت

وأيضاً “كابنة آدم القديم تحتوي المسؤوليات القديمة (التبعات) بشكل طبيعي. وتفارق نفسها البارة جسدها الطاهر ويودع جسدها في قبر كالعادة”.

هذا الدفن يصير لكي”ما أخذ من الأرض يعود ثانية إلى الأرض” لكي يزول هناك “الفاسد” ولكي يلبس “غير الفاسد”، الجسد الروحاني والمستنير الذي “لعدم الفساد”. ولكن بالرغم من كتابة القديس الدمشقي عن الموت الطبيعي لوالدة الرب يعترف بنفس الوقت مع القديس أندراوس الكريتي أن موتها “يسمو علينا”. “الصلاح ذو القوة غير المحدودة الذي للضعف القديم” الذي لابنها “جدَّد الطبائع” وكل شيء “جعله جديداً”. ضعفه هذا كان هو الإفراغ المخلّص والمنهض لنا، التجسد المتنازل والتواضع، ألمه المخلّص وموته المحيي بسببنا، ومن أجلنا. لأجل هذا “الضعف القديم” الذي له بالضبط بعد قيامته التي بواسطتها ألغى سلطان الموت، الطبيعة البشرية حصلت على الخلود. “تألَّهَ الإنسان”، يكتب الدمشقي، “الفاسد صار غير فاسد… تخلصنا من الفساد ونلنا عدم الفساد بإرادة الألوهة”.

المطران أثناسيوس ميتروبوليت إرزيغوفيني

تعريب الارشمندريت دامسكينوس كعدي