الايمان المظهري او الاستعراضي

الايمان المظهري او الاستعراضي

الدين ليس للمظهر او للاستعراض، لا في العبادة ولا في الحماسة للدين والطائفة والمذهب… ولا في التعصب بالتالي ضد اي دين او طائفة او مذهب…

الدين هو علاقة سامية جداً لا يمكن وصفها بين الانسان والله الواحد الخالق والرازق الحياة والمخلص من الخطيئة. فخلقة الله للانسان على صورته ومثاله، كما ورد في سفر التكوين، جعلت التكوين الداخلي لهذا الانسان يميل الى عبادة الله بطريقة عميقة في داخله، وعمق الانسان فيه احتياج دائم لقوة أعظم منه يثق فيها وينشد منها الحماية وشد الأزر…لذلك اتفق سلوكياً وممارسة منذ فجر الوجود الانساني على ضرورة التعبد للكائن واركانها الرئيسة كالصلاة والصوم والصدقة واعمال البر…الخ

وحينما تحدث ربنا يسوع المسيح له المجد عن العبادة لم يتكلم عن ضرورتها أو لزومها لأن هذا كله ثابت في الكيان الانساني الداخلي مذ اوجده بيديه الطاهرتين المقدستين، وصنعه من التراب، لذلك نجده له المجد تكلم عن كيفية تقديمها لله حتى يقبلها ويبارك من يقدمها، وحتى لايمجد الانسان نفسه من خلال العبادة بدلاً من تمجيده الله…

راهب يسجد امام صليب الرب يسوع سجود حقيقياً بعيدا عن الاستعراضية والمظهرية
راهب يسجد امام صليب الرب يسوع سجود حقيقياً بعيدا عن الاستعراضية والمظهرية

فالاستعراضية في الدين وممارسة العبادة والتعبد، يجعل مركزها ذات الانسان التي تسعى للمجد الباطل، بينما يجب ان يكون الله هو مركز العبادة وهدفها، والمعطي لمن يتعبد كل العطايا الصالحة… لذلك فإن تَّدَّيَن البعض بطريقة استعراضية أو مظهرية كاذبة لربح قبيح وادعاء غير حقيقي يُخرج العابد من عمق الروحيات الى مظهر الاستعراضية بظواهرها الخطيرة والمنفرة… كمايُوصف المظهريون بتهكم بقول الناس الشعبي الدارج :” “يلحوسوا الأون” او يقبلون الايقونة بشكل تمثيلي مظهري وكأن كل منهم يقول للناس:” انظروني كم انا صالح ومؤمن…”

الظاهرة الأولى التمثيل:”متى صنعت صدقة فلا تصوت قدامك بالبوق، كما يفعل المراؤون في المجامع وفي الأزقة، لكي يُمجدوا من الناس” (مت2:6)، والمراؤون هنا بمعنى الممثلين… وليس في الصدقة فقط ولكن في الصلاة ايضاً، فيقول في( مت 6 : 5): ” ومتى صليت فلا تكن كالمرائين، فإنهم يحبون ان يصلوا قائمين في المجامع، وفي زوايا الشوارع لكي يظهروا للناس”، أي جعلوا الصلاة مسرحية استعراضية امام الناس في الشوارع.

وقال هذا عن الصوم:” ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين، فإنهم يغيرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين” ( مت 6 :16) والظهور المقصود به التمثيل كأنه (اي المرائي) يمثل الصوم والصلاة والصدقة دون واقعية ذلك في عالم الحقيقة التي يعيشها، او تراه يكثر من رسم اشارة الصليب ولو بشكل مبتور ان مر امام كنيسة، وفي واقع حياته لا يصلب يده على وجهه عندما يخرج من باب بيته صباحاً طلباً حقيقياً للبركة وهو بعيد عن عيون الناس، والواقع عند المرائي يلعب دوراً لا يعيشه في حياته الخاصة، بل يعيش تمثيلية كتبها مؤلف آخر ويدربه مخرج يقوده في التمثيل، فلا يمس حياته الخاصة ولكن نجاحه في هذا الدور يتوقف على مدى اقناعه الجماهير، ومن الجدير ذكره ان دوره هذا يتقمص فيه شخصية يمثلها ويعيش معها جزءاً من الزمن ثم يعود لشخصه الحقيقي، والمرائي الذي يمثل شخصية المؤمن العابد يدرس أبعاد هذه الشخصية لكي يمثلها فقط وباتقان امام الناس المشاهدين.

هذا ليس مسلك المؤمن الحقيقي الذي يعرف الله حق المعرفة، ولكنه يمثل الدور فقط دون الحقيقة، وهذه خطورة الاستعراضية لأنها تحول العبادة من الشبع بالله ومحبته الى أغراض غير حقيقية، بل أهداف شخصية باطلة لاتفيد بل تُهلك النفس وتقودها للضياع. وأخطر عبادة فيما ورد في كلمات السيد المسيح له المجد والسجود وهي:”لكي يُمَّجَدوا من الناس”، بمعنى أن ما يسعى اليه فقط هو المجد الذاتي المهلك وليس مجد الله واستحسان الله لعبادته فهذا لايشغله. فالذات البغيضة صارت بديلة عن الله، يتعبد لها المرائي ويقود الناس لعبادتها.وهذا اتجاه شيطاني إذ سبق وأراد أن يرفع كرسيه الى كرسي العلي له المجد…

فأهلنا يارب ان نعبدك كما يأتي اليك الأطفال بكل براءتهم لأن لهم ملكوت السموات…