الخليفة العباسي المتوكل ورحلته الى دمشق…

توطئة

الخليفة العباسي المتوكل على الله، أبو الفضل جعفر بن محمد، بويع له بالخلافة عام 232هجرية، وتوفي مقتولاً عام 247 هجرية. وهو طبعاً لم يكن رحالة ولا جغرافياً حتى نصنف رحلته الى دمشق ضمن دائرة ادب الرحلات وادب الجغرافيين، ولكنه قام برحلته الشهيرة والوحيدة الى دمشق لتوقه الشديد الى عاصمة خصوم قومه الأمويين، دمشق الحلوة بستان هشام كما وُصِفَت، ام التاريخ السحيق والمضيء قبل دخول المسلمين اليها…هي ليست عاصمة الأمويين، بل هي عاصمة المسكونة… سحرت اليونان القدماء فقالوا ان الاله الاغريقي دامسكينوس جاء من بلاد اليونان وعمَّرها واسماها باسمه وفي موضع آخر انه تزوج بشجرة ياسمين فأنجب دمشق، كما اسهمت بالحضارة الهلنستية مع الاسكندر المقدوني، وبالحضارة الرومانية مع فتح القائد الروماني بومبيوس لها السنة 63 ق.م…دمشق منطلق المسيحية الى العالم مع بولس الرسول مع السنة 35 مسيحية…

دمشق في العصر العباسي...
دمشق في العصر العباسي…

دمشق التي اثرت الحضارة الرومية مع قسطنطين الكبير 314 مسيحية وثيوذوسيوس الكبير 387 مسيحية الذي بنى كاتدرائيتها الكبرى، وقد اسماها على اسم القديس والنبي السابق المجيد يوحنا المعمدان، ووضع فيها خليفته تراجان رأس النبي الطاهر، وقد احضره من القسطنطينية دلالة على مكانة دمشق عند الروم ومنطلق المسيحية الى الكون كله…دمشق الشامة هي شامة الدنيا…

سجل التاريخ الاسلامي للمتوكل هذه الرحلة وارتبط ذكرها بشكل اساس في سيرته.

وفي الواقع فإنه وبالاضافة الى ميزات دمشق التي ذكرنا، والتي شدته لزيارتها كانت ثمة اسباب خفية وغايات سياسية تقف وراء هذه الزيارة، وتشكل حلقة أساسية من سلسلة الصراع على السلطة بين الخلفاء العباسيين، وقادة جيوشهم من الترك المرتزقة المستورَدين، والذين طمعوا بالاستيلاء على الخلافة العباسية، ذاك الصراع الذي كاد يذهب بسببه الخليفة المعتصم، ثم راح المتوكل نفسه ضحية له كما سنرى.

ابتدأت حدة هذا الصراع تتنامى عندما أقدم المتوكل على تصفية القائد الطاغية إيتاخ الذي كان ينوي كما تقول المصادر القضاء على الخليفة، وزاد على ذلك بأن أخذ في إقصاء الترك عن المناصب الهامة وشرع في ايجاد جبهة عربية لمقاومة نفوذهم، وبدَّلَ ولاية العهد من ابنه المنتصر الى المعتزّْ ليكون الأول ميالاً اليهم بالأصل.

دمشق في العصر العباسي...
دمشق في العصر العباسي…

غير ان اعماله تلك اوغرت صدور القادة الترك عليه، واستمالوا اليهم ابنه المنتصر الذي شرع في مناصرتهم، ووجدوا حجة قوية في محاربته وتأليب الناس ضده عندما قرر هدم قبر الامام الحسين وتسويته بالأرض. فبات المتوكل ها هنا يحسب لهم الف حساب ويخشى جانبهم اكثر من قبل، ولما ازدادت عليه حدة الضغوط قرر وهو في عصر قوته أن يغادر سامراء، ويلتمس عاصمة جديدة يمارس منها حكمه، واستقر رأيه أخيراً ان تكون تلك العاصمة دمشق، ولو أن بعض المؤرخين كاليعقوبي يعزون سبب هذا القرار الى أنه “وُصِفَ له برد هوائها وكان محروراً”.

رحلة المتوكل الى دمشق

ذو القعدة 243 هجرية – 244 هجرية

عزم المتوكل على المسير الى دمشق، فكتب الى أحمد بن محمد ابن مدبِّر يأمره باتخاذ القصور واعداد المنازل والمرافد. ثم سار بحاشية كبيرة متوجهاً اليها عن طريق الموصل، وكان خروجه كما ذكر اليعقوبي يوم الاثنين لعشر بقين من ذي القعدة عام 243 هجرية، فأدركه عيد الأضحى في مدينة بلد شمال الموصل، فضحى وأقام شعائر العيد. وبعد ذلك استمر في مسيره نحو دمشق، فوصلها يوم الاربعاء لثمان بقين من صفر عام 244 هجرية، ونزل بالقصور التي بُنيت له بداريا.

وتكاد المصادر تجمع على ان دمشق ومنطقتها قد أعجبت المتوكل أول الأمر، وأنه أمر بالبناء فيها ونقل دواوين الحكومة اليها. إلا أنه سرعان ماعاد فاستوبأ البلد لجملة من العوامل الطبيعية، فهي كما ذكر الطبري: الهواء بها بارد نديّ والماء ثقيل والريح تهب مع العصر فلا تزال تشتد حتى يمضي عامة الليل، وهي كثيرة البراغيث وغَلَت فيها الاسعار وحال الثلج بين السابلة والميرة.

ويرى بعض الباحثين المعاصرين في ايامنا أن هذه الأسباب لم تكن بالفعل هي الموجب لعودة المتوكل عن دمشق الى سامراء، ورفضه الاقامة فيها خلال مدة بسيطة من الزمن لم تتجاوز الشهرين فقط ( 38 يوماً كما قال اليعقوبي) وبخاصة أن المتوكل كان قد نزل بداريا على بعد ساعة من دمشق بين صفر وربيع الثاني من عام 244هجرية، الموافقين لحزيران وتموز أي في منتصف فصل الصيف حيث لا أمطار ولا ثلوج في اقليم دمشق بكامله.

ويبدو أن اسباباً أخرى كانت ةراء اتخاذ المتوكل لقرار العودة عن دمشق الى سامراء، لعل أهمها تأثير القادة الترك أنفسهم والذين صحبوا المتوكل في رحلته الى دمشق، فقد اقتنع هؤلاء بأن المتوكل ماقصد من اللجوء الى دمشق الا تصفيتهم والخلاص من نفوذهم المتعاظم يوماً بعد يوم، فأرادو استباق الأحداث وأخذوا يختلقون له المتاعب والصعاب، فشغبوا عليه بل ذهبوا الى أكثر من هذا حيث دبروا مؤامرة لقتله في دمشق والخلاص منهم قبل أن ينتقم هو منهم. وكانت البداية في زرع بذور الشقاق بينه وبين القائد التركي بُغا الذي كان من أخلص أعوانه حقاً، فإن تم لهم ذلك يكونوا قد جردوا المتوكل من سنده الأكبر وصار من السهل القضاء عليه منفرداً.

فهكذا لم يحقق المتوكل بدمشق ما اراده، وتأكد أن عمله هذا لن يجدي نفعاً وانه بات ينبغي له العودة الى سامراء عاصمته السابقة، فكان هذا مافعله ووصلها في جمادى الآخرة من عام 244 هجرية. ولما عاد الى سامراء لم يشأ السكنة بين القادة الأتراك، بل أنشأ لنفسه ضاحية جديدة في الماحوزة عرفت باسم ” المتوكلية ” أو” الجعفرية نسبة اليه، وأنفق عليها أموالاً جزيلاً قدرت بنحو مليوني دينار.

وبالجملة عاش المتوكل البقية الباقية من حياته وخلافته أسيراً لرغبات القادة الأتراك، حتى اعتبر عصره مؤشرا حقيقياً لانحسار سيادة الخلافة العباسية وبقائها مجرد خلافة اسمية مهلهاة، وصح قول الشاعر فيه:

خليفة في قفص ………….. بين وصيف وبُغا

يقول ما قالا له…………… كما تقول الببغا

وسرعان مانفذ القضاء بالمتوكل فلاقى حتفه مقتولاً لأربع خلون من شهر شوال عام 247 هجرية وقتل معه وزيره الفتح بن خاقان، وأسدل الستار نهائياً على عصر السيادة العباسية الفعلية على العراق والشام والحجاز

وأما النص المقتضب الذي وصفت به دمشق أعلاه فإن دل على شيء فإنما على حال الزراية التي اضحت المدينة تعيشها إبان حكم بني العباس، إثر أن اعملوا فيها جهدهم في الحرق والتدمير والتخريب يوم سقطت دولة بني امية على يد عبد الله بن علي العباسي عام 132 هجرية.

وبقيت دمشق على هذا الحال نيفاً واربعة قرون حتى كان عهد نور الدين محمود بن زنكي فأعاد اليها رونقها وبهاءها.

وكذلك ممايتعلق برحلة المتوكل أن بعض المؤرخين في عصرنا حاولوا نسبة بعض آثار بساتين اللَّوان بين المزة وكفرسوسة جنوب غرب دمشق الى بقايا القصور التي عمِّرتْ للخليفة المتوكل آنذاك، فقد ذكر محمد أديب تقي الدين الحصني في كتابه” الريف السوري”: ارض اللوان، نقول إنها كانت فيما مضى قرية مستقلة، وكان الخلفاء الأمويون ثم العباسيون ( المأمون والمتوكل)، وبعدهم نائب السلطنة المملوكية الشهير تنكز في القرن الثامن الهجري، بنوا فيها قصوراً لطيب هوائها وثمارها. ثم دثرت هذه القرية مع قصورها، وتقسمت اراضيها بين المزة وكفرسوسة وداريا.

من مصادر البحث

كتاب “دمشق الشام في نصوص الرحالين والجغرافيين والبلدانيين العرب والمسلمين”

ج1 الايبش أحمد ود. الشهابي قتيبة