جر المياه الى دير سيدة صيدنايا

جر المياه الى دير سيدة صيدنايا

توطئة

هي صفحة مشرقة من تاريخ دير سيدة صيدنايا، وانعكست على بلدة صيدنايا بالرغم مما رافقها من غصة نتيجة رفض الشقيق طائفياً لهذه الخطوة الحيوية كالكثير من الخطوات اللاحقة…!

توثيق هذا الفعل الحميد

تخليداً لهذه الفعل المبارك الذي غير تاريخ الدير والبلدة تم توثيقه بلافتة حجرية وضعت في دير سيدة صيدنايا مقابل كنيسة السيدة في الدير المبارك حيث ورد التالي

” في ظل الحكومتين الوطنية والمنتدبة، وفي عهد غبطة البطريرك غريغوريوس وبسعي الرئيسة الحاجة مريم السمرا والراهبات التقيات، وبهمة إقدام رئيس اللجنة نعمان بك ابو شعر واعضائها سرحان تامر شحفة، أمين يوسف ملوك، أمين بطرس قندلفت، اسكندر نقولا طرابلسي، جبران غطاس بدرا، جرجي جبران مسلم، ايان عبد الله خباز، عبده جرجي ابو شنب، سليم سليمان الأمير وباحسان الغيورين من الطائفة الأرثوذكسية في الوطن والمهجر، وبمهارة المهندسَّين رشدي بك سلهب الطرابلسي، سليمان بك ابو شعر الدمشقي.

استُنبط هذا الماء من الجبل على بعد الفين وست مئة متر من الجهة الشمالية الغربية بنفق وجُرَّ الى خزان منه الى الدير والقرية ودشن يوم الأحد في 22 ايلول شرقي سنة 1924.”

توثيق حادثة جر المياه
توثيق حادثة جر الميا

مراحل العمل…

بتوجيه من غبطة البطريرك غريغوريوس الرابع (1906-1928) وبمساعيه عبر المجلس الملي البطريركي وابناء الرعية الغيورين والمتنفذين في زمن الحكومة الفيصلية التي اعقبت طرد الأتراك من بلادنا في 8 آذار 1918 بدأ السعي الحثيث لايصال الماء الى دير سيدة صيدنايا البطريركي المحجة المسيحية الأقدس في بلاد الشام وفي الكرسيين الأنطاكي والاورشليمي بعد القبر والمهد المقدسين في القدس الشريف، وشكل المجلس لجاناً لوضع المشروع قيد التنفيذ، وتعثر المشروع كثيراً بسبب ضعف التمويل، سيما وان البطريركية الانطاكية الفقيرة اصلاً كانت قد امست مديونة بديون فاحشة للدائنين ورهون للأوقاف البطريركية الارثوذكسية من بيوت وخانات ومؤسسات وموجودات الكنائس والاديرة من تجهيزات كنسية ذهبية وفضية بمقابل فاحش نتيجة فعل الرحمة المتمثلة باطعام الجياع بغض النظر عن الدين والمذهب، الذي قام به غبطة البطريرك غريغوريوس باطعام الجياع في الفترة المسماة ” سفر برلك” من 1914- 1918 طيلة الحرب العالمية الأولى حتى انه رهن صليب لاطيته الماسي ثم باعه لهذا الهدف النبيل (انظر سيرته في موقعنا هنا). اضافة الى تعثر الوضع السياسي ثم نكبة ميسلون ودخول الاستعمار الفرنسي الى سورية واقامة دولة لبنان الكبير من الخاصرة السورية، وسلخ كيليكيا والحاقها بتركيا ارضاء لها كي لاتكون معادية في اية حروب مستقبلية ضد فرنسا…

وتؤكد الوثائق البطريركية على قيام المجلس الملي البطريركي بدوره في قيادة شؤون البطريركية وابرشية دمشق وريفها وخاصة بهذا الموضوع الهام جداً سيما والدير بطريركي مرتبط رأساً بالمقر البطريركي ومجلسها الملي عبر لجنة تنتخب منه تقوم بتسيير اموره اليومية وضبط وارداته ونفقاته وتأمين مستلزماته بالتنسيق مع رئاسته، وكانت بعض اللجان المختصة بجر المياه المتعاقبة قد اخفقت نتيجة اعتذار البعض من اعضائها الذين تم اختيارهم لوضع الخطط والمتابعة كان منهم المصرفي الشهير السيد ميشيل مرقدة صاحب بنك مرقدة الشهير(في محلة العصرونية) الذي تقدم بكتابه الى المجلس الملي البطريركي في 11كانون الأول 1922 شاكراً ثقة المجلس الملي به التي ادت الى اختياره عضواً في لجنة جر المياه، ولكنه اعتذر عن القبول بسبب

مشغوليته، وحذا حذوه الوجيه الثري توفيق بك شامية (محافظ الحسكة، ثم الوزير

صورة للدير تعود الى عشرينيات وثلاثينيات من القرن 20 وتبدو ابنية البلدة وواقع البلدة الصعب
صورة للدير تعود الى عشرينيات وثلاثينيات من القرن 20 وتبدو ابنية البلدة وواقع البلدة الصعب

لاحقاً بعدة وزارات سورية) واخيراً وفي عام 1924 فإن اللجنة المكلفة بجر المياه افلحت في وضع الترتيبات بالتنسيق مع النافعة (وزارة الاشغال العامة والمواصلات) وكان امين عام وزارة النافعة هو المهندس الشهير سليمان بك ابوشعر( عضو المجلس الملي لدورات متعددة وشقيق المطران القديس اثناسيوس ابوشعر الدمشقي) الذي قدم وزميله رشدي بك سلهب الطرابلسي المخططات اللازمة اضافة الى الدعم الحكومي…فتحقق المشروع وجرت المياه الى دير سيدة صيدنايا والى بلدة صيدنايا كما ورد في الكراس الصادر عن بطريركية انطاكية وسائر المشرق / دير سيدة صيدنايا عام 1986 بمناسبة اليوبيل الذهبي للأم الرئيسة كاترين ابي حيدر رئيسة الدير المحتفى بها، وفيه اشارة واضحة الى رئيسة الدير الشهيرة الأم مريم السمرا التي تؤكد الوثائق البطريركية على تعبها المشهود في ادارة الدير ورئاسة رهبنته ودماثة اخلاقها وسيرتها الحميدة ونرى دورها ادناه في هذا المشروع الحيوي… وحكمتها في ادارة الأزمة في تأريخ ذلك في الكراس وهو بعنوان:

“خمسون سنة في دير سيدة صيدنايا “

ورد فيه:

“… وفي عام 1914 اصبحت رئيسة الدير ولفترة طويلة الحاجة مريم السمرا من دمشق/ ومازال اهلها في دمشق وقد اعتنقوا المذهب الكاثوليكي/ وكانت تعرف بإدارتها الحسنة، وفي أيامه تم ايصال مياه الشرب ليس فقط الى الدير بل الى بلدة صيدنايا بالذات وبجهودها وعلى نفقة الدير.

كان اهل صيدنايا ينقلون مياه الشرب على الدواب من نبع بستان الدير ومن نبع بلدة منين أغلب الأحيان والتي تبعد عن صيدنايا مسافة 7 كم اي مشوار ساعة او أكثر مشياً او على الدواب، كما كان الدير يستقي من نبع يقع في ارض الوطية اسفل دير شربين، وذلك بواسطة رجل يدعى مخائيل شعلان/ ابو متري/ والذي كان يتقاضى اجرة عن نقل الماء بمعدل ليرة واحدة للجرة. لم يعجب ابو متري ايصال الماء الى الدير بواسطة القساطل اذ ان في ذلك قطعاً لرزقه واراد ان يمنع ذلك حتى انه استعمل القوة وتهجم بالضرب على الحاجة هيلانة الخوري في مكتب الدير، وقد قام بتخليص الحاجة هيلانة منه بعض الراهبات وعلى رأسهم/ الأم كاترين وكانت لم تزل في ثياب العلمانيين وذلك بأخذ السكين التي كانت بحوزته. وقد جازاه الله عن فعلته المنكرة اذ توفي اثر سماعه ان ولده الوحيد مصابا بمرض عضال وتوفيا الأب والابن في يوم واحد.

ولم يكن ابو متري المعارض الوحيد في ايصال مياه الشرب الى الدير، لقد رفض الكثير من اصحاب الأراضي ان تمر انابيب المياه في اراضيهم وعارضوا معارضة شديدة وأكثر هؤلاء كانوا من الطوائف المسيحية الأخرى، وللتغلب على ذلك قامت الرئيسة المرحومة مريم السمرا بالتنازل عن معصرة قرب الدير الى هذه الطائفة.

رئيسة الدير وقتها الحاجة مريم السمرا مع راهبة ثانية
رئيسة الدير وقتها الحاجة مريم السمرا مع راهبة ثانية

وقد كلفها في ذلك الحين ليرة ذهبية واحدة عن كل ذراع (74 سم) واستفاد اهالي صيدنايا بينهم وبين الدير بمعدل 4/3 لهم و4/1للدير.

خاتمة

تقضي الحقائق التاريخية ان تكون مدونة بشكل صريح بدون تجميل، لأنها حقائق تاريخية. وفي الكراس تمت محاولة الايهام بأن الكثير من اصحاب الأراضي عارضوا معارضة شديدة وان اكثرهم من ابناء الطوائف المسيحية الأخرى .. ووقتها لم يكن من طوائف في صيدنايا الا الأرثوذكسية وهي الأكثر عدداً والكاثوليكية…وان الحاجة مريم السمرا تغلبت على ذلك بالتنازل عن معصرة قرب الدير الى هذه الطائفة…وهنا محددة ” طائفة” وليست طوائف كما جاء قبلاً…والا لقيل ” الطوائف”…

وتؤكد الوثائق البطريركية عن ان المعارضة بدت فقط من ابناء طائفة الروم الكاثوليك الشقيقة بكل أسف، بينما رحب الارثوذكس لمنفعة ديرهم، ومعروف حدة الخلافات المذهبية بين الطائفتين في صيدنايا وسواها في القلمون، وسعي الكاثوليك وقتها للحصول على مايقابل مكانة الطائفة الارثوذكسية التي انشقوا منها سواء لجة وضع اليد على ما امكنهم من اديرة وكنائس…ما يقابل دير السيدة لذا وضعوا اليد على دير مارتوما حيث يؤكد العلامة الخوري ميخائيل زربطاني( المغترب في كندا) وقد وثق زيارته الى صيدنايا وقتها بكتابه:” ارجح المنقول في تاريخ دير البتول” الصادر في عام 1911 ان مفتاح دير مار توما كان بيد دير سيدة صيدنايا… وقد زاره في زيارته الموصوفة بكراسه، ووصفه بكتابه هذا بعد ان رافقه المكاري من دير السيدة الى دير مارتوما ومعه المفتاح… واليوم يعد دير مار توما مركز للبطريركية الكاثوليكية وللبطريرك فكيف ذلك؟؟

اضافة الى معظم المزارات والأديرة التاريخية التي تسبق تاريخ انشقاق الكاثوليك عن الارثوذكس، وكان كاثوليك صيدنايا قد قاموا بوضع اليد على الكثير من الأديرة ومنها دير بطرس او اللولبة اخر البلدة وسواه… ونشير الى ان الوجود الكاثوليكي في الكرسي الأنطاكي كان قد بدأ عام 1724 مسيحية فعلياً وقوي الوجود بحملة ابراهيم باشا المصري بفضل كبير مستشاريه حنا البحري الكاثوليكي حيث تم الاعتراف بها طائفة مستقلة عن البطريركية الارثوذكسية عام 1834 من قبل حاكم مصر والشام محمد علي باشا واضطرت الدولة العثمانية الى اصدار براءة سلطانية بذلك بضغوط الدول الأوربية الكاثوليكية وقتها فرنسا والنمسا…وسكوت الولاة العثمانيين مقابل الرشوة… ونقل المقر البطريركي من دير المخلص في صيدا الى دمشق مع كاتدرائية سيدة النياح بتحويل كنيس يهودي لطائفة القرائين المندثرة التي تم شراؤها من وكيلها بالأستانة، في اعقاب ذلك تم وضع اليد على الكثير من الكنائس الأرثوذكسية في صيدنايا وكان آخرها دير مار توما بعد 1911 الذي يعد اليوم مركزاً

دير سيدة صيدنايا والبلدة مطلع القرن 20
دير سيدة صيدنايا والبلدة مطلع القرن 20

بطريركياً…ويبرود كاتدرائية قسطنطين وهيلانة ودير قارة الكبير… ومعرة صيدنايا دير مار الياس الحي، ومعلولا ير مار سركيس وغيره…وصيدا الكاتدرائية ودير المخلص وصور والكثير من الأديرة والمزارات في جبل لبنان،

وسواء بالتالي لمنع اي مكاسب للطائفة الارثوذكسية مستمدة من دير السيدة وبقية المزارات والكنائس التاريخية كحالة جر المياه الى دير سيدة صيدنايا بدون مقابل، وان كان المقابل هنا واضحاً ثلاثة ارباع المياه الى البلدة وكان في مدخل البلدة على وعيي، وكانت تسمى” العين” حيث تصب بها هذه الكمية مقابل الربع الى الدير وكان المقابل الخاص اخذ معصرة من اوقاف دير السيدة ضمت الى اوقاف الكاثوليك…

والتاريخ تكرر عندما ارادت الرئيسة الأسبق مثلث الرحمات الحاجة كاترين ابي حيدر شق الطريق الى دير الشيروبيم عارض اصحاب الأراضي الكاثوليك الذين سيمر الطريق اما في اراضيهم او جوارها بالرغم من التحسين العقاري ومنعكسه مادياً على هذه الاراضي… لذا اضطرت الى تغيير المخططات، عندها راجعها الكثير منهم معتذرين راجين ان تمر الطريق في اراضيهم لكنها كانت قد اعتذرت فالمشروع بدأ وتم شق اول الطريق ( شهادة شفهية منها لنا وقتئذ)…

المصادر:

– الوثائق البطريركية / وثائق دير سيدة صيدنايا البطريركي

– كراس “خمسون سنة في دير سيدة صيدنايا”

– شهادات شفهية