دير القديس خريستوفورس البطريركي

دير القديس خريستوفورس البطريركي

مركز المؤتمرات الأنطاكي الأرثوذكسي

صيدنايا

مقدمة

صيدنايا بلد الكنائس والأديار، معقل الرهبنة. فلقد كان فيها استناداُ على السائح الروسي بارسكي السنة 1728مسيحية، أربعون كنيسة وديراً منها ديرنا الحالي الذي هو على اسم شفيعه القديس خريستوفورس ودير القديس جاورجيوس، ودير الشاروبيم إضافة إلى ديرها الرئيس، دير سيدة صيدنايا البطريركي العجائبي…

يقع دير القديس خريستوفورس في أول سهل صيدنايا، متوسطاً بلدتي صيدنايا ومعرة صيدنايا، على رابية صخرية، تقع تحتها وفي محيطها كهوف رهبان أبرار عاشوا فيها، ومدافن صخرية دفنوا فيها، وثلاثة آبار ماء شربوا منها، وكنيسة صلوا فيها. يبلغ محيطه حوالي (30) دونماً من الأراضي الصخرية والترابية، منها (15) دونماً تقع داخل سوره الذي بني حديثاً، ويضم الدير القديم بسوره المميز ومركز المؤتمرات الحديث الفخم، الأنيق بحجارته البيضاء وصلبانه المنارة والمتلألئة ليلاً.

كنيسة الدير
كنيسة الدير

نبذة عن سيرة القديس خرستوفورس

خريستوفورس، باليونانية “حامل المسيح”، ولد في القرن (3 م) في إقليم ليكيا في آسية الصغرى لأسرة وثنية، اهتدى إلى المسيحية في مدينة أنطاكية، واقتبل العماد المقدس من البطريرك الأنطاكي بابيلاس (240 – 253) الذي سماه خريستوفورس، حامل المسيح. تعرض لعذابات شديدة ليجحد إيمانه المسيحي.

وصف الدير

يتألف الدير القديم من كنيسة وفناء, يحيط بهما سور حجري منيع بعلو خمسة أمتار تقريباً، شكله مربع تقريباً إذ تبلغ أبعاده (22/24) متراً، يتوسط حائطه الشرقي باب حديدي يعود إلى زمن تجديده الذي تم العام 1957 بنفقة وجهود دير سيدة صيدنايا البطريركي.

تتدرج حجارة السور في صفوفها الأرضية الثلاثة من الضخامة إلى الأحجار العادية في الصفوف الأعلى، وتدل الأحجار الضخمة على تاريخ سحيق لهذا الموقع، يعود إلى فترة القرن الأول قبل الميلاد. ولربما كان موقعه في الأصل معبداً وثنياً، حوَّله الرهبان، بعد استقرار المسيحية في أوائل القرن الرابع، إلى دير جمع قلاليهم ومدافنهم حول كنيسة رهبانية صغيرة.

تؤشر حجارة الصفوف الأعلى الأصغر حجماً إلى تجديد تم في القرن (19)، إضافة إلى ترميم تم لاحقاً بفضل مطران سلفكياس ( معلولا وصيدنايا وزحلة)، مثلث الرحمات جرمانوس شحادة في العام 1905، الذي أنجزه في أعقاب ترميمه لدير القديس جاورجيوس، وهو توأم لدير القديس خريستوفورس.

يدخل الزائر إلى فناء الكنيسة من الباب الحديدي، و يقع جدار الكنيسة الجنوبي إلى يمينه، ويقع فناء الدير وحديقته إلى يساره. ويدخل إلى داخل الكنيسة من بابها الواقع في جدار الكنيسة الغربي الذي تقابله قنطرتان أثريتان مغرقتان في القدم تعودان إلى زمن إحداث هذا الدير.

سور الدير القديم وبوابته التي تعود الى فترة بناء الكنيسة منتصف القرن 20
سور الدير القديم وبوابته التي تعود الى فترة بناء الكنيسة منتصف القرن 20

أما الكنيسة فهي حديثة تعود إلى العام 1957، كما تؤشر اللوحات الرخامية التي أرخت لهذا الحدث الذي تم بعهد مثلث الرحمات البطريرك ألكسندروس الثالث، وبأتعاب وتبرع وكالة الدير ورئيسته وراهباته ومبتدئاته. تتألف من صحن واحد وهيكل مستحدث من الرخام الرحيباني، ويبلغ طولها مع هيكلها(15) متراً، وعرضها (6.5) متراً.

ويتألف الأيقونسطاس من باب ملوكي وبابين جانبيين على يمينه ويساره، تزينه الأيقونات السيدية المعتادة مع أيقونة شفيع الدير، يعلوه صلبوت وأيقونات الإنجيليين الأطهار. أما الأيقونات الأخرى فهي تقدمات من الرهبان والمؤمنين.

وصف مركز المؤتمرات

وهو البناء الجديد الفخم المبني من الحجارة البيضاء النحيتة الذي أمر بإحداثه غبطة البطريرك أغناطيوس الرابع ليكون مركزاً أنطاكياً للمؤتمرات.

واجهة الدير الجديد ومركز المؤتمرات اأنطاكي البطريركي

ويتألف من بناء حجري أبيض اللون، جميل وأنيق، يقع على مرتفع شمال الدير القديم، تصعد إليه بدرج حجري عريض يطل على الدير القديم وعلى سهل معرة صيدنايا بمزارعه وأبنيته الاصطيافية الجميلة. وتحاذي واجهته الخلفية الأكمة الصخرية التي تختزن تحتها تاريخ هذا الموقع. كما تطل على الطريق العام المؤدي إلى معلولا وبقية بلدات القلمون. البناء مكون من طابقين، أرضي وعلوي، وقبو.

الطابق الأرضي

يتألف من مدخل أنيق عبر واجهة رئيسية، يعلوه رواق محمول على أربعة أعمدة اسطوانية من الحجر الأبيض النحتي.

في داخله بهو فسيح أنيق، يوصل إلى القاعة الكبرى متعددة الاستخدامات ومطبخ حديث. فيه ركن الاستعلامات، ويضم أربعة غرف للمنامة إلى يمين البهو، وإلى يساره عشر غرف منامة.

الطابق العلوي

لا يختلف كثيراً في أقسامه وأجنحته عن الطابق الأرضي، إنما تزيد غرف المنامة غرفة واحدة في جناحه الغربي. أما جناح البطريرك فيقع إلى يمين البهو مع قاعة انتظار، إضافة إلى تيراس كبير يقع على سطح الطابق العلوي ويطل شمالاً على هضبة صيدنايا وترتبط به ثلاث قاعات فسيحة إحداها قاعة اجتماعات فرعية.

القبو

يتألف من قاعات خدمية, تضم الخزان والمولدات الكهربائية وخدمات الغسيل والكوي والتدفئة والتكييف ومخازن الأرزاق والطعام.

يتسع المركز بطابقيه الأرضي والعلوي لستين سريراً مع تجهيزات غاية في الأناقة والذوق …

احيط موقع الدير بسور حجري مع درابزين حديدي، وله بوابة فسيحة تقع غرفة الحراسة إلى يمينها وهي مبنية كالسور من الحجر الأبيض ومسقوفه بالقرميد. تحيط أراضي زراعية بموقع الدير، بينما تنتشر الحدائق في محيطه الداخلي وقد شجرت بالأشجار المثمرة والحراجية وأصناف الورود الجميلة وزرعت الحدائق بالحشيش الأخضر(الغازون).

ما قدمناه لا يعدو مجرد تعريف بسيط عن هذا المشروع الأنطاكي الجديد وندرج لا حقاً بحثاً إضافياً شاملاً له من النواحي التاريخية والواقعية، ما يرضي قراء النشرة ويسلط ضوءاً ساطعاً يفيد في معرفة تاريخية هذا الأثر المقدس وفي معرفة فكرة إقامة مركز المؤتمرات. (كتبناه للنشرة البطريركية في العدد 5 لعام 2005)

صورة بانورامية رائعة في الليل تجمع الدير القديم وكنيسته يمينا ومركز المؤتمرات يساراً

حفل التكريس

ببركة صاحب الغبطة، البطريرك إغناطيوس الرابع، ترأس سيادة المعاون البطريركي المطران لوقا (الخوري)، أسقف صيدنايا، صلاة تقديس الماء في دير القديس خريستوفورس في صيدنايا، مساء يوم السبت 7/5/2005، عاونه فيها سيادة المطران غطاس هزيم الوكيل البطريركي وعدد من إكليروس أبرشية دمشق.

اكتظت ساحة الدير، بالإضافة إلى رؤساء أديرة أبرشية دمشق ورهبانها وراهباتها، بأبناء رعية أبرشية دمشق، من المناطق والقرى كافة. وبعد تقديس الماء، تولى الآباء الكهنة رش البناء بالماء المقدس.

ألقى سيادة المطران لوقا كلمة، عبر فيها عن الفرح بوجود هذا المركز الجديد، شاكراً جميع من ساهموا في وجوده:

” … بداية يا أحباء يجب أن نشكر الله الذي باسمه نجتمع وباسم ربنا يسوع المسيح، نشكره على هذا الجو الرائع الذي نعيشه في هذه اللحظات الجميلة، أمام هذا المبنى الجميل، الذي هو بحمى القديس خريستوفورس والعذراء مريم حامية هذه المنطقة.

وأجمل ما يقال لهذه المناسبة كلامٌ لرسول الأمم بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس: ” لسنا نأتي بمعثرة في شيء لئلاّ يلحق الخدمة عيب، بل نُظهر في كل شيء أنفسنا كخدام الله في صبر كثير، في شدائد في ضرورات في ضيقات…كأنّا مضلون ونحن صادقون، كأنّا مجهولون ونحن معروفون، كأنّا حزانى ونحن فرحون، كأنّا فقراء ونحن نُغني كثيرين، كأنّا لا شيء لنا ونحن نملك كل شيء”.

نعم يا أحباء، نحن كرعاة في الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية المتربع على عرشها صاحب الغبطة البطريرك إغناطيوس الرابع … تكون إرادتنا أن نموت ليحيا الأبناء، إرادتنا أن نُقيم الدليل على تعلقنا الشديد بشعبنا وبالوطن … وكما يقول كبيرنا صاحب الغبطة: “نعبر دائماً وباستمرار عن إيماننا بشعبنا المتشبث بأرضه. مع هذا الشعب نحيا لأنه ينتمي إلينا وننتمي إليه”.

مشروعنا المتواضع هذا، الذي قمنا بتكريسه اليوم، والذي هو واحدٌ من عدة مشاريع أقيمت وستقام، هو تعبير عن إيماننا بالله أولاً وبخدمة الإنسان ثانياً، …وهذا المركز سيكون مفتوحأً للجميع لراحتهم في جو يعبق بالإيمان والمحبة.

يطيب لي أن أشكر السادة والأخوة الذين تكرموا وقبلوا دعوتنا للمشاركة في تكريس هذا المبنى الجميل وفرحوا معنا.

يطيب لي وإياكم، أن نرفع التضرع إلى العلي القدير أن يحفظ لنا مولانا صاحب الغبطة البطريرك إغناطيوس الرابع بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، أن يحفظه معافىً مديد الأيام … والشكر كل الشكر، إلى رئيسة دير سيدة صيدنايا ولراهباته وكل العاملين فيه، لأنه ما كان لهذا المركز أن يرى النور لولا دعمهم وكرمهم.

المطران لوقا المعاون البطريركي اسقف صيدنايا ممثل مثلث الرحمات البطريرك اغناطيوس الرابع في حفل تكريس الدير 7/5/2005

ثم شكر من ساهم بالاسم…

ثم تكلمت الحاجة كريستين، رئيسة دير سيدة صيدنايا، شاكرة صاحب الغبطة على توجيهاته الدائمة في إعمار أنطاكية فقالت:

“هذا هو اليوم الذي صنعه الرب نفرح ونتهلل له وبنور قيامته الإلهية نستنير اليوم، نستطيع أن نرحب بصاحب الغبطة البطريرك إغناطيوس الرابع، كلي الطوبى وجزيل الاحترام، وهو، روحاً وبركة، موجود معنا من خلال وفده الكريم… أشكر هذا الحضور … فأهلاً وسهلاً.

قال أحد المفكرين: “الحياة ليست بسطوحها بل بخفاياها، والمرئيات ليست بقشورها بل بلبابها والناس ليست بوجودها بل بقلوبها”، وهذا ما أكده السيد المسيح له المجد: “يا بني أعطني قلبك”.

أيها الحضور الكرام التآخي هو المحبة، هو التقدم في حقل الروح إلى دائرة النور الأعلى ولسان حالي يعجز أن يشكر كل من ساهم في بناء هذا الصرح العظيم أو بذل من جهوده وتعبه أو أعطى من ماله لدعم هذا الدير ليصبح ظفيرة مجدولة بالقداسة مع ديرنا الشريف ثمر صلاح وتسبيح لمجده تعالى، آمين.

عام 1905 المطران جرمانوس شحادة مطران سلفكياس منقباً في خربة دير القديس خريستوفورس وكانت ابرشية سلفكياس تشمل صيدنايا ومعلولا ويبرود ودير عطية وسائر القلمون اضافة الى بلودان والزبداني وقاعدتها زحلة ودير القديس جاورجيوس في صيدنايا المقر الصيفي لمطران زحلة تم الحاقها كلها بالمقر البطريركي بدمشق عام 1924

أيها الأخوة والأخوات انظروا إلى هذا الصرح … يعيد مجد أنطاكية ومجد القديس خريستوفورس حامل المسيح الذي نادى باسمه في أنطاكية واستشهد فيها مخلفاً منارة روحية تنير شموعه دوماً امتداداً لشموع الشاغورة عليها السلام… شعلة من نور يستضيء بها القريب والبعيد لتبقى منارة لا تنطفئ إلى الأبد… ولتبقى سوريةمنارة ورايتها ترفرف على هذا الوطن الغالي الحبيب…” واشاد برئيسها وقيادتها…

 ثم تابع :”…فباسمكم أيها الحضور الكرام لنكثف الصلاة والدعاء إليه تعالى أن يحفظ لنا غبطة مولانا وبطريركنا ليبقى بصحة جيدة وعافية لأنه حامل مجد أنطاكية وحامل لشرقنا لاهوت أنطاكية الخالدة”.

وتتالت الكلمات معبرة عن الفرح العظيم، وعن التقدير لغبطة البطريرك على عطاياه، كلمات وصفته جميعها برجل أنطاكية.

المصدر (النشرة البطريركية العدد5 2005 د. جوزيف زيتون أمين الوثائق البطريركية)