من رحلة فيغا الى سورية والجليل 1912

من رحلة فيغا الى سورية والجليل 1912

“اجتزنا المعاقل الأخيرة لسلسلة جبال لبنان الشرقية الموحشة، حيث بدأ يواكبنا قسم من مياه دمشق العذبة الذي ينبع من هذه الجبال، ( بينما ينبع الجزء الآخر من جبل حرمون) إنه مجرى مخضر (يقصد نهر بردى) شفاف يحاذي الطريق ليروي خضرة الغوطة الغناء وترتفع فوقه صخور رائعة يغمرها نور إلهي وردي ومذهب اللون إنه لتناقض بديع بين حفيف الأوراق والمياه العذبة والصخور ذات اللون الأحمر المرمد التي احرقها حر الشمس والجفاف، تلك الصخور التي ترتسم صورتها بعظمة وجلال في السماء الزرقاء الصافية.

صورة من قاسيون في القرن 19 لدمشق
صورة من قاسيون في القرن 19 لدمشق

عندما نقترب من دمشق تتسع أمامنا الحدائق من كل الجهات، وتتفجر المياه لتنساب بين الأحجار وتقفز كالنوافير الصاخبة، فتعطي المدينة رداء متلألئاً وشفافاً، إنه هبة ثمينة من الجبال التي تحيط بها لتغمرها بنسيمها العليل وتموجاتها الزاخرة فتضفي بنسيمها العليل وتموجاتها الزاخرة فتضفي على دمشق السحر والخصوبة منذ قرون عديدة.

ليس هناك في اعتقادي واحة خلابة تفوق دمشق في العالم كله…

هنا تعتدل الحرارة بفعل الارتفاع، والقرب من الصحراء يجعل الهواء نقياً، ان منظر المدينة يعطي انطباعاً أخّاذاً بالسكون إلى جانب الضوضاء المتمثلة في المدينة القديمة والتي تشكل تناقضاً جذاباً مع ذلك الهدوء.

من قمة جبل قاسيون، هذا الجبل الأجرد حيث نستمتع بمنظر رائع، تتراءى المدينة من هنا رشيقة بيضاء بأسطحتها المستوية ومآذنها الممشوقة وسط بساط من أوراق الأشجار المحيطة بها كالبحر الصغير، أو البحيرة الكبيرة بلونها الأخضر الداكن المائل الى الزرقة. وتعطيها أشعة الشمس لوناً قرمزياً هادئاً، إنها لاتبدو واسعة جداً، وسط غيطانها وبساتين أشجارها المثمرة، وفي الخريف، وعندما تتعرى الجبال والسهول التي تعانق الواحة، تخال أنك في الصحراء ضمن إطار بديع، وخصوصاً في هذه الساعة من النهار، حيث تغطي سحابة وردية اللون قمم جبال لبنان الشرقية وجبل الشيخ.”