اختراع البارود

اختراع البارود

المشهورعن البارود عند كتبة التاريخ أو المؤرخين الإفرنج، أن مخترعه رجل الماني اسمه يوحنا شوارتز سنة 1320 م، ولكن بالمقابل يظهر للباحثين من مراجعة تاريخ الشرق القديم، أن الصينيين كانوا اول من استخدم هذه المتفجرات وساعدتهم في فتوحاتهم وحروبهم البينية والخارجية، إذ كان عندهم ما يشبه البارود بانطلاقه واندفاعه وقرقعته وتدميره. وقد أشار راهب انكليزي من أهل القرن الثالث عشر اسمه (روجر باكن) إلى مزيجٍ من هذا النوع كان معروفاً قبل أيامه، ولكن يؤخذ من مطالعة المؤرخين وكتاب التاريخ المسلمين تأكيداً أن المسلمين كانوا أسبق من غيرهم إلى استخدام البارود، واذا لم يكونوا هم الذين اخترعوه، فلا أقل من أنهم أوصلوه إلى ماعرف به في القرون الوسطى.

البارود الأسود
البارود الأسود

وبيان ذلك، أن تاريخ التمدن الآسيوي القديم، يدل على أن أهل المشرق، كانوا يستخدمون في حروبهم مزيجاً سريع الاشتعال، ولم تعرفه أوربة إلا في القرن السابع المسيحي، والمظنون ان رجلاً من أهل الشام اسمه كالينكوس نقله اليهم.

وكان الروم يومئذ في إبان حاجتهم ليردوا به محاولات المسلمين المتكررة لاقتحام القسطنطينية باعتبارها بوابة اوربة الشرقية، وغيرها من بقية المناطق والمدن في غرب آسية الصغرى وشرق اوربة …وقد فازوا بغرضهم منه، فإن المسلمين حاصروا القسطنطينية مراراً ولكنهم كانوا يفشلون فشلاً ذريعاً ويرتدون على اعقابهم خائبين بسبب ضراوة الدفاع ومتانة اسوار المدينة، وبسبب فعالية السلاح الناري المفاجىء والقاتل

دولاب طحن البارود
دولاب طحن البارود

للمهاجمين وحرق مراكبهم وتدمير اساطيلهم وهو ماعرف ب(النار االيونانية او الاغريقية) المرعبة، وبالغ الروم في كتمان أسماء المواد التي كان يتألف منها ذلك المزيج، فظل أمر هذا السلاح الناري مكتوماً حتى اطلع المسلمون عليه، فإذا بهذه النار عبارة عن مزيج من الكبريت، وبعض الراتتجات والأدهان في شكل سائل، يطلقونه من أسطوانة نحاسية مستطيلة كانوا يشدونها في مقدم السفينة، فيقذفون منها السائل مشتعلاً، كالمدافع

لنار اليونانية وتطلق باسطوانة نحاسية في مقدمة المركب كالمدفع
النار اليونانية وتطلق باسطوانة نحاسية في مقدمة المركب كالمدفع

حالياً. أو يلقونه بشكل كرات مشتعلة أو قطع من الكتان المشبع بالنفط فيقع على المراكب او البيوت فيحرقها.

والظاهر ان المقذوفات التي احترقت بها الكعبة في مكة، في حصار الحسين بن نمير لعبد الله بن الزبير سنة 64 ه المحتمي بها، انما كانت من هذه النار، وماهي من البارود في شيء.

ولكن لما توسع المسلمون في العصر العباسي في العلوم الطبية، واتقنوا فن الكيمياء، تفننوا في تركيب هذه المواد حتى اصبحت على مانعرفه اليوم عن البارود.

بالمقابل وفي معرض الخوض في حروب الفرنجة على المشرق بين القرنين 11 و13 م ذكر بعض الباحثين من الأفرنج ان الفرنجة اكتشفوا ملح البارود، واستخدموه لرمي القنابل والمقذوفات، فهم في هذه الحالة مخترعوا الأسلحة النارية دون سواهم، ولقد تفننوا في استخدامه في دفاعهم المستميت عن بيت المقدس، عندما حاصرها وهاجمها صلاح الدين الايوبي بجيوشه الجرارة، واستطاعوا وقف تقدمه وايقاع الخسائر الفادحة بقواته، بالرغم من قلة عددهم، وكثافة أعداد جيوش المسلمين، سواء برميها بالمجانيق أو بإلقائها على

حصار بيت المقدس من صلاح الدين واستخدام الفرنجة للمفخخات النارية لاعاقة تقدم المهاجمين
حصار بيت المقدس من صلاح الدين واستخدام الفرنجة للمفخخات النارية لاعاقة تقدم المهاجمين

المهاجمين من فوق الأسوار، أو بالمفخخات النارية والألغام المزروعة في مسار تقدم قوات صلاح الدين، المدروسة بابتكارات حربية عبر تقسيم المنطقة إالى قطاعات مرحلية، تم زرعها بالمفخخات بخطوط متوازية، وقذف هذه المفخخات والألغام من فوق أسوار القدس الحصينة بالمقذوفات ما أدى إلى انفجار هذه الالغام والمفخخات في قوات صلاح الدين المهاجمة، ما أوقع بهم الخسائر الفادحة الأمر الذي فرض خروجهم بكامل أسلحتهم في الإتفاق الذي قضى بخروجهم من القدس وتسليمها إلى صلاح الدين… مع التأكيد على مقدار الدمار الذي أحدثته مجانيق جيش المسلمين في المدينة المقدسة وأعداد الضحايا الكثيف بين سكانها المدنيين والمقاتلين الفرنجة المدافعين عنها.

كما واستخدم الفرنجة بالتالي السلاح الناري في الدفاع عن كل مابقي من ممالكهم في طرابلس وعكا وأرواد قبل خروج هذه الحملات الغازية التي دام إحتلالها لبلاد الشام قرنين من الزمان.

ومن جانب آخر يؤكد (كوندي) المستشرق الاسباني المتوفي سنة 1820 م أن أهل مراكش استخدموا الأسلحة النارية في محاربتهم سرقوسة سنة 1118 للميلاد.

ستخدام النار اليونانية من اسوار القسطنطينية ضد اساطل المسلمين
استخدام النار اليونانية من اسوار القسطنطينية ضد اساطل المسلمين

وقد أيد إبن خلدون هذا في مقدمته، وأيده غيره كذلك، على ان البارود كان معروفاً عند العرب وكانوا يستخدمونه في حروبهم قبل الزمن الذي يقول فيه الافرنج ان شوارتز اكتشفه فيه بنحو نصف قرن.

وقد وصف المسلمون تركيب البارود في أواخر القرن الثالث عشر للميلاد بما يشبه تركيبه الآن.