اشارة الصليب

أما أنا فحاشى لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح …رسم إشارة الصليب

أما أنا فحاشى لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح …

رسم إشارة الصليب

ما من مسيحي مؤمن أو غير مؤمن، ملتزم أو غير ملتزم، شيخاً كان أو شاباً أو طفلاً، إلاّ ويرسم إشارة الصليب.

يصلّب المسيحيون بمناسبات عدّة، كما أوحينا سابقا وأوصى الآباء عموماً، ونلاحظ تالياً أنهم عند ذكر الثالوث القدّوس، أو أي لفظ يتعلّق معناه بالصلب أو السجود أو القيامة أو المجد… يرسمون إشارة الصليب يرافقها، في بعض الأحيان، إحناء للرأس، أو سجدة كبيرة أو صغيرة تسمّى “مطانية” (وهي لفظ يوناني يراد به التوبة)، إذ تُلامِسُ أصابعُهم الأرضَ ليدلّوا بذلك أنهم منها، ويطلبون الرحمة والخلاص في ما يؤكدون أنهم خاضعون لله في كلّ شيء.

ماهو تعليم كنيستنا الأرثوذكسية في انطاكية وكل الكنيسة الارثوذكسية العالمية مع غير الارثوذكسية (اللاخلقيدونية) بخصوص رسم اشارة الصليب؟ وما ذا تعني في الحقيقة هذه الإشارة وكيف نرسمها بموجب تعليم كنيستنا الارثوذكسية؟.
تعلّم الكنيسة الأرثوذكسية أن الإنسان كيان واحد، ولذا تطلب منه، في علاقته باللّه، أن يعمل هذا الكيان الواحد، أن يصلي بفمه وقلبه وذهنه، وأن يرسم إشارة الصليب على وجهه وأن يقف وينحني ويركع أمام الله ليرسم بالحقيقة اتصال قلبه ورغبته في الاتحاد به.
فلنرسم إشارة الصليب علامة حبنا للّه المثلث الأقانيم الذي أَحبَّنا أولا بابنه يسوع، ولنقلْ بها، رجاءنا بصدق مواعيده.
أقوال آبائية في الصليب
– للقديس أفرام السوري
“لقد نَصَبوا صليبه عياناً على تلة، ثم نزلوا فجلسوا عند أقدامه. فبهذا الرمز صوَّروه جالساً على عرشه بينما هم موطئٌ لقدميه، الجلجلة مرآة لكنيسته التي بناها على ذروة الحق. واليوم واضحٌ انه هو الذي ثبتَ البيعة على الجلجلة… لقد صُلبَ المسيح، يا للسر! بين لصين: واحد منهما كان يجدف عليه والآخر كان يعترف به. هوذا الشر قد تجلى: فشعب اليهود يهزأُون بالمسيح، واليوم سائر الشعوب يعترفون به. في الصمت سَخِرَ المسيح من اللص الكافر أما اللص المؤمن فأثنى عليه المسيح وجميع تلاميذه يُعظِّمونه. طوباك ايها المكان الذي تأهلتَ لأن يسقُط فيك عرق الابن. إن الابن بارك الأرض بعرقه ليبطل عرق آدم الذي حلّ في الأرض. طوبى للأرض التي طيّبها بعرقه والتي كانت مريضة فشفاها لأنه نضح عرقاً عليها. مَن رأى قط مريضاً يتعافى بعرق ليس بعرقه!”
– القديس يوحنا الذهبي الفم
اصنع هذه العلامة عندما تأكل وعندما تشرب وعندما تجلس، عند نومك وعند نهوضك، عندما تتكلّم وعندما تتنزه، وبوجيز العبارة ارسم إشارة الصليب عند كل عمل، لأن المسيح الذي صُلب هنا على هذه الارض هو في السماوات. فإنه لو كان صُلِبَ وقُبِر واستمر في القبر لكنا نخجل منه، ولكن الواقع أن الذي صُلِبَ على الجلجلة قد صعد إلى السماوات.

تمهيد

إن رسم اشارة الصليب هو أول حركة ايمانية نتعلمها وترافقنا خلال كلّ صلاة رسمية أو شخصية في الكنيسة. ولهذه الحركة رمزية كبيرة خاصةً عندما تترافق بكلمات: “باسم الآب والابن والروح القدس”. وترقى قصة رسم اشارة الصليب الى فترة بعيدة قد تتزامن مع فترة انطلاقة الكنيسة الرسولية التي بدأت بهيكلة ايمانها عن طريق حركات وكلمات مشتركة.
إشارة الصليب حركة استعملها المسيحيون منذ القديم، وهي تشكّل العلامة الخارجية لجميع أسرار الكنيسة المقدّسة، من دون استثناء.
أول شهادة مكتوبة عن رسم إشارة الصليب وصلتنا هي للعلاّمة الإفريقي ترتليانوس (155-225) الذي قال: “في جميع أعمالنا نحن المسيحيّين، حين ندخل ونخرج، حين نلبس الثياب… أو نجلس الى المائدة، أو نستلقي على السرير… نرسم إشارة الصليب على جباهنا”. ويتابع قوله مؤكداً بأن هذه العادة “لم تأمر بها الكتب المقدسة، لكن التقليد يعلّمها، والعادة تثبّتها، والإيمان يحفظها”. القديس باسيليوس الكبير (+379) كرّر الشيء ذاته، إذ تكلّم عن بعض “العقائد والتعاليم المحفوظة في الكنيسة” التي لم تُذكر في الكتاب المقدّس وإنّما “تقبلناها في سرّ مسلَّماً لنا من تقليد الرسل”، فوَضْعُ إشارة الصليب بأهمية “الإتجاه في الصلاة نحو المشارق”، و”كلمات الاستدعاء في إظهار خبز الشكر وكأس البركة”، والتغطيس الثلاثي الذي يجري في المعمودية…(أنظر كتابه: في الروح القدس، 27/66)

طريقة رسم اشارة الصليب
طريقة رسم اشارة الصليب

تتضمن إشارة الصليب العقيدتين الأساسيتين بالنسبة الى لاهوت الكنيسة الأرثوذكسية وجوهر إيمانها، أعني عقيدتي الثالوث القدوس والتجسّد الإلهي، وهي تُرسم على الشكل التالي: يضمّ المسيحي الأرثوذكسي أصابع يده اليمنى الثلاث (الإبهام والسبابة والوسطى) إحداها إلى الأخرى، ويضمّ الإصبعين الأخيرتين (الخِنصَر والبِنصَر) ملصقتين براحة اليد، وثم يرفع يده ويضعها أوّلا على جبينه، ثم ينقلها الى البطن فالكتفين من اليمين الى الشمال، من دون اي عودة الى البطن أو تقبيل لليد. ترمز الأصابع الثلاث المضمومة الى الاعتراف بالإله الواحد المثلث الأقانيم، وأما الخِنصَر والبِنصَر المضمومَين الى راحة اليد فيرمزان إلى تجسّد ابن الله الذي افتدى العالم بموته وقيامته ورفعه الى الألوهة، وبخاصة يرمزان الى اتحاد الطبيعتين الإلهية والإنسانية في المسيح.

العلاّمة ترتليانوس أوحى بهذا الترابط بقوله:” إن المسيحيين يذكرون الثالوث القدوس أثناء رسم الصليب “لأن الإيمان يُختم باسم الآب والابن والروح القدس”. وهذا يعيدنا إلى كتب العهد الجديد، حيث يصوّر الرسول بطرس في رسالته الأولى “المسيحَ الذي افتدى العالم بدمه الكريم بأنه حَملٌ ذبيحٌ “معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم” ( 1 : 19 و 20)، مما يعني أن الله المثلّث الأقانيم قد رأى، في أزليّته، أن ابن الله الوحيد سوف يأتي الى العالم بشراً ليتمم “تدبير الآب” بموته على الصليب من أجل خلاص الذين أخطأوا وابتعدوا عن محبّته. ولذلك نرسم إشارة الصليب في كلّ مرّة يُذكَر الله خصوصاً على شكل ثالوث. ويقترن رسم الإشارة، تالياً، بذكر ألفاظ مثل: “المجد” وغيرها…، ونعلم من خلال العهد الجديد ارتباط صلب المسيح بمجده، فالعبارتان (الصليب والمجد) مترادفتان، خصوصاً في كتابات يوحنا الإنجيلي، فإذا قال يوحنا مثلا: “الآن تمجَّدَ ابنُ الإنسان وتمجَّدَ اللهُ فيه. إن كان اللّه قد تَمَجَّدَ فيه، فإن الله سيمجده في ذاته، ويمجده سريعا” ( 13 : 31 و32)، فهو، بلا شك، يعني أن مجد المسيح الذي كان له عند الآب قبل العالم سيسطع بكامل بهائه إذا ما عُلِّق على الصليب (راجع: يوحنا 17: 5)
لهذه الإشارة قوة حياة تنبع من علاقتها بشخص المصلوب، ولذلك يجب أن نرسمها بفهم، بمعنى أن يرافق رسمَها إيمانٌ مطلق بما ترمز إليه أو ما يستدعيها “أي إيمان بكل عقائد كنيستنا الخلاصية، التي نعلنها برسم إشارة الصليب، إضافة إلى رجاء مطلق بمحبة الله غير الموصوفة ورحمته، وعزم لا يتزعزع على أن نصلب ذواتنا الخاطئة وأهواءنا، لكي يسعنا أن نقبل نعمة الله، ونحيا ضميريا حياة التجدد والتحوّل الداخليين.”

وترقى أولى الشهادات الى حقبة آباء الكنيسة تحدثت عن اشارة صغيرة، يرسمها الإبهام على الجبين فكانت الحركة الوحيدة المستخدمة قبل ان تُرسم اشارة الصليب على الوجه ومن ثم على الجسم.

تذكر “الموسوعة الكاثوليكية”: “أن المؤمنين في الكنيسة البابوية كانوا يرسمون اشارة الصليب بنفس الطريقة الأرثوذكسية حتى القرن الخامس عشر أو السادس عشر، ثم تغيّرت تلك العادة”.

ولا احد سواهم يستطيع شرح سبب هذا التغيير المتأخر للعادة التي تسلّمتها الكنيسة في رسم إشارة الصليب الكريم. وفي مقال نشرته “الكنيسة المسيحية الالكترونية/ اليتيا /للأب فاليريو مورو وهو بعنوان:

“كيف نشأت عادة رسم اشارة الصليب؟

رفع الصليب من قبل الامبراطور هرقل والبطريرك صفرونيوس بعد استرجاعه من الفرس
رفع الصليب من قبل الامبراطور هرقل والبطريرك صفرونيوس بعد استرجاعه من الفرس

يقول :”وتحدث ترتليان هو كاتب عاش ما بين القرنَين الثاني والثالث عن استخدام شخصي وعميق لإشارة الصليب. ويقول في إحدى أعماله الأساسية حيث يُشَّبه التزام المسيحي بالمعمودية بقَسم جنود الإمبراطورية:

“إن انطلقنا في الطريق، إن دخلنا أوخرجنا، إن لبسنا أو اغتسلنا أو ذهبنا الى المائدة أو السرير أو إن جلسنا، نرسم في مستهل كلّ هذه الأعمال اشارة الصليب على جبيننا”.

وظهرت بعد فترة أولى الشهادات الليتورجية (الطقسية) وأبقت على اشارة الصليب الصغيرة التي ترافق المؤمن في لحظات مختلفة من ليتورجيا العماد كما وتشير الى سر فصح المسيح، من اجل العيش باتحاد مع الثالوث المقدس. وبحسب التقليد الرسولي والنص الليتورجي الروماني الذي يرقى الى القرن الثالث، يترافق آخر طردٍ للروح الشرير من المرشحين لنيل المعمودية برسم إشارة الصليب على الجبين وعلى الأذنَين والأنف. وفي النهاية، يُختم طقس المعمودية برسم الجبين بالميرون:” يرسم الاسقف اشارة الصليب على الجبين ويقبله ويقول: “إن اللّه معك” فيجيب المعتمد: “ومع روحك أيضاً”

ومن ثم ترافق هذه الحركة حياة المؤمن الشخصية: “عندما تعترضك التجربة، ارسم اشارة الصليب من كل قلبك: هذه إشارة الألم، المعروفة والتي تم اختبارها في وجه الشيطان إن رُسمت بإيمان، لا ليرى الناس بل لاعتبارها درعاً واقياً.”

وترقى عادة رسم اشارة الصليب على الصدر الى القرن الخامس وقد ظهرت في الشرق المسيحي وانتشرت بعدها في الجليل وفي الطقوس (دهن الموعوظين الجدد بالزيت، خلال القداس الالهي عند بدء قراءة الإنجيل). وظهرت منذ البدء في الشرق عادة رسم إشارة الصليب بثلاثة أصابع مفتوحة أو اثنين في حين تبقى الأصابع الأخرى مغلقة. وتُشير هذه الحركة الى الصراعات الدينية من أجل تحديد الإيمان في الثالوث (الأصابع الثلاثة المفتوحة) أو في المسيح، الإله الحقيقي والإنسان الحقيقي (الأصبعَين المفتوحَين).

ومرّة جديدة، ارتبطت هذه العادة بالتقليد اللاتيني. وتضم كاتدرائية مودينا (إيطاليا) منحوتة ترقى الى القرن السابع تمثل هذه العادة فنرى مجموعة من المؤمنين الذين يرسمون اشارة الصليب على جبينهم مع الأصابع الثلاثة المفتوحة قبل ان يبدأ الكاهن بقراءة الإنجيل

وبدأت عادة رسم إشارة كبيرة للصليب في الأديرة في القرن العاشر إلا ان المرجح هو ان هذه العادة ترقى الى فترات سابقة. فبدأ البعض برسم إشارة الصليب بالأصابع الثلاث المفتوحة انطلاقاً من الجبين نحو الصدر ومن ثم كتف الشمال وبعده اليمين. وتعتبر هذه العادة شرقية بامتياز.

وبعد فترة، بدأ التقليد الغربي باستخدام اليد الممدودة والانتقال بها من اليسار الى اليمين. ولم يتم اعتماد هذا الشكل في القداس الروماني إلا عند اتمام الإصلاح الليتورجي في القرن السادس عشر أي بعد مجمع ترينت

وتجدر الإشارة الى ان رسم إشارة الصليب غالباً ما ترافق بصيغة كلامية محددة. وترقى صيغة الثالوث التي لا نزال نستخدمها اليوم الى حقبة كتابة الإنجيل واعتمدها القانون الكنسي خلال الإصلاح الكارونلجي الذي تم في القرن التاسع. وتستخدم أيضاً صيغ أخرى كتلك التي تفتتح صلاة الصباح بالقول” يا رب، افتح شفتاي” أو “يا أيها الرب الإله، الرب القدوس الذي لا يموت، اشفق علينا.

ورافقت هذه الحركة ومن خلال التغيرات الصغيرة التي ميزتها حياة الكنيسة على مر القرون فهي وكما أشرنا سابقاً مقدمة للحظات الإيمان التي تساعد المؤمن الذي يعيشها على ادراكها. فنحن مدعووين من خلال معموديتنا بالمسيح ان نعيش محبة الثالوث وتُذكرنا اشارة الصليب بالرجاء الذي علينا عيشه.

اما تعليم الكنائس اللاخلقيدونية: القبطية، والسريانية، والارمنية (وفق منتديات الكنيسة) برسم اشارة الصليب فيقول:”عندما نرسم ذواتنا بعلامة الصليب المقدس نستعمل دائما الاصبع الابهام فنضع إصبعنا أولا على جبهتنا ونقول “بإسم الاب” وذلك إشارة إلى أن الله هو فوق الكل وانه عالى فوق الأعالى
ثم نتجه إلى أسفل ونضع اصبعنا على آخر الصدر وأول البطن ونقول: “والابن” إشارة الى نزول السيد المسيح وتجسده فى بطن السيدة العذراء
ثم نضع إصبعنا على الصدر من اليسار وننقله الى اليمين ونحن نقول ” والروح القدس ” ومعنى هذا إننا بإيماننا بالسيد المسيح وبعمادنا بالمياه الحال فيها الروح القدس ننقل من اليسار الى اليمين…
ثم نقول “اله واحد أمين” إقراراً منا لوحدانية الذات الإلهية…”

ايقونة الصلب ومريم العذراء ومريم المجدلية على قدمي الرب يسوع المصلوب
ايقونة الصلب ومريم العذراء ومريم المجدلية على قدمي الرب يسوع المصلوب

 ويتابع كاتب المقال “…ولقد كانت كنيسة رومية تتفق مع كنيسة الإسكندرية فى تقليد رسم الصليب من اليسار الى اليمين وتتبعهما فى ذلك كنيسة اورشليم وانطاكية ولكن الان قد غيرت كنيسة رومية هذه العادة القديمة، وأصبحت ترسم الصليب من اليمين الى اليسار وتتبعها فى ذلك كنيسة اليونان…”

لماذا يرسم الأرثوذكس الصليب من اليمين أولاً؟

بينما يلمس الأرثوذكس الكتف الأيمن أولاً ثم الأيسر، يبدأ الكاثوليك بالكتف الأيسر أولاً. فهل هذا يُعتبر اختلافاً؟ ولماذا نشدّد على أهمية رسم إشارة الصليب بشكل صحيح؟
الأرثوذكسي يضم إبهامه إلى سبّابته وإصبعه الوسطى فيلتقون في نقطة واحدة. الأصابع الثلاثة تشير إلى الثالوث الأقدس، بينما يشير الإصبعان الآخران إلى طبيعتي السيد المسيح: الإنسانية التامة والإلهية التامة.

يلمس في البداية جبينه ثم أعلى البطن راسماً بذلك الجزء العمودي من الصليب المقدس. ثم ينتقل من أعلى البطن إلى الكتف الأيمن لينهي عملية رسم الصليب بملامسة كتفه الأيسر.

عملية رسم إشارة الصليب هي عملية طلب النعمة الإلهية، والكاهن عندما يبارك المؤمنين فإنه يباركهم بإشارة الصليب من اليسار إلى اليمين. ولهذا يقوم المؤمنون برسم الصليب على أنفسهم من اليمين إلى اليسار بعملية معاكسة.

عندما فصل الرب الخراف عن الجداء وضع الخراف على اليمين والجداء عن اليسار (متى25: 33)، لهذا تعتبر الكنيسة ان اليمين هو المقام الأفضل. لهذا نرسم إشارة الصليب باليد اليمنى، وعندما يبارك الكاهن شخصاً فهو يبارك يمينه أولاً ثم يساره.

كذلك يتم تبخير المذبح المقدس في الهيكل يبدأ من جهة اليمين كذلك اولاً، وكذلك تبخير الأيقونسطاس والمؤمنين، فكله يبدأ من اليمين أولاً. ثم ان الكاهن يناول الشعب بيمينه دوماً الجسد والدم المقدسيَّن، حتى لو كان الكاهن يعتمد على يده اليسرى (أيسراً).

إذا قام أحد الوالدين برسم إشارة الصليب لمباركة أحد الأطفال فإنه يرسمها كما الكاهن مباركاً، أي من اليسار إلى اليمين، بينما إذا رسم الصليب على نفسه فإنه يفعل ذلك منطقياً من اليمين أولاً ثم إلى اليسار.

تذكر الموسوعة الكاثوليكية أن المؤمنين في الكنيسة البابوية كانوا يرسمون اشارة الصليب بنفس الطريقة الأرثوذكسية حتى القرن الخامس عشر أو السادس عشر، ثم تغيّرت تلك العادة. ولا احد سواهم يستطيع شرح سبب هذا التغيير المتأخر للعادة التي تسلّمتها الكنيسة في رسم إشارة الصليب الكريم.

لذلك يتمسك الارثوذكس برسم إشارة الصليب بالشكل الصحيح، إذ أنه ليس لدينا الحق في قبول ما نشاء ورفض ما لا نشاؤه من التقليد الشريف. فآباء الكنيسة وعدد لا يحصى من القديسين قد رسموا إشارة الصليب من اليمين إلى اليسار، كما أن كل الأيقونات القديمة تظهر القديسين وهو يرسمون الصليب من اليمين إلى اليسار، كما ان الجانب الأيمن يُشار له بأنه رمز مفضّل وذلك في فقرات كثيرة من الكتاب المقدس ومن صلواتنا وتراتيلنا الكنسية. فلماذا ينبغي ان نبدّل ما تسلّمنا؟


 ضم الأصابع الثلاثة الأولى
لكي نرسم إشارة الصليب بالشكل الصحيح، عليّنا أولاً أن نضمّ الأصابع الثلاثة الأولى معاً من اليد اليمنى تعبيراً عن الإيمان بوحدة الثالوث، أي إنّ الله الآب، الله الابن، والله الروح القدس إله واحد في ثلاثة أقانيم.

طوي الأصبعين الأخيرين

نطوي الأصبعين الأخيرين على راحة اليد إشارةً إلى الإيمان بطبيعتي ابن الله الإلهية والإنسانية، أي إنّ يسوع هو إله تامّ وإنسان تام.

راحة اليد

أمّا راحة اليد فهي ترمز إلى رحم العذراء مريم والدة الإله حيث وحّد ابنها الطبيعتين الإلهيّة والإنسانيّة معاً فيه وعبر هذا البطن الذي صار ارحب من السماوات.

كيف نرسم اشارة الصليب؟

1- اليد اليمنى إلى الرأس

نرفع يدنا اليمنى إلى الرأس حتّى تلامس الجبهة، لأنّها الجزء الأعلى من جسم الإنسان، مشيرين إلى العلى أي إلى السماء، ونقول باسم “الآب”، لأنّ الله الآب هو مصدر كلّ الخليقة ولأنّه سينير عقولنا كي نفهم تعاليم الحياة الروحية التي نسمعها في الكنيسة.

2- تنزيل اليد اليمنى إلى البطن

ثم ننزِل باليد اليمنى إلى البطن حتى تلامسه أيضاً ونقول “والابن” مشيرين بهذا النزول إلى تنازل الله من السماوات وتجسّده في بطن مريم  العذراء، وسيملأ أحشاءنا وقلوبنا بالمحبة له وللآخرين.

3- ملامسة اليد اليمنى الكتف

بعدها تلامس اليدُ اليمنى الكتفَ الأيمن ونقول “والروح القدس” لأنّ يسوع بعد قيامته وصعوده إلى السماء وجلوسه عن يمين الآب أرسل لنا الروح القدس المعزّي الذي سوف يقوّينا ويعطينا القوّة الجسدية والروحية لنعمل مشيئة الآب وإرادته.

4- الانتقال إلى الكتف اليسرى

ثمّ ننتقل إلى الكتف اليسرى فنقول “الإله الواحد. آمين”. وكأننا، بهذا الانتقال من اليمين إلى اليسار، نلفّ الكون بأكمله، ونؤكّد سرّ التدبير الخلاصي الثالوثي.

 نحن نرسم هذه الإشارة مرّات كثيرة خلال صلواتنا والخدم الإلهية، عند دخولنا إلى الكنيسة وتقبيل الأيقونة، قبل وبعد قراءة الإنجيل، قبل الطعام وبعده، عند الانطلاق بالسيارة، عند المباشرة بالدرس أو بالعمل، قبل النوم وبعد النهوض من النوم…

ويجب ألاّ تُرسَم إشارة الصليب باستعجال، وإنّما دائماً بوقار وانتباهٍ وتروٍّ مع إحناءة للرأس دلالةً على التواضع والتوقير، لأنّ الصليب نفسه كليّ الوقار ولأنّه السلاح الذي لا يُغلَب، الذي به ننتصر على كلّ شرّ. فهو تاجٌ لكلّ مؤمن حَسَن العبادة. إنّه المنارة للنور الأبدي. وهو كما جاء في قانون الصليب الكريم “حافظ الأطفال الكلي تسبيحه”. فالسلام عليك يا عوداً مغبّطاً.

” فان كلمة الصليب عند الهالكين جهالة واما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله” (القديس بولس في رسالته الاولى الى اهل كورنثوس 1-32)

هل هناك وقت محدد نرسم فيه إشارة الصليب؟

نحن نرسم هذه الإشارة، مرّات كثيرة خلال صلواتنا والخدم الإلهية، عند دخولنا إلى الكنيسة وتقبيل الأيقونة، قبل وبعد قراءة الإنجيل، قبل الطعام وبعده، عند الانطلاق بالسيارة، عند المباشرة بالدرس أو بالعمل، قبل وبعد النهوض من النوم، وعندما نشعر بالخوف، أو بالفرح أو بالشكر لله.

نرسم اشارة الصليب بوقار

البعض يرسم هذه الإشارة ببطء والبعض الآخر باستعجال، فهل للسرعة أي معنى؟

يجب ألاّ نرسَم إشارة الصليب باستعجال وإنّما دائماً بوقار وانتباهٍ وتروٍّ مع إحناءة للرأس دلالةً على التواضع والتوقير. لأنّ الصليب نفسه كليّ الوقار ولأنّه السلاح الذي لا يُغلَب الذي به ننتصر على كلّ شرّ. فهو تاجٌ لكلّ مؤمن حسن العبادة. إنّه المنارة للنور الأبدي.

الخاتمة

اذا تأمل المسيحيون عموماً والمشرقيون خاصة، الصليب في كل يوم وخاصة اليوم، عليهم ان يتأملوه باعتزاز وكقوة محولة ومغيِّرة، حوَّلت الموت الى حياة “وطئ الموت بالموت” وحّوَّل اللعنة إلى برّكة أبدية، قوة الصليب المقدس حولت العداوة الى محبة والظلام الى نور.
فكل نور يُرى بالعين ايها الأحباء يمكن ان ينطفئ أما نور الله إذا أشرق في القلوب فلا قوة في العالم يمكن تطفئه.

الصليب جمال صدور المؤمنين
الصليب جمال صدور المؤمنين

الصليب الذي نحمله في قلوبنا ونحمله نحن مسيحيو المشرق معتبرينه حملاً ثقيلاًعلى اكتافنا منذ فجر الوجود المسيحي فيه (وانطلاقة المسيحية من القدس ودمشق وانطاكية…) ولازلنا نحمل هذا النير الثقيل في مااسموها “ثورات الربيع العربي” بكل تكفيرها وهمجيتها وتكفيرييها وهمجيتهم وقد دفعنا الثمن الأفدح بسبب قلة عددنا، وكان عدوانا خطيراً على كنيستنا وعلى صليبنا قام به الشيطان العدو الازلي للمسيحية وهذا العالم الالحادي المدجج بكل وسائل الانتصار ولكن نحن في المسيحية يمثل الصليب القوة الاعظم في بقائنا وحمايتنا وانتصارنا لذلك صليب المسيح الذي به افتدى الرب يسوع البشر عليه هو الذي يحملنا ونحن ثقلاء عليه

ان من ارتضى واختبر صليب المسيح كنيرٍ يعيشه كل يوم، هذا يعرف كيف تتحول الظلمة الى نور، والحزن الى فرح، والعدواة الى حب والضيق الى مسرة وسلام.

فحينما يقول المسيح “أحبوا أعداءكم” يقولها على اساس انك تحمل صليبه وتتقبل في نفسك “موت الصليب بالارادة”.

لم أصبحت المحبة ضعيفة في أوساطنا أو لماذا صارت الكنيسة غير قادرة على جمع المتفرقين إلى واحد /بسبب من خفافيش الظلام والصيادين في الماء العكر كما حصل ويحصل، بأفعال من يتسمون مسيحيين وهم بالتالي ابعد مايكونوا عن روح المسيح/ ولم اصبحت الكنيسة في وقتناغير قادرة ان تظهر كقوة وكحياة أبدية باعتبارها ملكوت الله على الارض؟

الجواب هو

عدم قدرة المسيحيين على حمل الصليب في باطن الصدور والقلوب، كما فعل اجدادنا وانتصروا بقوته على كل الهجمات عبر الألفين المنصرمتين، وهو ليس الصليب الذهبي بأشكال تزينية والمرصع الذي نحمله غالباً للزينة على رقابنا وخاصة صدورنا وبالاخص صدور النساء التي بكل اسف عارية مايؤلم ويخزي أكثر فأكثر… الصليب ليس حلية على صدر عار يثير الغريزة، الصليب هو جمال النفوس والصدور”وثبات المؤمنين وقوتهم…”

الصليب في الواقع هو صليب التواضع والانسحاق وانكار الذات ومحبة الكل حتى الاعداء وهوجمال الكنيسة وقوتها.

ان التصليب أو رسم إشارة الصليب مقدمة للحظات الإيمان التي تساعد المؤمن الذي يعيشها على إدراكها. فنحن مدعووين من خلال معموديتنا بالمسيح أن نعيش محبة الثالوث، وتُذكرنا اشارة الصليب بالرجاء الذي علينا عيشه.

هذا هو ما نحتاجه وتحتاجه الكنيسة والعالم كله اليوم. أن نعشق وأن نحب الصليب وأن نكون على استعداد لأن نموت كل يوم على صليب ربنا يسوع المسيح. الذي أخذ في نفسه قوة أن يغلب الشر بالخيرو يقتل العدواة بالحب، هذا هو الذي انتقل من الموت الى الحياة، واستطاع بالتالي أن يحول الموت في الاخرين الى حياة.
مصادر البحث

– موقع بطريركية الروم الارثوذكس/ شروحات ارثوذكسية.

– الأب ألكسندر ليبيديف/ شبكة روم ارثوذكس

– الكنيسة المسيحية الالكترونية/ اليتيا /الاب فاليريو مورو
-“موقع كلمة”: “اشارة الصليب، رسم الصليب نظرة ارثوذكسية”

– موقع الحق والضلال

(الصورة البارزة من صفحة بطريركية الروم الأرثوذكس)