الملاك الحارس

تذمّر موجود (قصّة رمزيّة)

تذمّر موجود (قصّة رمزيّة)

عاش في الصين، منذ سنوات سحيقة، شابّ اسمه “موجو” كان يكسب رزقه من تكسير الأحجار في الجبل. وبالرغم من قوّة جسده وسلامة صحّته، إلاّ أنّه لم يكن راضياً بنصيبه في الحياة، وكان دائم الشكوى والتبرّم مما هو فيه، حتّى إنّه جدّف على الله، ما دفع ملاكه الحارس أن يظهر ويقول له: “أنت متمتّع بالصحّة والعافية، وها حياتك مزدهرة، وأرباحك تكفيك، وكلّ الشباب، أمثالك، يبدأون حياتهم بالعمل عينه الذي تقوم به، وهم راضون قانعون، فلماذا أنت دائم الشكوى؟”.

فردّ الشابّ: “إنّ الله يعاملني معاملة جائرة، ولم يعطني الفرصة لأصير أغنى.”
وإذ علم الملاك ذلك، ذهب وسأل الربَّ المشورة، ورجاه ألاّ يرفع حمايته عن هذا الشابّ المتذّمر، لئلاّ تهلك نفسه. فقال له الربّ: “افعل ما يبدو لك صالحاً، وأعطِ “موجو” كلّ ما يريده.
وفي اليوم التالي، كان “موجو” يعمل كعادته في تكسير الأحجار، حينما شاهد عربة تعبر أمامه يركبها رجل من النبلاء، وقد تحلّى بالملابس الثمينة المزيَّنة بالمجوهرات البرّاقة. وبينما هو يمسح عرقه عن وجهه المعفَّر بالتراب، قال بمرارة: “لماذا لا أكون رجلاً من طبقة النبلاء، ولكن، للأسف، هذا هو النصيب الذي يريده الله لي”.

لمّا سمع الملاك هذا الكلام، تمتم قائلاً: “ليكن لك ما تريد”.
وأصبح “موجو” من طبقة النبلاء، وصار يملك قصرًا منيفًا تحوطه حديقة غنّاء واسعة الأرجاء، ويخدمه عدد كبير من الخدم والحشم، ويركب الجياد المطهَّمة متباهياً، كما اعتاد أن يتبعه، كلّ يوم، رتل من الأتباع والعبيد. وأمّا متعته الكبرى، فكانت عندما يجد رفقاءه القدامى يقفون إلى جانب الطريق، يحدّقون به باحترام بالغ. وفي أحد أيّام الصيف الشديدة الحرارة، بدأ العرق يرشح منه بغزارة رغم احتمائه تحت مظلّته الذهبيّة. فأحسّ، حينئذ، أنّه ليس هو الرجل الأهمّ في هذه الدنيا، إذ كان يرأسها أمراء وأباطرة، ولكنّ الشمس كانت أعلى منهم جميعاً، وتالياً، هي لا تخضع لأحد، فالشمس، إذًا، هي الملك الحقيقيّ. وبأنين توجّه “موجو” بالحديث إلى ملاكه: “يا ملاكي العزيز، لماذا لا أكون أنا الشمس؟ فهذا ما يجب أن يكون نصيبي، يجب أن أكون أنا الأهمّ.”
وبسرعة فاه الملاك مؤيِّدًا طلبه، ومحوِّلاً حزنه إلى هذا الطموح المبالَغ فيه، وهو يهزّ رأسه أسفاً. وصار “موجو” هو الشمس كما أراد. وبينما كان يشعّ في السماء، مفتخراً بقوّته الفائقة التي تُنضج الحبوب أو تحرقها كما يحلو لها، لاحظ بقعة سوداء تتحرّك من بعيد نحوه، ثمّ ما لبثت أن أخذت تنتشر حوله، وتكبر شيئًا فشيئاً. وتحقّق “موجو” أنّها سحابة تحيط به، حتّى حجبته عن رؤية الأرض، فلم يعد قادراً على رؤيتها. وصرخ “موجو”: “أيّها الملاك، إنّ السحابة أقوى من الشمس. أريد أن أكون سحابة”. وردّ الملاك بأسًى: “ليكن ما تريد، أيّها الشابّ الطموح”. وتحوّل “موجو” إلى سحابة، وظنّ نفسه أنّه قد حقّق حلمه أخيرًا. وهتف وهو يجيب نور الشمس: “أنا قويّ جدًّا، أنا من لا يغلبه أحد ولا حتّى أنت، أيّتها الشمس، فهوذا ظلّي يحجبك ويخيّم حتّى على البحار الواسعة.”
ولكن على شاطئ المحيط الشاسع، كانت تقف صخرة هائلة من الغرانيت قديمة قِدَم العالم نفسه. وظنّ “موجو” أنّ هذه الصخرة تتحدّاه بوجودها الشامخ، فأطلق عاصفة لم يرَ العالم مثلها من قبل، واندفعت الأمواج الثائرة على الصخرة تضربها، وهي تحاول أن تزحزها من مكانها، وتلقيها في أعماق البحر، ولكنّ الصخرة، بثباتها وعدم تأثّرها بالأمواج، بقيت صامدة لا تتحرّك. وتنهّد “موجو” وصرخ وهو يبكي: “أيّها الملاك، إنّ الصخرة أقوى من الغيمة، ليتني أصبح صخرة”. وتحوّل موجو إلى هذه الصخرة. وتكلّم مفتخراً: “من يستطيع أن يتغلّب على الصخرة الآن؟! أنا أقوى مخلوق على الأرض.”
ومرّت أعوام وأعوام، حتّى أتى يوم أحسّ فيه “موجو” بشيء يطعن أحشاءه الصخريّة، وأعقب ذلك ألمٌ في باطنه شديد، وكما لو كان جزء من نسيجه الغرانيتي يتحطّم إلى قطع من الحجارة؟ ثمّ سمع ضربات شديدة متوالية شعر، بعدها، بألم لا يطاق. وتحوّل خوفه إلى رعب جنونيّ، فصاح: “أيّها الملاك، إنّ شخصاً ما يحاول أن يقتلني! إّنه أكثر قوّة منّي، إنّي أريد أن أصير مثله”. وصرخ الملاك وهو يبكي من تذمّر هذا الشابّ: “ليكن لك ما تريد”. وهكذا رجع “موجو” في النهاية إلى تكسير الحجارة كما كان.

عبرة

أحبّاءنا، فلنكن مكتفين بما رزقنا إيّاه الله، فهو عالم أكثر منا بصالحنا، وبما نحن نحتاج إليه. فلنشكره على كلّ شيء وفي كلّ حال.

“أمّا التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة”
(1تيموثاوس 6:6)