ايقونة انزال المصلوب

“جُلِدَ لأجلي”

قصة وعبرة…

“جُلِدَ لأجلي”


لم يستطع أيّ معلم أن يسوس تلاميذ إحدى مدارس المدن الجبليّة النائية لفوضويّتهم وشراستهم، ولذا كان المعلّمون يفضّلون الاستقالة على البقاء فيها. وفي يوم من الأيام، تقدّم معلّم في مقتبل العمر، طالبًا أن يُقبل، فتفرّس فيه المدير العجوز، وقال: “أيّها الزميل الشابّ، أتعلم ما طلبت؟! “قَتْلَةً مُرتَّبة مؤلمة!!”، فجميع الذين علَّموا هنا منذ سنوات لم يَسْلَموا منها”. فأجاب المعلّم على الفور: “سأغامر”.
وعندما دخل الشابّ صفّه ليبدأ التعليم، همس أحد التلاميذ الضخام الجثّة، واسمه زياد، قائلاً:
– “لن أحتاج إلى أيّة مساعدة منكم، فبإمكاني أن أضربه وأغلبه وحدي”
وأمّا المعلّم، فقال: صباح الخير، يا أولادي، لقد أتينا لنباشر الدراسة. إنّني أريد مدرسة جديدة، ولكن لا أستطيع إتمام هذا بمفردي ما لم تساعدوني أنتم. أعتقد أنّه ينبغي أن يكون لنا بعض القوانين. اذكروها أنتم، وأنا أسجّلها على اللوح الاسود
فزأر أحدهم قائلاً: “السرقة ممنوعة”
وزعق آخر: “الحضور إلى المدرسة في الوقت المعيَّن دون تأخير”
وهكذا سجّلوا عشرة موادّ في القانون الجديد للمدرسة.

فقال المعلّم: “لا فائدة من القانون ما لم يرتبط بعقاب للمخالف. فماذا سنفعل بمن يخالف أحد بنود هذا القانون؟”.

فردّ الجميع: “اجلده عشر جلدات على ظهره على أن يكون بلا معطف.”
المعلم:”هذا العقاب شديد وموجع، فهل أنتم على استعداد لتطبيقه؟”
فصرخ الجميع بصوت واحد: “موافقون”
المعلم: “إذن، يُعتبر هذا النظام ساري المفعول من هذه اللحظة”
بعد مضي يوم واحد، وجد “زياد البدين” أنّ طعامه قد اختُلس، وبعد التحقيق الدقيق ظهر السارق. إنّه أحد التلاميذ الصغار، في العاشرة من عمره . فأعلن المعلّم قائلاً: “لقد وجدنا السارق، وبموجب القانون الذي وضعتموه، يجب أن يعاقَب بجلده عشر جلدات على ظهره. تعال إلى هنا يا فريد”.

فتقدّم الفتى الصغير مرتجفًا، وكان يلبس معطفًا فضفاضًا ومقفَل الأزرار حتّى الرقبة. فأخذ يتوسّل إلى المعلّم قائلاً:
– “بإمكانك أن تجلدني بأقسى ما يمكن، ولكن أرجوك، لا تطلب منّي أن أخلع معطفي”
– ” بل يجب أن تخلعه، لقد كنت أنت أحد واضعي هذا القانون.”
– ” آه، يا معلّمي، أرجوك أن تعفيني من ذلك.”
ولمّا لم يجد استجابة لتوسّلاته، ابتدأ يفكّ أزرار المعطف، ويا لهول ما رأى المعلّم!! لم يكن المسكين يلبس قميصًا تحت المعطف، بل كانت هناك حمّالتا سرواله على جسده النحيل العاري، وعظامه بارزة لشدّة هزاله.

فكّر المعلّم في نفسه قائلاً:” كيف يمكن جلد هذا الصبيّ؟ ولكن يجب أن أتّخذ أيّ إجراء إن كنت أريد استمرار هذه المدرسة”.

خيّم الصمت الرهيب، وبدا الانذهال على الجميع. فسأله المعلّم:
“لماذا أنت من دون قميص، يا فريد؟”
– اجاب الصبي الصغير: “لقد توفّي والدي، ووالدتي فقيرة جدًّا، وليس عندي سوى قميص واحد، وهي تغسله اليوم، لذا ارتديت معطف أخي الكبير لأستدفئ به”.
تلعثم المعلّم، واحتار في أمره بينما كان القضيب ما زال في يده، وعندها قفز “زياد البدين” يقول: “إن كنت لا تمانع، اجلدني أنا نيابة عنه”. فردّ المعلّم: “حسن جدًّا، هناك قاعدة ثابتة تقول: “بإمكان شخص أن ينوب عن شخص آخر. فهل توافقون كلّكم على هذا؟”
وما هي إلاّ ثوانٍ حتّى خلع “زياد البدين” معطفه، وبعد خمس جلدات على ظهره انكسر القضيب!

عندها وضع المعلّم رأسه بين راحتيه، مفكّراً: “كيف أستطيع أن أنهي هذه المهمّة المريعة؟”.

ثمّ سمعه الصفّ كلّه يشهق مستردًّا أنفاسه، فماذا رأى أمامه؟!

رأى “فريد الصغير” يهرع إلى زياد “الكبير”، ويعانقه قائلاً: “أنا متأسّف، يا صديقي، لأنّي اختلست طعامك. لكنّي كنت جائعًا جدًّا. سأحبّك، يا زياد، إلى آخر يوم من حياتي، لأنّك قبلت أن تُجلَد عنّي. نعم، سوف أحبّك إلى الأبد…”

سؤال من روحانيتنا
أحبّاءنا، هل حدث أن أخطأتم، ووقفتم وقفة خاطئ ذليل أمام الله؟ هل فكّرتم أنّ يسوع المسيح رضي أن يُجلَد نيابة عنكم، وأنّ ما فعله، فقط، لأنّه يحبّكم؟ هل أنتم مستعدّون أن تقعوا عند قدميه، قائلين له بأنّكم ستحبّوه وتتبعوه إلى الأبد، محافظين على الإيمان به إيمانًا حيًّا؟ هل سمعتموه يقول لكم: “لقد أريق دمي الثمين من أجلكم، لأنجّيكم من صولة المهلِك وفتكه، وأنت، يا ابني، ماذا فعلت، يا ترى، من أجلي؟”. تُرى ما هو الجواب اللاّئق الذي يجب أن يبديه كلّ واحد منّا؟!!