هارييت ليفرمول

هارييت ليفرمول… سعت لتوطين اليهود في فلسطين فتحولت إلى متسولة في طرقات القدس

هارييت ليفرمول…

سعت لتوطين اليهود في فلسطين فتحولت إلى متسولة في طرقات القدس

لا يعرف كثيرون أن محاولات توطين اليهود في فلسطين، بدأت في القرن السادس عشر وأنشأ بعض اليهود مستوطنات زراعية في منطقة طبريا، ولكن استعرت هذه المحاولات في بدايات القرن التاسع عشر عبر مجموعة من الأمريكيين البروتستانت الذين آمنوا أن قيام دولة لليهود يحقق الشرط اللازم لعودة المسيح، ومن ثم بداية ما يعرف بـ”العهد الألفي السعيد.”

العهد الألفي هو معتقد بروتستانتى يشير إلى أن المسيح سيعود إلى الأرض عندما تقام دولة لليهود في فلسطين، ووقتها سيحكم العالم لنحو ألف سنة يعمها الخير والرخاء والسعادة.

من هذا المنطلق سعى عدد من الأمريكيين عبر محاولات فردية إلى إقامة مستوطنات يهودية في فلسطين أملاً في تحقيق هذه النبوءة، وكان منهم هارييت ليفرمور التي تحولت من كاتبة روايات ومغنية وشاعرة إلى واعظة ومبشرة بعودة اليهود إلى أرض الميعاد.

بداية التحول

كانت ليفرمور ابنة عضو مجلس النواب عن ولاية نيو هامبشاير، وتحولت من فتاة تتشبه بالرجال إلى آنسة بريئة، تتميز بالأناقة والعيون الداكنة. رفضت طابوراً طويلاً من الشباب المتقدم للزواج بها، ولما رُفضت بدورها من طبيب شاب بالجيش، يأست تماماً من خوض أي تجربة رومانسية بحثاً عن حب أكبر وأسمى.

اتخذت قراراً بأن تصبح متدينة، فأخذها القرار أولاً إلى “الأبراشانية”، ثم “المشيخانية”، ف”الكويكرز” (كلها طوائف بروتستانتية)، لكنها لم تقتنع بأي منهم، فاتجهت إلى “المعمدانية” وأسست طائفة خاصة بها أسمتها “الحاج الغريب”

آمنت ليفرمول بأنها صاحبة قدرة على التنبؤ بالمستقبل، وأنها مبعوثة إلى الهنود الحمر، الذين آمنت أنهم من نسل الأسباط العشرة التائهة (في العقيدة اليهودية توجد عشر قبائل من أصل اثني عشر قبيلة يهودية أصلية عرفوا بالأسباط، سبيت من مملكة إسرائيل بعد سيطرت الآشوريين عليها حوالي عام 722 قبل الميلاد واعتبروا مفقودين)

هذه وغيرها من الأفكار التي لا أساس لها من الصحة ظهرت في روايتها “دلائل من الكتب الدينية لصالح شهادة المرأة في الاجتماعات”، والتي موّلها بعض أهالي واشنطن من ذوي النفوذ ومنهم عضو مجلس الشيوخ جون تايلر ودوللي ماديسون.

وصلت طائفة “الحاج الغريب” إلى قمتها في عام 1827، عندما خطبت ليفرمور في كل من مجلسي الشيوخ والنواب، وقال الرئيس الأمريكي وقتها جون كوينسي آدامز عنها: “إنها أكثر الخطباء الدينيين الذين سمعتهم في حياتي بلاغة، فلا توجد كلمات يمكنها أن تفيها حقها من حيث إثارتها للمشاعر والأحاسيس.”

توطين اليهود

حدثت نقطة التحول في حياة ليفرمور بعد عشر سنوات، عندما جذبتها تقارير عن إعادة توطين اليهود في فلسطين إلى الشرق الأوسط، فتسلحت بخطاب من وزارة الخارجية، يشهد بنزاهتها واستقامتها الدينية والأخلاقية، وزارت اسطنبول ثم استقلت سفينة بخارية إلى بيروت.

في جنوب المدينة بجبال صيدا توقفت لزيارة السيدة هيستر ستانهوب وهي سيدة انكليزية انطوائية في الخمسين من عمرها، كانت تعمل من قبل سكرتيرة لخالها رئيس الوزراء ويليام بت.

كانت ستانهوب أيضاً قد انتقلت إلى الشرق الأوسط أملاً في التشجيع على إعادة توطين اليهود في فلسطين، لكنها يأست من نجاحها في تلك المهمة فاستأجرت بيتاً وأطلقت على نفسها “راهبة لبنان”

ولأنهما كانتا من الجميلات في السابق، وممن آمنوا بإعادة اليهود لموطنهم كان يجب أن تتفاهم السيدتان سريعاً، لكنهما تعاركتا حول أي منهما هي المختارة حقاً وأيهما ستصاحب المسيح عند دخوله منتصراً إلى القدس.

مستعمرة تعليمية زراعية

من صيدا تابعت ليفرمول رحلتها إلى المدينة المقدسة، فاستأجرت سكناً متواضعاً فوق جبل صهيون، ومن هنا خططت للإشراف على بناء مستعمرة تعليمية لليهود العائدين.

ومثل الكثيرين من المؤمنين بالعودة، شاركتهم ليفرمول في فكرة أن كل الدول تتطلب أساساً زراعياً، وأن المسيحيين لديهم واجب ديني هو إعادة تعريف اليهود بالزراعة. سعت ليفرمور إذن إلى رؤية المستعمرة كاملة ومنتهية، ثم تتجه بعد ذلك العبادة والتأمل وتكون فى انتظار المسيح.

نهاية الطريق

ولكن كان تمويل المستعمرة أكثر إرهاقاً وتكلفة، مما تنبأت به ليفرمور، ومما توقعته، وسرعان ما نضبت مواردها، وبسبب رغبتها في ما يسد رمقها، ويسدد ديونها، حاولت ليفرمور توزيع نسخ مطبوعة من محاضراتها وعظاتها، ولكن الأمر انتهى بتسولها في شوارع وطرقات مدينة القدس

غير أن التسول لم يجد نفعاً، فغادرت ليفرمور فلسطين وهي على شفا الموت جوعاً، عائدة إلى الولايات المتحدة منكسرة الخاطر، وتوفيت في عام 1868 في بيت للفقراء بمدينة فيلادلفيا.

المصدر: “شبابيك”.