راهبان من جبل آثوس مبتدىء وشيخ الرهبان

عن الرجاء واليأس

عن الرجاء واليأس

حدث أن أحد الرهبان الشباب عديمي الخبرة سقط في خطيئة خطيرة بالجسد، غادرته النعمة واستولى عليه الحزن، فقد الأمل في الله وقال انه يأس من خلاصه، ومن الحياة بشكل عام…

ترك قانون صلاته حائراً في ما يعمل، وبالكاد كان يئن: “أيها المسيح، أنرني!”

قرر أن يذهب إلى الاعتراف عند شيخه (معلمه شيخ الرهبان) وكشف حزنه. وصل، اعترف، وحكى عن فقدانه الأمل بالخلاص، وعن أن اليأس خنق قلبه كرذيلة…

قال الشيخ: “إنك تجني من الثمار على قدر الاهتمام الذي تقدمه”. ثم أخبر الراهب الخاطىء هذه القصة:
“كان لفلاح حقل بعيد عن منزله، وبالتالي فإنه أهمله تماماً. صارت الأرض مغمورة بالأعشاب الضارة. فدعا ابنه البكر وقال له:”اذهب ونظّف حقلنا البعيد، إذ لم يعد ممكناً حتى رؤيته”. وافق الابن وفي اليوم التالي سرج حماره، وجمع أدواته، وتوجّه إلى الحقل. ولكن ماذا وجد؟ يا أم الله! بدلاً من حقل وجد غابة لا يمكن عبورها من الأعشاب الضارة النامية. صفق الشاب بيديه من اليأس، وقرربالقول: “لا، لن يتم تنظيف هذا الحقل”.

استلقى في ظل شجرة وغطّ نائماً من الحزن. أسكره اليأس كما المسكرات.

بعد أن نام طوال اليوم، وأضاع الوقت عبثاً، عاد إلى المنزل

استقبله والده بقوله:”حسناً؟ هل نظّفت الحقل؟”

– “لا، يا أبي”، أجاب الابن: لم أفعل أي شيء”.

– ” لماذا لا؟ إنه من المستحيل. هناك الكثير من الأعشاب الضارة والحشيش…”

– “لم أعرف حتى من أين أبدأ.”

– ” فماذا فعلت كل اليوم؟

-” نمت “

– “آه، نمت، أليس هذا مخزياً لك كرجل بالغ أن تنام؟! اعتقدتُ أنك أكثر ذكاء من ذلك… غداً، سوف تذهب مرة أخرى، وتنظّف حتّى ولو مجرّد قسم صغير، على حجم طولك. وما أن تنظفه يمكنك أن تنام…”

في اليوم التالي، حتّى قبل ارتفاع الشمس، كان الشاب بالفعل يحمل معوله. خلال عشر دقائق، كان قد نظّف جزءاً صغيراً من الحقل، على حجم طوله.

هذا الأمر ألهمه كما يقول المثل القديم: “البداية الجيدة هي نصف المعركة”.

سار العمل بشكل جيد، وكان الشاب يعمل بحماس، عن طيب خاطر. يأسه واكتئابه مضيا!!!

في المساء، عاد إلى البيت راضيا.ً

– “ماذا جرى؟”.سأل الأب ابنه.

– “أنا نظفت ثلاثين قدماً! سأنتهي خلال بضعة أيام”.

قال الأب: “إذا فقدنا الأمل، فإن اليأس والحزن يأكلاننا من الداخل مثل الديدان… لن يسمحا لك برفع إصبع أو هز ساق…”

وبالفعل، تمّ تنظيف الحقل تماماً من الأعشاب الضارة في غضون أيام قليلة

– “هل تفهم ما أحاول أن أقول؟” سأل الشيخ الراهبَ اليائس

-“أنا أفهم، أيها الأب”، أجاب. “لا بدّ لي من تنقية نفسي. ولكن كيف أبدأ؟”

-“أنت بدأت بالفعل، أيها الأخ. الاعتراف هو البداية الجيدة. لقد غفر لك الرب خطاياك. ولكن هذه عطيته، وأنت يجب أن تقدم شيئاً من نفسك.”

-“إذاً ايها الأب”، سأل الراهب الشاب، “أنت تقول أنه يمكن أن أصبح مسيحياً وصالحاً”.

– “بالطبع، يا أخي. أنا واثق على قدر ثقتي بأننا نرى بعضنا البعض ونتحادث…”

– “إذاً، يا أبتي!” هتف الراهب الشاب بحماس: “ماذا ينبغي أن أفعل الان؟”

قال الشيخ: “باشر قانونك الرهباني مجدداً وببطء، كرر بلا توقف: يا رب ارحم! واستعد للمناولة المقدسة. نعم، أيها الأخ، قريباً. في الوقت الحالي، مهمتك الرئيسية هي قتل شيطان عدم الرجاء واليأس.”!

– “أنا لا أعرف كيف أشكرك يا أبي” قال الراهب الشاب ثم انحنى إلى الأرض مقبّلاً أقدام الشيخ. “لقد أعطيتني السماء. أرجو أن أعود، وروحي ملأى بالفرح والنور. اليأس قد اختفى، والجنّة في قلبي.”

أنهى الأب الآثوسي قصته مع اقتباس من الكتاب المقدس: “وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ.”(أشعياء 31:40).

(من محادثة مع راهب أثوسي معاصر)