ايقونة القديسين بولس الرسول معمداً حنانيا الرسول

كنيسة القديس حنانيا الرسول في الميدان القسم الأول

القسم الأول

نبذة تاريخية

في حي الميدان

تعد محلة او حي الميدان أكبر ضواحي دمشق جنوباً، وقد ورد أقدم ذكر لها عند المؤرخ إبن القلانسي في كتابه “ذيل تاريخ دمشق في القرن 6 ه”

ويرى المؤرخ العلامة عيسى اسكندر المعلوف(1) انها تعود الى العهد الأموي، وقال:”وعقد الوليد ميداناً لسباق الخيل كا هو جار اليوم عند الافرنج، ولايزال ذلك المضمار الى يومنا هذا، ويُعرفْ بالميدان ، وهو أحد أحياء المدينة المشهورة في غربها الجنوبي.”

سبب التسمية

سميت المنطقة بالميدان، لأنها كانت ميداناً رحباً واسعاً تُقام فيه سباقات الخيل وجميع ضروب الفروسية من مبارزة ورماية ومصارعة، على ان الميدان لم يكن يقتصر على هذه السباقات، كما يرى الباحث سوفاجيه بل كان ينزل ويخيِّم به كل من تضيق المدينة عن إيوائه من الناس، كمواكب الأمراء والوفود والجيوش والقوافل.

من الأسماء القديمة التي أُطلقت على الميدان إسم “ميدان الحصى” وكان هذا الاسم مختصاً بالمحلة المحاذية لجامع باب المصلى والتي كانت أول ماسُكن من أراضي الميدان لقربها من المدينة، وعرفت باسم ” الميدان التحتاني”، ثم شاع اسم ميدان الحصى ليشمل الضاحية برمتها.

وسبب تسميته بذلك أي “ميدان الحصى” أنه كان يمر بأرضه الكثير من فروع نهر بردى عبر العصور القديمة، فكان فرعا بردى الغزيرة “القنوات” و”الداراني” بسبب وقوع الميدان على مفاض سيل الفرعين المذكوريَن، تحمل المياه معها التربة اللحقية فيمتد الحصى المتفتت الوارد من الجبال الغربية في هذه المنطقة، فترسب في أرض الميدان مع التربة اللحقية قبل ان تتلاشى قوة المياه شرقاً باتجاه البادية شرقاً خلف الغوطة الشرقية.

من تاريخ الميدان

حلت ضاحية الميدان محل قرية من قرى الغوطة الجنوبية تدعى القبيات، وقد بدأ العمران في هذه الضاحية في العهد المملوكي 684-923هجرية 1450م تقريباً… حيث بدأت ضواحي دمشق بالظهور خارج الأسوار مع سويقات(2)، حيث كان البناء قبلاً يتم داخل أسوار دمشق، وكان العمران يتم بمجموعات منفصلة، ما لبثت أن ارتبطت ببعضها، فصارت ضاحية كاملة كبيرة متطاولة الشكل جنوبي دمشق لها ابواب وسويقات…ويمتد حي الميدان لمسافة كيلومترين ونصف، وقد اخذ شكله النهائي الحالي في العهد العثماني.

ولما كانت بلاد حوران، سهلاً وجبلاً، تعد إحدى أهم الأقاليم الزراعية الشامية، فكان لابد من نشوء سهل قريب لتصريف هذا الانتاج الوفير، وكانت دمشق الشام خلال عدة قرون هذا المنفذ الطبيعي والسوق الرئيس، وبالذات لاستيراد الحبوب والثروة الحيوانية…بينما كانت غوطة دمشق الغَّناء المحيطة بدمشق من جنباتها كافة تغذيها بالخضار والفواكه في كل موسم بدوره.

صورة الميدان في القرن 19
صورة الميدان في القرن 19

وكان أبناء حوران يصلون دمشق لعرض حبوبهم، فيصل بعضهم مع أحمال قوافل الجمال في موسم يمتد سنوياً من تموز الى كانون الثاني، والبعض الآخر يتوقف على مسافة من المدينة على طول الطريق، التي كان يسلكها أهل حوران باستمرار. فيقصد القرويُ الحورانيُ التاجرَ الشامي الذي اعتاد التردد عليه وبيعه في دمشق وخاناتها. وكذلك يُفَّضل أصحاب المطاحن الدمشقيين، أن يتزودوا من هذه المستودعات الكبيرة، بدلاً من التعامل مع المنتجين مباشرة، مما ساعد على زيادة عدد المستودعات التي أعطت حي الميدان طابعه الخاص والذي كان الى عهد قريب وقبل غزو البنايات الاسمنتية يرى هذه المستودعات والخانات و”البوايك” في جانبي شارع الميدان.

بالقرب من هذه المستودعات، شُيِّدتْ الخانات الواسعة، حيث ينزل القرويون ارزاقهم المتنوعة، بعد فترة استقر هؤلاء في هذه الضاحية ومعهم عائلاتهم، وهكذا نمت كتلة سكنية كانت تعتمد بداية على تجارة الحبوب والاغنام ومنتجات الحيوان… كما استقر عدد من التجار الشوام بالطريقة ذاتها في هذه الضاحية التي صارت مركزاً للتبادل التجاري بهذه الارزاق، وترافق ذلك مع استقرار للعائلات الشامية، وترافق ذلك مع بناء مساجد وكنائس لهذه الضاحية منذ عهد المماليك الى ان استقرت في القرن 18بساحاتها وحاراتها.

مذبحة 1860 الطائفية

هذا وقد لعبت مذبحة المسيحيين في جبل حوران من جهة وفي دمشق في تموز 1860، دوراً رئيساً في هجرة المسيحيين الى حي الميدان حيث يتوفرفيه مناخ الأمان والأخوة، وتوسعت أزقة وحارات المسيحيين كحارة القورشي موضوع بحثنا، وحارة الموصلي المتاخمة ومنطقة باب مصلى حيث استقر المسيحيون الهاربون من المجازر ذاتها في جبل حوران، ومن راشيا وحاصبيا والبقاع الغربي، ومن دمشق القديمة حتى بقطاعها الشرقي المسيحي(3)، حيث وجد المسيحيون اللاجئون في الميدان واحة أمان ومحبة وأمن من سكانها وبفضل متابعة عقلائها ومشايخها الدينيين وزعماء الحارات أمثال آل الميداني… وغيرهم، وحارة المغاربة بمقاتليها بقيادة الامير عبد القادر الجزائري الذين كان لهم الدور الرئيس في الحفاظ على القلة المتبقية من المسيحيين في دمشق. 

مشهد للدمار في حي المسيحيين 1860 وهذه الصورة لكنيسة مريم والصرح البطريركي عام 1862 بعد سنتين من المذبحة
مشهد للدمار في حي المسيحيين 1860 وهذه الصورة لكنيسة مريم والصرح البطريركي عام 1862 بعد سنتين من المذبحة

نؤكد هنا كما في كل كتاباتنا عن هذا الحدث المدمر للوجود المسيحي الدمشقي على دور العديد من المشايخ الأجلاء في دمشق الذين سعوا مع الامير الجزائري لوأد الفتنة قبل وقوعهاعند والي دمشق احمد باشا الخائن، وللملمة جراح المسيحيين بنكبتهم كآل الخطيب وسواهم بالحماية والرعاية والإطعام (بعد ضلوع والي دمشق أحمد باشا في مخطط الدولة العثمانية في القضاء على المسيحيين والخلاص من “نظام الامتيازات الدينية والمذهبية” حيث خطط ونفذ هذه المجزرة وسلح الرعاع التكفيريين المحليين من داخل وخارج دمشق في غوطة دمشق، وخاصة الاكراد سكان محلة ركن الدين (اليوم) بقيادة شمدين آغا(4) الذين ابلوا بلاء متميزاً في ذبح المسيحيين والاغتصاب وفعل المنكرات(5) مع القوات التركية وبمكائد اليهود المحليين المجاورين للمسيحيين في ذبحهم وتدمير محلتهم وكنائسها وبيوتها…

اما مسيحيو الميدان كما يشهدون هم وحتى الآن، فقد عاشوا محبة إخوتهم المسلمين وحمايتهم وعلى رأسهم أتباع الأمير عبد القادر الجزائري الساكنين في حارة المغاربة وبقية شيوخ الحارات، وكان جو الإلفة بين الشريكين الشقيقيين يدفعهم الى تناول أحياناً حتى اللقمة الواحدة، ومساعدة الفقراء والمحتاجين من الفريقين، كأن يقوم المسلمون الاغنياء بمساعدة المسيحيين الفقراء في أعياد المسلمين، والعكس صحيح، حيث كان الموسرون المسيحيون الميادنة، مع الجمعيات الكنسية الخيرية ك”جمعية القديس حنانيا الرسول” باعإلة ومساعدة فقراء مسلمين دوماً كما هي الحال اليوم من خلال العديد من المؤسسات الكنسية وأبرزها وأولها “دائرة التنمية البطريركية والعلاقات المسكونية” في بطريركية الروم الأرثوذكس وعلى كل الجغرافيا السورية ومنذ 2003 زمن لجوء العراقيين الى سورية.

لم يسجل التاريخ في مذبحة 1860 في حي الميدان إلا حادثة منكرة واحدة استشهدت فيها عائلة مسيحية فقيرة كبيرة العدد باكملها،عندما أقدم حلواني على تقديم صينية من حلوى الهريسة الى هذه العائلة التي تجاور محله في باب مصلى وقد اعتبرت هذه العائلة فعله هذا تحبباً، وكان قد وضع فيها كمية من الزرنيخ فقضت هذه العائلة بأكملها، وتم فيما بعد اعتقاله من قبل قبضايات الحي وإعدامه مع من تم اعدامه من القتلة، بقرار محكمة الوالي العثماني المصلح فؤاد باشا.(6)

سكن المسيحيون في حارات وساحات تسمت بأسمائهم كساحة الرياشنة (نسبة الى اللاجئين من راشيا) والتيامنة ( نسبة الى اللاجئين حاصبيا ووادي التيم اي جنوب لبنان حالياً).

ونشير الى ان كل الجاليات المتنوعة عرقياً ودينياً ومذهبياً المهاجرة الى دمشق، والتي سكنت في ضاحية الميدان صارت محلات سكنهم تتسمى بأسمائها كساحة الدروز وساحة المغاربة…

أقسام ضاحية الميدان

تقسم ضاحية الميدان في عُرف أهل دمشق وعرف أهلها الى ثلاثة ميادين هي

1- الميدان التحتاني ممايلي محلة باب مصلى.

2- الميدان الوسطاني

3- الميدان الفوقاني عند بوابة القدم، أو بوابة الله وهي منطلق موكب الحج الشامي الى مكة والمدينة.

ويضم الميدان أحياء وحارات عديدة تسمت ب”الوافدين اليها” (كما اسلفنا) وتتصل بالطريق السلطاني(العام) منها محلة وزقاق القورشي وزقاق الموصلي في نفس المحلة وزقاق العسكري…

وكانت ضاحية الميدان تزدحم بالجموع الغفيرة من الناس مرتين في السنة، مرة عند خروج محمل الحج من بوابة الله بأسفل الميدان الفوقاني الى الحجاز، ومرة أخرى عند رجوعه الى دمشق.

حي الميدان حالياً
حي الميدان حالياً

ويوجد العديد من المقابر الأسرية والمساجد الصغيرة على طرفي الطريق السلطاني.

وكان السياح الأوربيون عند إطلالهم من قاسيون على دمشق، يشبهونها بالمدينة البيضوية مع ضاحية الميدان المستطيلة الملحقة بها بشكل المقلاة أو قيثارة الماندولين.

لم يبق بدمشق من نماذج أصالتها وعادات أهلها، إلا ماهو قائم في حي الميدان. الميدان اليوم حي سكني كبير يشتهر أهله الأصلاء بالنخوة والكرم والجود تبعاً لأصولهم الريفية، وتنسب اليهم بعض الشدة (التخانة) فيقال:”الميادنة اصبعتهم تخينة”. وكان إلى عهد قريب وعند أصلاء الميادنة المسيحيين، وعند زواج إبن أو إبنة من الميدان بإبن أو إبنة من دمشق يقال أنهم تزوجوا من أهل المدينة.

يتميزحي الميدان بمطبخه العريق والكبيرحيث تكثر فيه اليوم محلات الطبخ والحلويات والمطاعم، ولا تزال المشتقات الحيوانية تعد من إختصاصات الميدان، ومازال أهل دمشق يفضلون ابتياعها وابتياع اصناف اللحوم والسمن العربي والقشدة والحلويات الشامية من الميدان، إضافة الى البيع بالجملة والمفرق للأقماح الحورانية والارزاق البقولية من فول وحمص وعدس وبرغل…من “بوايك” ومخازن ومستودعات الميدان العريقة، والتي لايزال باقياً العديد منها بأشكالها التراثية والقناطر والأبواب الخشبية “باب الخوخة” التي كان يدخل اليها الجمال بأحمالها.

أهل الميدان يتصفون بالحس الوطني…إذ هو موئل للأصالة، وعنوان لكل ما يخص ماضي دمشق من عراقة وورع وفضيلة وقوة ومازالوا هكذا بكل أطيافهم الدينية والاجتماعية.

ويسجل التاريخ الوسيط للميادنة أن أبناءهم من الفتيان الاشداء منذ العهد الملوكي كانوا يواجهون في فترة “الغزو الافرنجي” على بلاد الشام، طلائع الغزاة من جهة جنوب الشام، فيشكلون سد الدفاع عن دمشق.

كما سجل لهم التاريخ الحديث، وقوفهم في وجه الأتراك المستعمرين ومحاولات التتريك، وفي وجه الفرنسيين المستعمرين واشتراك العديد منهم في الدفاع عن دمشقفي فترة الاستعمار الفرنسي، وقدموا الكثير من الشهداء. كذلك كانوا ككل الدمشقيين طليعة “جيش الإنقاذ السوري” في فلسطين، وهو القوة المتطوعة الرديفة للجيش السوري الفتي المقاتل في بطاح فلسطين 1948 وقدم الكثيرون ذواتهم شهداء لفلسطين. في الميدان نشأ حزب البعث لمؤسسه ميشيل عفلق وتم وضع أولى منطلقاته في بيت المذكور في حارة الموصلي، وضم شباب الميدان من كل الأطياف.

التاريخ المسيحي لحي الميدان

تحتفظ الذاكرات الشعبية المسيحية بان سكن المسيحيين الوافدين تم بداية في “محلة باب مصلى”

والاسم يوحي بحدث يرتبط بالصلاة، ويقترن بحدث معجز وبعجيبة إلهية موصوفَيّنْ وقد سكتت عنه المصادر المكتوبة، ولكن حفظته الذاكرات الشعبية المسيحية وتناقلته طيلة ثمانية قرون، ووصلني من مسني العائلة وغيرهم، وقد علمت انه ورد في مخطوط تاريخي من مخطوطات البلمند، وهو إقدام والي دمشق الفاطمي على محاولة إزالة ضريح رأس القديس يوحنا المعمدان الموجود في الجامع الأموي عام 705 مسيحية بأمر الوليد.

أما كيف صار هذا الرأس في الجامع الاموي وهو لقديس مسيحي متميز؟

فهي الواقعة التالية

نعود الى اواخر القرن الرابع في زمن الدولة البيزنطية، عندما تولى الأمبراطور البيزنطي الرومي ثيوذوسيوس الكبير السدة الرومية وأمر بجعل المسيحية ديناً للدولة ومصادرة كل هياكل الوثن، وبتحويلها إلى كنائس ومنها في دمشق “هيكل الاله جوبيتر الوثني الذي كان على اسم الاله الآرامي حدد” ويشكل ربع مساحة دمشق داخل الأسوار، فأمر بتحويله إلى “كاتدرائية دمشق الكبرى” اي “كنيسة المطران” وكان ذلك في عام 387مسيحية، وبتسمية الكاتدرائية على اسم “القديس يوحنا المعمدان”، وفي عام 450 مسيحية، تم نقل رأس القديس يوحنا من القسطنطينية حيث هو محفوظ الى دمشق ليكون شفيعها، وتم وضعه بالتالي على المائدة المقدسة في “كاتدرائية دمشق” التي هي على إسمه.(7) ولما انتصرالفرس على الروم واجتاحوا أُورشليم مطلع القرن السابع،وسرقوا خشبة الصليب المقدس مع موجودات الكنائس والأديرة الثمينة، وأخذوها الى عاصمتهم المدائن. خاف الدمشقيون على ذخيرتهم المقدسة أي هذا الرأس من أن يلقى المصير ذاته، فوضعوه في صندوق من الخشب الثمين مع كتابة باليونانية لإسم صاحبه، وأخفوه في أرض الكاتدرائية، ولا يعرف المكان الا ثلاثة اشخاص فقط .

قرر الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك الإستيلاء على كاتدرائية دمشق لتحويلها الى الجامع الأموي، وبُدىء بالهدم والحفر في أرضيتها، وقد وصلوا في حفر الأرض إلى مكان حفظ الرأس الكريم في السنة 705 مسيحية، حيث تم العثور عليه في كنيسة صغيرة مربعة قياسها ثلاثة اذرع بثلاثة أذرع داخل الصندوق الخشبي مع كتابة باليونانية، فلما رأى الوليد الرأس وعرف صاحبه االمعروف عندهم ب”النبي يحي” أمر بتكريمه وإقامة الضريح الفخم الحالي في وسط مصلى الجامع.

محاولة إزالة الضريح وفيض الدم
رأس القديس يوحنا المعمدان والضريح في الجامع الأموي
رأس القديس يوحنا المعمدان والضريح في الجامع الأموي
والمعجزة هي انه في عهد الخلافة الفاطمية، وهو أشدّ العهود قهراً واضطهاداً وقمعاً للمسيحيين في مصر وبلاد الشام، وتم تدمير الكنائس ومنها القيامة في القدس والمريمية في دمشق والسيدة في القاهرة، أمروالي دمشق الفاطمي بإزالة قبر القديس يوحنا المعمدان من مكانه داخل الجامع الأموي. فما أن باشر العمّال المُكلّفون عملهم، ومع أولى ضربات المطارق والمعاول لإزالة المقام، حتى نَفرَ من الضريح الدم غزيراً في كل الاتجاهات ونزل على درج النوفرة، وفي اتجاه البزورية فالباب الصغير الى محلة الميدان، فأُصيب العُمّال بالذُعر الشديد والذهول! وسرعان ما انتشر الخبر في دمشق كلّها، وجاء والي الشام بنفسه لينظر ما حدث، وسارع الأئمّة والمشايخ الى المكان وبدأوا بالأدعية والصلوات من أجل ايقاف جريان الدم، ولكن دون جدوى.! عندها أُبلغَ مطران دمشق(8) الذي توجه إلى المكان يرافقه الكهنة والشمامسة والرهبان الأرثوذكس، فلمّا وصلوا الى المكان بدأوا يتلون الصلوات اولاً كالعادة بدون جدوى، وقيل أنهم اخيراً تلوا هذه الصلوات معكوسة، وأولها الصلاة الربانية(9) (كما تشير المرويات الشفهية)… عندئذ توقف الدم عن الجريان والامتداد، وبدأ بالانكفاء والانقطاع تدريجياً حتى دخوله الضريح. بعد ذلك تراجع الوالي عن قراره وأمر بإبقاء المقام داخل الجامع الأموي على حاله. ويقال أيضاً بأن سبب تسمية المقهى المعروف قرب الجامع الأموي ب “مقهى النوفرة” يعود إلى هذه الحادثة أي نسبةً الى “نفور الدم” من داخل القبر، وأن “باب مصلّى” أُطلقت عليه لاحقاً هذه التسمية نسبةً الى “صلوات” الأساقفة والكهنة الأرثوذكسيين التي أُقيمت بجواره من أجل إيقاف سيل الدماء ونشير الى انه في محلة النوفرة كان ثمة حمام لتكريس الرهبان في العهد البيزنطي كما تنقل الذاكرة الشعبية المسيحية الدمشقية.
دمشق أرض المسيحية (10)
وجدير ذكره أن دمشق كانت أرض الكنائس فكان فيها 32 كنيسة ودير قبيل الفتح الاسلامي لها السنة 635 مسيحية، وكان نصفها في نصف المدينة الشرقي والآخر في نصف المدينة الغربي، إضافة الى كاتدرائية القديس يوحنا الدمشقي ” كاتدرائية دمشق” في وسطها وكانت تشكل ربع مساحة دمشق القديمة، كما كان في غوطة دمشق 18 كنيسة ودير منها دير العصافير ودير القديس جرمانوس ودير العشائر ودير القديس جاورجيوس في بلودان…مع عدد من الاديرة في سفوح جبل قاسيون كالنيربين وفي مناطق ابواب دمشق كدير الفراديس في باب الفراديس، وديرمار سمعان اليعقوبي(11) ودير ومقام جاورجيوس البواب(12) مقابل باب بولس… ودير رؤية القديس بولس في سهل كوكب(13) الذي شهد حضور الرب يسوع على شاول المضطهد في طريقه الى دمشق لاضطهاد اليهود المتنصرين فيها وسوقهم إلى اورشليم لإيقاع العقاب بهم…
وغير هذه التي اصبحث أثراً بعد عين، ولا مجال لذكرها هنا…
يحفظ التاريخ الدمشقي المسيحي بفخر أن الإمبراطور الرومي الغيور يوستنيانوس الأول في القرن السادس المسيحي الذي كلل انتصاره على الفرس الخصم التقليدي لرومة ثم القسطنطينية ببناء دير السيدة بصيدنايا، أنه كان قد بنى عشرات الكنائس والأديار في طول بلاد الشام وعرضها، وبالذات في طريق الحج الى القدس مع الخانات لمصلحة الحجاج.
وقد تبرك هو بزيارة القبر المقدس والعودة منها الى القسطنطينية على رأس جيشه بعد الحج، وعبر الطريق المسمى”طريق دمشق” او “الطريق الى دمشق” (14)والمنطقة الجنوبية في سورية في الطريق الحالية الى فلسطين.
من المعروف ايضاً أن الرهبان كانوا يبنون الأديار للتعبد، والكثير منها بالقرب من طرقات السفر، وان الناس المؤمنين كانوا يلحقونهم للتبرك، وما يلبثوا ان يستقروا في تجمعات سكنية، فتنشأ القرى ومثالنا الحي “صيدنايا” حول دير سيدة صيدنايا… وفي معلولا حول القديسة تقلا ومنسكها الذي تحول الى الدير الحالي، ودير مار اليان في حمص وأديار وادي العمق في مسار العاصي…
لذا فإننا نرى ان الوجود المسيحي عريق جداً في دمشق، إضافة لكونها تبركت بتنصر شاول بها، ثم انطلاقته منها الى العربية مبشراً بالمسيح، والى سورية كلها وانطاكية، ومنها الى المسكونة بأكملها. مايعني انها طريق تبشيرلمدينة انطاكية أولاً ومن ثم تأسيس كرسيها المقدس بوصفها عاصمة الشرق ومن أنطاكية وآسيا شمالاً ومن دمشق الى حوران والعربية جنوباً ونقصد في ذلك طريق الميدان.
تواجد المسيحيين في الميدان
بالعودة الى الهجرة الريفية الى هذه الضاحية الدمشقية، من حوران سهلاً وجبلاً، فإن هذه الهجرة الريفية كانت مسيحية وإسلامية، وتدل على ذلك أسماء العائلات المسيحية (15) وخاصة من الحوارنة الكاثوليك لتماثل اسماء العائلات في هذه الضاحية بفرعيها الارثوذكسي والكاثوليكي وفي حوران مسقط رأسها.
كما تحفظ الوثائق البطريركية أسماء الكثير من هذه العائلات التي كان قد خرج منها تجار للحبوب، كانوا يسوقون الحبوب واللحوم لدار البطريركية في دمشق، خصوصاً في فترة مجاعة سفر برلك (1914-1918) وذلك لإطعام الجياع زمن بطريرك الرحمة العظيم غريغوريوس الرابع وبأمر منه.(16)
انتهى القسم الأول…
حواشي القسم الأول
(1) انظر سيرته في موقعنا هنا في باب “أعلام ارثوذكسيون”.
(2) (ج سوق صغيرة لبيع الخضار و…)
(3) كانت محلة المسيحيين الدمشقية تمتد من وسط البزورية ومحلة الباب الصغيرجنوباً الى باب السلام شمالاً مع الشارع المستقيم والقيمرية كلها والجورة إلى باب توما وباب شرقي وكل الحارات المحصورة في كل هذه المنطقة.
(4) الذي تتسمى ساحة ركن الدين بإسمه.
(5) الوثائق البطريركية، وثائق دمشق، مجزرة المسيحيين الدمشقيين.
(6) شهادة شفهية من المرحوم انطون كويترمن سكان باب مصلى.
(7) انظره في “كاتدرائية دمشق” في فصل آثارنا المسيحية في موقعنا هنا.
(8) لم تكن البطريركية والبطريرك قد انتقلت من أنطاكية الى دمشق الذي تم السنة 1344مسيحية بعد تدمير الظاهر بيبرس لأنطاكية وقتل وسبي اهلها البالغ عددهم مائة الف في حربه ضد الفرنجة وكان الفرنجة قد اخلوها قبيل حصاره لها، وقدسبي اهلها الى القاهرة.
(9) روايات المسنين الدمشقيين المتواترة ومنهم جدي فارس رحمه الله والشاغوري، وكساب…(الخ)
(10) انظر مقالاتنا عن تاريخ دمشق المسيحية في موقعنا هنا في باب ” تاريخ الكرسي الأنطاكي، مختصر تاريخ الكرسي الأنطاكي، أضواء على تاريخ دمشق المسيحي”…
(11) أول كنيسة تحولت الى جامع باسم دير خالد وكان قد جعل هذا الدير مقر قيادته في حصار دمشق وهو اليوم مقبرة ومسجد الشيخ ارسلان مقابل سور دمشق بين باب توما وباب شرقي…انظر مقالنا دير خالد في باب آثارنا المسيحية في موقعنا هنا.
(12) مقبرة دمشق الارثوذكسية.
(13) انظره في باب “آثارنا مسيحية” في موقعنا هناز
(14) “الطريق الى دمشق “المعروف في أوربة بهاتين التسميتين لأنه طريق هداية القديس بولس.
(15) قبل انشقاق الطائفة الكاثوليكية فعلياً عام 1724 ورسمياً حين اعترف بها الوالي محمد علي باشا في حملته على بلاد الشام بفضل احد اهم أعيانها حنا البحري مستشار ابنه ابراهيم باشا قائد الحملة المصرية 1831-1840 على بلاد الشام ثم اعترفت بها الدولة العثمانية بها طائفة مستقلة العام 1835، وبعد الانشقاق…
(16) الوثائق البطريركية.
يتبع في القسم الثاني…