الشهيد في الكهنة خريتستوفورس بطريرك انطاكية +967م

الشهيد في الكهنة خريستوفورس بطريرك أنطاكية (+967م)

الشهيد في الكهنة خريستوفورس بطريرك أنطاكية (+967م)

ملاحظة: كاتب سيرة القدّيس الشهيد خريستوفورس هو تلميذه إبراهيم بن يوحنا الإنطاكي، وقد كتبها، فيما يبدو، بين العامين 1025 و1035م. لم يرد خبره في أي من السنكسارات المتداولة اليوم. استرددناه من المخطوطات القديمة.

+ من هو؟

اسمه، في أول الأمر، كان عيسى، وهو من مواليد مدينة السلام، بغداد. لا نعرف عن ذويه ولا عن نشأته سوى أنه تلقى بعض العلم في مسقط رأسه فأحكم ما أمكنه من بلاغة القول، وأضحى، في صناعة الخط، حذقاً حتى اقتنى إلى جمال الخط سرعة الكتابة.

انتقل، شاباً، إلى مدينة حلب فاتخذه أبو الحسن علي بن حمدان، الملقّب بسيف الدولة (915 – 967م)، ودفع به إلى أمير كبير من أمراء البادية هو خليفة بن جندي، من ناحية شيزر، في سورية الشمالية، على نهر العاصي، شمالي غربي مدينة حماة.

غيور على قومه

في ذلك الزمان حدثت منازعة بين الروم في مدينة شاش الفارسية، وهم الذين كانوا في طيسفون القريبة من بغداد فرحّلهم الحكّام المسلمون بعدما بنوا بغداد عاصمة لهم سنة 762 للميلاد، والروم الذين اجتمعوا في بغداد على مرّ السنين إلى ذلك الوقت وجلّهم من الأسرى السابقين. وقد طالب روم بغداد بأن يكون “الكاثوليكوس”او “الجاثليق”(مفوض بصلاحيات البطريرك، هي كلمة يونانية تعني الجامع للرعية) لهم لأن بغداد هي العاصمة وطيسفون التي كانت مقر الجاثليق، في الأساس، قريبة منهم، فيما تمسّك روم شاش بالعادة المتبعة منذ نشوء بغداد، وإلى ذلك الحين، أن يستقرّ الجاثليق في مدينتهم. وفيما كان النزاع الكلامي على أشدّه، رقد الجاثليق في شاش، فجاء وفد من روم جرد إلى إنطاكية داعياً البطريرك فيها إلى تسمية جاثليق جديد عليهم وشرطنته. في هذه الأثناء تحرّك الروم البغداديون، من ناحيتهم، فسعوا إلى نيل الحظوة لدى البطيرك وإقناعه بحقّانية مطلبهم. ولما كان عيسى غيوراً على ما لقومه، أهل بغداد، فقد استأذن مخدومه وقدم إلى إنطاكية مناظراً محاججاً مدافعاً عن حقوق أهله. ويقول كاتب سيرته إن الإنطاكيين، مذ ذاك، انفتحت عيونهم عليه لأنه أثبت أنه رجل كبير جلد، وأن له غيرة شديدة على الكنيسة.

اختياره بطريركاً

لم يمضِ وقت طويل على زيارة عيسى لإنطاكية حتى توفي البطريرك فيها، وهو أغابيوس بن القعبرون، فتحرّك الإنطاكيون على الأثر ملتمسين له خلفاً. ويبدو أن اختيار البطاركة، في إنطاكية، منذ الفتح العربي وإلى ذلك الحين، كان من عمل الكهنة والشعب فيها من حيث أنهم المعنيون مباشرة بالموضوع. أما المطارنة والأساقفة، على حدّ تعبير كاتب السيرة، فلا يهتمّون لشيء غير ما يناسبهم، وأما ما يصلح أحوال العامة فلا يهتمّون له. على هذا تداول الإنطاكيون فيما بينهم أسماء عدّة. ثم بعد أخذ ورد “لم يجدوا أوفق لهم ولاأصلح لكرسيهم من عيسى”. فجاؤوا إلى سيف الدولة، الذي كانت إنطاكية من توابعه، وقالوا قولهم لديه فاستحسن رأيهم واستصوب قصدهم لأنه كان بعيسى عليماً. ثم إن عيسى أخذ الشرطونية من المطارنة، حسب الأصول، وتسمّى خريستوفورس، أي الحامل المسيح، كما “ظهر من أفعاله أنه كان مشتملاً على كل صالحة في صدره… وقد ضمّ المسيح في قلبه”. ومع أنه لم يكن قد سبق للبطريرك الجديد أن عرف الرهبانية نظاماً لكنه فاق أهلها صلاة ونسكاً. من ذلك انقطاعه عن أكل اللحم انقطاعاً كاملاً بعد شرطونيته. وكان يصوم كل يوم من أيام السنة، لا يتناول من الطعام شيئاً قبل المساء. لم تكن ألوان الطعام تشغله أو تستهويه في حال، بل اعتاد أن يكتفي منها بما تيسّر ولا يعير إعدادها اهتماماً يذكر. كما كان ينقص مائدته، في أكثر الأحيان، حتى البيض والسمك، لكنه كان يأخذ مع الماء بعضاً من الخمر. قيامه في الصلاة، أيام الأسبوع، كان باكراً جداً، قبل الفجر في عمق الليل. أما في أيام الرب فمن مساء دخول ليلة الأحد وإلى الصباح. الكهنة اتّخذوه قدوة من أجل محبّته الكبرى لله وكبر نفسه. كان ينسى نفسه في الصلاة واقفاً لا يتزحزح حتى بدا لناظريه، مراراً، وقد أشرف على السقوط أرضاً. أما حكمته وحرصه على وحدة شعبه فتجلّت في مواقف شتّى التزمها كموقفه من النزاع بين روم بغداد وروم شاش (روم جرد). فمع أنه قبل صيرورته بطريركاً كان منحازاً بالكلية إلى مواطنيه، فإنه عمد، وقد وضع عليه نير الرسولية الأولى في إنطاكية، إلى جعل جاثليقين أحدهما على مدينة السلام، بغداد، وكان حلبياً اسمه ماجد، والآخر إنطاكياً، على رومجرد، اسمه أفتيشيوس.

إلى ذلك كان خريستوفورس يحرص في ملء الكراسي الأسقفية الشاغرة على أن يكون المقترحون مرضيين لله، بكل ضمير صالح، غير ناظر في أمرهم إلى رشوة أو وساطة ولا عابئاً برضى أمير أو مقتدر يتدخّل لمصلحة هذا أو ذاك مهما كان النافذ عظيماً أو عاتياً مخوفاً. على أنه لم يكن ليفرض أسقفاً على شعب فرضاً ولا يضع يده على مختار إلا برأي المجمع.

صلابته

ومما يروى على صلابته في رفض شفاعة المقتدرين بخدّام الكنيسة ممن سقطوا في ما لا تجيزه الشريعة أن كاهناً طبيباً سقط مرّة في زلّة من الزلات الصغار فجعل عليه البطريرك قصاصاً. فبعث أحد أمراء بني حمدان ممن عرفوا بالعتو وعظم الشأن إلى البطريرك وسأله في أمره، وكان الطبيب عزيزاً عليه، قائلاً: “هب لي أيها البطريرك ذنبه فيه واصفح عنه” فأجابه: “لا يمكنني أن أفعل ذلك يا سيّدي الأمير” فقال: “أما تهابني؟!… ما هو الذي لا يمكنك أن تفعله إذا أمرتك أنا به؟” فأجابه: “ما يختص بديني ومذهبي وناموسي. لأننا نحن في طوعكم وفي أشاء أخرى لا يمكننا أن نخالفكم. أما ما حظّره الدين فنحن به مستعدون للسجن وقواطع السيوف”. فقال: “عرّفني، في كل حال، ما هذه الجناية التي قد تمسّ دينك”. فأجاب: “أما قبل هذا أيها الأمير فقد كانت الجناية صغيرة وإصلاحها متيسّراً. وأما الآن فإنها كبيرة والصفح عنها لا يرام (لأنه ليس جائزاً وأنت مسلم مخالف لنا في مذهبنا أن يستجير بك كاهن في أمر يخص الكنيسة دون سواها). فاغتاظ منه الأمير وقال له: “كن من الآن مدجّجاً بالسلاح واعلم يقيناً أنك ستموت وذلك أني سآخذ رأسك ولو كان في حضن الأمير الكبير” فلم يجزع القدّيس ولا تراجع ولا استسلم، بل وثق بالله وحفظ الإيمان.

رعاية الضعفاء

وكما كان خريستوفورس حاراً في حفظ الأحكام الكنسية غير منثلمة كذلك كان في رعايته للمحتاجين وعطفه على المنكوبين. ومع أن أسباب اليسر كانت تنقصه فإنه كان لا يدّخر جهداً في متابعة شؤون الفقراء والمساكين والمظلومين. هؤلاء كان يهتمّ بأمرهم شخصياً.: يعترف أحوالهم وحاجاتهم ويوعز لفلان ببعض المال ولفلان بالكسوة ولثالث بالطعام. كان يأبى أن يخلد إلى الراحة، كل ليلة، قبل أن يأمر لهم بما يريحهم من أتعابهم ولو قليلاً ويعزّي قلوبهم. مرّة جاءه كاهن من مكان بعيد، وكان بائساً، فأمر له البطريرك بما يكفي عائلته سنة كاملة من القمح والزيت والخمر. ولم يطلقه إلا بعدما أعطاه مالاً أجرة طحن القمح وليشتري من الأدام ما يحتاج إليه. ومرّة أخرى ضرب الجوع إنطاكية فاهتمّ خريستوفورس بجمع أعداد من الشيوخ والمرضى والكهنة والشمامسة والصبية والأيتام وكان يأمر لهم بالطعام ويسقيهم بنفسه الواحد بعد الآخر.

أما المحبوسون ظلماً أو لدَين لم يتسنّ لهم إيفاؤه فكان يؤديه عنهم. وإن قصرت ذات يده ذهب إلى الدائنين مستصفحاً. وإن وقع أحد المساكين تحت ظلم سعى من أجله لدى أصحاب الشأن. من ذلك سعيه إلى التخفيف عمّن كانوا أعجز عن أن يؤدّوا “جزية الرؤوس” وهي الجزية التي تبرئ النصارى من الأذية والملاحقة.وكل مَن لا يؤدّيها يقاد بغير اختياره إلى دين الإسلام. ولما كان الكثيرون فقراء والزمان رديئاً فقد كان البطريرك يسدّد عن العاجزين ما قصروا عنه. ولما قصرت يده هو عن عمل الفداء هذا، ذهب إلى سيف الدولة الحمداني في حلب، وكان يكنّ له إكراماً وتقديراً، فأمر له ببراءات سنوية بقيمة عشرة آلاف درهم. فكان البطريرك كلّما عرف بقاصر محتاج أدّى عنه ما احتاج إليه. على هذا النحو سلك مَن يشبّهه كاتب السيرة بـ “نيقولاوس الجديد” فلم يضطر، ولا واحد من المؤمنين بالمسيح، لأن يتحوّل إلى دين الإسلام عنوة.

اهتمامه بالتعليم

إلى ذلك اهتمّ القدّيس خريستوفورس بجمع أعداد من الأولاد، من الأغنياء والفقراء والأيتام، وجعل لهم معلّمين. وقد اختار من بينهم اثني عشر ولداً لنباهتهم وسلّمهم إلى مَن اهتمّ بتلقينهم العلوم الكنسية. كما جمع من الفقراء والأيتام مئة وخمسين وأوعز إلى معلّميهم أن يلقّنوا كلا منهم ما فيه منفعته. وكان هو، من ناحيته، يمدّهم بالمال والطعام والشراب ويرى إلى تقدّمهم في مراقي العلم والمعرفة عن كثب.

حركة تمرّد

ثم أن سيف الدولة الحمداني أصابه الفالج في السنة 963 م (352 هـ) وزاد البيزنطيون من ضغوطهم في تلك الناحية من سورية الشمالية، فأخذوا بلد الثغر وهي كيليكيا ثم طرسوس التي خرج أكثر أهلها إلى إنطاكية من الجوع. كل هذا أحدث اضطراباً شديداً في إنطاكية فبدأت حركة تمرّد على سيف الدولة بزعامة المدعو رشيق النسيمي وحسن الأهوازي ودزبر الديلمي. وتبع ذلك صراع بين عمّال سيف الدولة في حلب والمتمرّدين في إنطاكية بقي من دون حسم ردحاً من الزمان. في تلك الأثناء آثر البطريرك خريستوفورس الخروج من إنطاكية إلى دير مار سمعان الحلبي لأنه لم يشأ أن يبقى في كنف المتمرّدين لئلا يظن أنه قد جحد الأمانة لسيف الدولة، وما اعتاد أن يكون في حقّ من صدقهم جاحداً. وقد حنق عليه المتمرّدون واعتقلوا أهل البطريركية وختموا عليها، وهدّدوا البطريرك بأسوء العواقب إن لم يعد فلم يجزع منهم ولا استسلم لهم. ولما أتاه أحد أهل الدير المدعو ثيوذولس وتجرّأ عليه فواجهه بالقول: “هل في نيّتك أيها السيد أن تقول بعد هذا في بيعتك: أنا الراعي الصالح؟ تترك غنمك لتخطفها الذئاب؟!” أسكَتَه البطريرك قائلاً له: “أنت لست عارفاً بما تقوله!” وما لبث عمّال سيف الدولة أن أقنعوه بضرورة التصدّي للمتمرّدين فخرج من مدينة ميافارقين وقهرهم في معرّة مصرين القريبة من حلب وفتك بزعمائهم وولى أحد غلمانه، تقي الدين، على إنطاكية.

محبّته لأعدائه

وخرج البطريرك إلى سيف الدولة فاستقبله استقبالاً طيّباً وقدّمه وجعله له صديقاً مشيراً وشفيعاً مقبولاً. وقد سأل البطريرك سيف الدولة العفو عن العديد من الوجهاء المسلمين، فلم يردّ له الأمير طلباً. هؤلاء الذين تآمروا على البطريرك حسداً. وقد أجّج الإحسان غيظهم ولم يطفئه لخباثتهم وهم المنافقون. أحدهم طرح البطريرك بنفسه إلى الأرض لدى سيف الدولة سائلاً إياه الصفح عنه فيما كانت السياط تتتالى عليه عنيفة. والآخر أخذه البطريرك إلى خاصته وضمنه لأنه لم يشأ أن يؤدي عن نفسه الفدية بخلاً وقد كان ثرياً ثرياً. فلما قضى سيف الدولة سنة سبع وستين وتسعمائة، تحرّك الحاقدون على البطريرك ثلاثة، أحدهم يدعى ابن مالك والآخر ابن محمود والثالث ابن دغامة. وقد استصدروا فتوى لدى أحد الفقهاء أباحت سفك دمه بحجّة أنه متآمر “على حصن من حصون المسلمين”. ثم استعانوا بالخراسانيين لتنفيذ مأربهم.

بذل نفسه عن رعيّته

ولكن، جاء أحد المسلمين من ذوي الفضل، ابن أبي عمرو، وأعلم البطريرك بالمكيدة المدبّرة ضدّه وأشار عليه بأن يخرج إلى حلب بسرعة، فلم يشأ لأنه خاف على شعبه. وقد استدعى البطريرك المدعو ثيوذولس وهو الذي عيّره، لما كان في دير القدّيس سمعان الحلبي، إنه لا يحقّ له بعد اليوم أن يقول عن نفسه أنه الراعي الصالح. فلما حضر لديه سأله البطريرك: لقد نقل إليّ فلان كذا وكذا وأشار عليّ بكيت وبكيت فماذا تقول أنت؟ فقال: اعتمد على الله واخرج! هذا أحكم القرار! فأجابه: “إن أنا فعلت هذا كنت أنت أيها الوقح من يهزأ بي فيما بعد… إن الذين يطلبون قتلي حسّاد… وإن لم يقذفوا سمّهم فيّ لم يُبقوا على نصراني ولا على كنيسة… هذا هو الوقت الذي يجب أن أقول فيه يا هذا: ليس أنا الراعي الصالح فقط بل أيضاً: والراعي الصالح يضع نفسه عن أغنامه. وأنت سترى بعد وقت هذه اللحية مخضّبة بدمائي…” وبعث البطريرك إلى ابن مالك يقول له إنه يرغب في زيارته، فاستقبله مساء بعد أن أعدّ العدّة لقتله، وفي داره بالذات. فلما حضر إليه وجّه إليه ابن مالك بضع كلمات متهماً إيّاه بالتآمر ثم نادى على أصحابه فجاؤوا وطعنوه ثم قطعوا رأسه وألقوا بجسده في النهر. وفي اليوم التالي أتى المتآمرون إلى البطريركية فاستولوا على بعض المتاع والأواني الكنسية فيها، لكنهم لم يتعرّضوا لأحد من النصارى بالأذى “لأنه كان من الواجب أن يتمّ مقال أبيهم الذي تقدّم فقاله من أنهم إذا اشتفّوا مني بقتلي وقذفوا السمّ الذي كنزوه في قلوبهم عليّ لن يطلبوا سواي.”

وجاء البيزنطيون

ثم إن البيزنطيين جاؤوا فملكوا مدينة إنطاكية يوم الخميس، الثالث عشر من شهر ذي الحجة ثمان وخمسين وثلاثمائة للهجرة، الموافق الثامن والعشرين من تشرين الأول سنة تسع وستين وتسعمائة. وقد أتي بابن مالك إلى جسر باب البحر من حيث كان جسد البطريرك قد ألقي، وهناك قتلوه وتركوه على الحضيض مأكلاً للطيور والكلاب. أما ابن محمود فقضى شنقاً في السجن. وأما ابن دغامة فثقّلوه بالحجارة وطرحوه في البحر.

رفاته

أما القدّيس الشهيد فكانت شهادته في الثالث والعشرين من شهر أيار من السنة ست وخمسين وثلاثمائة للهجرة (+967 م). وبعد ثمانية أيام من استشهاده ظهر جسده في جزيرة من النهر فنزل بعض النصارى وأخذوه سرّاً ودفنوه في الدير المقدّس المعروف بـ “ارشايا” دون الهامة. ولما تولّى ثيودوروس الراهب سدّة البطريركية (970 – 976 م) نقله إلى الكنيسة الكبرى باحتفال عظيم. وقد جرى نقله ثانية في زمن البطريرك نيقولاوس الثاني (1025 – 1030 م) إلى بيت القدّيس بطرس، رأس الرسل. شفاعته وصلواته “فلتكن لنا مخلّصة وحافظة الآن ودائماً وإلى أقصى آخر الدهور آمين.”