جرجي جبرائيل البيطار ايعمل في ابتكاره

جرجي جبرائيل البيطار الدمشقي مبتكر فن الموزاييك اي تطعيم الخشب

جرجي جبرائيل البيطار الدمشقي مبتكر فن الموزاييك اي تطعيم الخشب

توطئة

تعتبر الحرف الدمشقية عامة، وخاصة منها الدقيقة والفنية والمصحوبة بالمهارات والابداع من العلامات المميزة للحرفيين الدمشقيين عبر كل العصور ومنهم من رحلته الغزوات معها قسراً كعمال البناء المهرة وكصناع السيف الدمشقي الذين اصطحبهم والكثير من ارباب الحرف الأخرى تيمورلنك المغولي الى عاصمة بلاده من دمشق عام 1400م. فقام عمال البناء والمزخرفون ببناء الأوابد كما في عشق اباد…

ومن جانب آخر وأنه منذ مطلع القرن السابع عشر عندما بدأ اعتماد الكنيات في بلاد الشام فإن كنيات العائلات باتت تدل على المهن والحرف التي كانوا يتوارثونها وابدعوا بها، وهي تعد مصدر رزق وفير لهم، ومنها حرفة الموزاييك التي لم تكن من المهن والحرف التقليدية المعروفة بعد، بل كانت من ابتكار علمنا جرجي جبرائيل بيطار، وهو الذي أبدع حرفة الموزاييك الدمشقي وهي التي صارت تنتج أجمل وأرقى التحف الفنية التي يقبل عليها السياح الوافدون الى دمشق، ويشتريها افراد البعثات الدبلوماسية الأجنبية العاملة في دمشق وصادراتها السنوية 100 مليون ليرة. وتقدمها الدولة السورية في الزيارات الرئاسية و… وفي احتفالات الدولة للضيوف الرسميين في الوطن والسفارات، ومنهم الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر الذي اقتنى بعضها وهي اليوم في البيت الابيض.

لذا لا مندوحة أمامنا من القول أن مهارة  يد الصانع الدمشقي في تلك المهن الفنية كمفروشات المصدفة وحفر الخشب ونقشه وفن الموزاييك والنحاس والمصوغات الذهبية والفضية والمجوهرات الثمينة ودقة عيارها… والأقمشة الحريرية بدءاً من تحريرها من دود القز الى السدي واللحمة والصباغ حتى النسيج…

هذه اليد الماهرة والفكرالخلاق المشغل لهذه اليد هي التي خلد بها الحرفي الدمشقي /الفنان/ التحف الفنية التي زينت ليست فقط القصور والأوابد الدينية التاريخية والتراثية ودوائر الدولة السورية، بل زينت ايضاً قصور العالم منذ أقدم العصور.

وعلى الرغم من تقدم الصناعة الآلية في العالم الحديث فإن هذا العالم لم يستطع أن يستغني عن ثمرات العبقرية السورية، فاستورد تحف دمشق العربية ليزين قصوره الفاخرة بها. وعلى سبيل المثال ومن تاريخ والدي الحرفي الفنان جورج زيتون في حفر الخشب ونقشه اذكر أنه عندما دخلت الآلة في حفر الخشب الا انه وهو الفنان في حفر الخشب ونقشه، ومبتكر النقش بأزاميل الحفر الكبيرة حيث استغنى بالأخيرة عن ازاميل النقش الناعمة وفي هذا قمة الابداع،

لقد رفض ادخال الآلة الى حفر الخشب ونقشه اذ بالرغم من تردي صحته قلبياً والآلة توفر عليه التعب الجسدي، إلا أنه بقي يستخدم يده الفنية لتخرج قطعاً فنية نال عليها براءات التقدير من وزارات الثقافة والسياحة والاوقاف… ومن فنانين افرنسيين والمان ويونان …زاروه في دكانه المتواضعة الكائن في حارة القيمرية (المريمية) واحد هؤلاء الفنانين الفرنسيين حاول تقبيل يده وقال له بالفرنسية:” هذه اليد حرام ان تموت…” لما عرف ان والدي هو من بقي من هذه الاسرة الفنية المؤلفة من المؤسس جدي فارس، وعمي الفنان نقولا، وشقيقي الشهيد مروان 19 سنة وكان فناناً يفوق عمره،

من يد والدي الفنان وبدون الآلة رمم الكثير من منابر المساجد التراثية وتجهيزاتها الخشبية المنقوشة، ما خلا الكنائس العريقة كالمريمية والصليب وكيرلس والاديرة دير سيدة صيدنايا البطريركي… ودوائر الدولة والقاعة الشامية في القصر الجمهوري… وقبلها مع ابيه وشقيقه ساهموا بحفر خشب البرلمان السوري التي كانت بتعهد الخياط…

من فنون الموزاييك
من فنون الموزاييك

ويعد بيت نظام ومكتب عنبر وقصر خالد العظم والسباعي والقوتلي من أشهر البيوت الدمشقية المزينة بهذه المفروشات الخشبية المطعمة الصدف والحفر والنقش والموزاييك … ولا يكاد يخلو اي بيت من بيوت الشوام الاصلاء وخاصة بيوت الدمشقيين المسيحيين واليهود التي مهما كانت فاخرة ومهما كانت بسيطة مليئة من المفروشات الخشبية الفنية المصدفة والموزايكية التي ابدعها الحرفي في بيته وكانت كل الحرف الفنية على الاطلاق بيد عائلات مسيحية كعائلتنا الرائدة في حفر الخشب… ، وكالبيوت التي تنقلها لنا بعض المسلسلات التلفزيونية التي تتحدث عن البيئة الشامية خاصة والبيئة السورية عامة.

ومن الجدير ذكره التكرار ان معظم الحرف سواء المرتبطة بالخشب والمفروشات أوبصياغة المعادن الثمينة أوالبناء، أو تشكيل المعادن النحاس والحدادة ونحت الاحجار بفنياتها العالية كانت كلها بيد المسيحيين الدمشقيين يتوارثونها بعائلاتهم ويحصرون تعليمها بأفراد العائلة فهي كانت مهنة عائلية كعائلتنا آل زيتون في حفر الخشب ونقشه، وكعائلة النحات التي تركت بصماتها في الكثير من الامكنة لعل اهمها الموجودة في قاعة استقبال بطريركية الروم الارثوذكس بطاولة نفيسة من الخشب المنزل به الصدف اهداها للبطريرك غريغوريوس الرابع، ومثلها في قصر السلطان عبد الحميد في القسطنطينية وأعمال صدفية في الكاتدرائية المريمية وكنيسة القديس يوحنا الدمشقي بجوار مدرسة الآسية…

أو كانت مهنة طائفية يقصرونها بطائفتهم فقط  فهي عائلتهم الكبيرة، كحال علمنا جرجي جبرائيل بيطار، وكان هو من أعيان الروم الكاثوليك ولكونه مبتكرها جعلها مهنة كاثوليكية للروم الكاثوليك حصراً، حيث لم يستعن في بدء عهده الا بصناع من طائفته، وهؤلاء فعلوا كما فعل معلمهم فهو اقتصرعلى صناع من طائفته علمهم أصولها وأسرارها، وهؤلاء تابعوا بخطه الطائفي عبر عائلاتهم التي توارثت هذه الحرفة…منها عائلات الأشقروعشي و بهيت وشلهوب وشنيارة وصارجي وشامي وحوش وعربش … وغيرها من العائلات الكاثوليكية الدمشقية المعروفة والتي لمع اسمها وامتلكت دور عرض كبيرة اضافة الى الورش، وبالاضافة الى عائلة خباز الدمشقية وهي ارثوذكسية بالمطلق لها اسهاماتها في خدمة البطريركية ومؤسساتها… مع عائلات غيرها من المسلمين في ريف دمشق والغوطة الشرقية… بعد فك الحصر المحكي عنه بتعليم حتى مسلمين.

طاولة رائعة من انتاج الفنان جرجي البيطار
طاولة رائعة من انتاج الفنان جرجي البيطار

ولما كان عصر الانحطاط العثماني قاسياً جداً على المسيحيين وكان يحظر علىيهم كما اليهود الخروج حتى الى المصايف والى المتنزهات لذلك جملوا بيوتهم التي تضم كل العائلة من اعمال ايديهم فجعلوها مشتى ومصيفاً… فصارت آيات من الفن والجمال كقصر النعسان ومكتب عنبر(يهودي) ومن المؤسف ان كل الدور الجميلة والمؤسسات والمعابد قضت عليها نيران التعصب الطائفي في مذبحة المسيحيين 1860

منذ منتصف القرن العشرين خرجت هذه الحرفة كما بقية الحرف وآخرها مهنة الصياغة عن خصوصيتها المسيحية ومنها الصياغة حيث اعتنق احد معلمي المهنة الاسلام لزواجه بمسلمة واورثها لأولاده الثلاثة، وهؤلاء علموا مسلمين الحد الادنى من فن الصياغة بيعاً وشراء وتجارة وحرفة فصارت متاحة للجميع مع غلبة مسيحية حتى الآن، والسبب هو تأنف المسيحيين بكل اسف عن العمل اليدوي في حرف ومهن الاهل، لينصرفوا عند انتشار التعليم الجامعي الى العلم والوظيفة او المهن الحرة كالطب وطب الاسنان والصيدلة والهندسة…!!! وترى مثلاً ابن نقيب صياغ دمشق مثلاً في ثلاثينيات القرن الماضي صار مهندساً شهيراً…الخ او طبيباً…|

فن الموزاييك وأهمية دمشقيته

تطعيم الخشب أو الموزاييك فن خاص دمشقي المبتكر وحرفة دمشقية مميزة ابتكره علمنا جرجي بيطار هذا الحرفي المبدع، عندما قام بصنع أول قطعة موزاييك عام 1860 وذلك بجمع قضبان من الخشب الملون طبيعياً ذات مقطع مثلث أو مربع ثم شرحها على شكل رقائق ولصقها على المصنوعات الخشبية بالغراء الطبيعي واعتمد نماذج لزخرفة المصنوعات الخشبية بها لتنشأ حرفة فن الموزاييك التي تميزت بها دمشق حتى أصبحت محط أنظار الزوار الذين يحملونها إلى بلدانهم كمنتج دمشقي خالص. حيث انك تجد وجوداً هاماً عند بعض المدن للحرف الأخرى الا ان الموزاييك كان فناً دمشقياً خاصاً بمبتكره جرجي بيطاروبتاريخ محدد وهو طوره واقام معارض خاصة به في الكثير من العواصم وخاصة الاوربية…

كان لسان حاله هو “محاكاة المادّة الساكنة بفعل روحي خالص وذهني مفتوح على واحة من الجَمال الزُخرفي والتشكيل الهندسي، في حوار تنطق كلماته وتقول: أنا دمشقية بحقّ.” مثلّثات ومربّعات ودوائر ملوّنة وصغيرة الحجم ومنمنمة كوّنت هذه المهنة فنّية الفريدة الإبداع على يد مؤسّسها الذي أصرَّ على خلق الإيحاء الذاتي ودمجـه بالعمل اليدوي والمتعة الحرفية والتقنية بصيغة مركّبة تتداخل فيها العناصر اللونية والصدفية البيضاء والخشب المطعّم والسطوح الملساء المصقولة، ونزهـة إلى عـالم النجوم وتشكيلاته المعقّـدة في مساحات انتظمت فيها الخطوط والأبعاد.

ورشة الفنان جرجي البيطار
ورشة الفنان جرجي البيطار


بيطار قدم أول قطع صنعها إلى السلطان العثماني عبد الحميد وكانت عبارة عن غرفة جلوس نال عليها وساماً من السلطان وامتيازاً لتعليم هذه الحرفة كما شارك بها في معرض فيينا عام 1891 وفي معرض باريس حيث قام بتزيين كنيسة القديس يوليانوس الفقير كما حاز في مصر عام 1904 الجائزة الأولى للمصنوعات الخشبية وصنع خزانة للبابا بيوس العاشر ومؤخراً حمل جيمي كارتر رئيس الولايات المتحدة الأميركية الأسبق عدداً من قطع الموازييك الدمشقي إلى البيت الأبيض.

كان الموزاييك /قبل الحرب الكونية والارهابية المدمرة على سورية في 2011 /يتم تصدير منه ما قيمته أكثر من 100 مليون ليرة سورية (وفق السعر ذاك الوقت حيث كان الدولار يبلغ 40-50 ل.س وهو الآن يقارب 500ل.س) من هذه المنتجات إلى الخارج سنوياً، وبينما يبلغ سعر طاولة الزهر بالجملة في دمشق وقتها نحو 500-1000 ليرة أي ما بين 10-20 دولاراً يصل سعرها في قبرص أو تركيا أو اليونان إلى نحو 2000 ليرة أي نحو 50 دولاراً، كما يرتفع سعر طقم جلوس أو غرفة النوم أو طقم المكتب من 150-200 ألف ليرة أي من 3-4 آلاف دولار إلى نحو 500 ألف ليرة أي نحو 10 آلاف دولار خارج سورية، وفق تلك الاسعار…وفقاً لشهادة نقيب صناع الموزاييك السيد فؤادعربش آنذاك.

والموزاييك هو غير فن التصديف واستخدام الصدف (وكان كما اسلفنا اعلاه) رائد فن الصدف المغفور له جرجي نحات الذي تزين قاعة الاستقبال البطريركية في بطريركية االروم الارثوذكس طاولة متميزة ثمينة جداً هي تحفة رائعة اهدها للبطريرك الشهير غريغوريوس الرابع عام 1906، هي نسخة عن التحفة ذاتها الموجودة في قصر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني مطلع القرن العشرين سبق له ان اهداها للسلطان بطلب من والي دمشق ناظم باشا.

كما انه ليس فن تطعيم الذهب والفضة بالخشب المحفور ونقش الخشب وهذه برع فيها اليهود الدمشقيون وكانت تعمل بها بنات العائلات اليهودية…كما قال لي والدي رحمه الله… واعطاني الكثير من الشهادات الشفهية عن الحرف اجمالاً والموزاييك خاصة وكان والده فارس معاصراً وصديقاً لجرجي بيطار، بينما كان والدي صبياً صغيراً يتتلمذ على يد ابيه مع اخوته.

كما انه ليس فن حفر الخشب ولا نقشه وهذه بدورها كانت مع معظم الحرف الأخرى كانت من مهارات عائلات مسيحية ومنها عائلتنا لمؤسسها المرحوم الفنان المحكي عنه جدي فارس وبرع فيها كل من والدي الفنان جورج وعمي الاكبر الفنان نقولا، وشقيقي الأصغر الشهيد مرون 19 سنة الذي كان فناناً بالفطرة والوراثة. ولكن كل العمل يتم لصالح متعهدين لذا بقيت لعائلتنا السمعة مع مستورية الحال المادي وحتى آخر عمر والدي الفنان جورج على المبدأ الشائع”خدمتك بلقمتك”.

الكرستا التي تستخدم في فن الموزاييك
الكرستا التي تستخدم في فن الموزاييك


ولاتزال تتوارث بعض العائلات الدمشقية مهنة الموزاييك الدمشقية كما اوردنا أعلاه بشهادة نقيب المهنة السيد عربش.

السيرة الذاتية

(مأخوذة عن السيد جورج مراياتي مع بعض التصرف)

” رأى جرجي بيطار النُور سنة 1840 في “الحارة الجوّانيّة” في حيّ باب توما بدمشق. ونشأ في كنف والدَيه، جبرائيل ووردة، التقيّين الفاضلين اللذين ربّيا أولادهما الستّة على المزايا الحسنة، وحبّ الخير، والشهامة، والعطاء، في جوّ مشبع بالتقوى، عامر بسموّ الأخلاق، مفعم بالمحبّة

درس في مدرسة الطائفة (الروم الكاثوليك- البطريركية) التي أسّسها البطريرك مكسيموس مظلوم والادق هو غريغوريوس يوسف واسسها عام 1861، في الدار البطريركية واسماها المدرسة البطريركية ثمّ انتقل إلى مدرسة الآباء الفرنسيسكان في باب توما ( وهي دار مطرانية الارمن الكاثوليك بجانب حمام البكري، وقد اهدتها الرهبنة حين انهاء عملها التبشيري والتدريسي في دمشق مع المدرسة الى مطرانية الارمن الكاثوليك كما نعرف)

يتابع السيد مراياتي

” أنتسب إلى أخويّة سيّدة البشارة للرجال في العام 1854، وهو ابن أربعة عشر عاماً، فصارت للعذراء مريم المكانة العظيمة في قلبه، تعبّداً عميقاً وإخلاصاً بنوياً فائقاً.

بعد تحصيله العلمي والأدبي عاشر المعلّمين الفاضلين فسعى معهم إلى خدمة الفقراء براً واحساناً.

حاول أبوه جبرائيل أن يعلّمه صنعة البيطرة (اي الحدادة المختصة بالخيول) – صنعة الأجداد – إلاّ أنّه رأى فيه ميلاً فطريّاً عجيباً إلى النجارة. فاحترم موهبته التي بدأت تنمو شيئاً فشيئاً، حتى افتتح له ورشة صغيرة قُبيل سنة 1859

 أدرك جرجي أنّه إذا ما أتقن صنعته الجديدة، ونبغ فيها، ونجح بالتجارة بها، حقّق مالاً وافراً يخدم به القريب، الفقير والمحتاج والبائس، وهذا ما أراده منذ أن كان طفلاً.

 أسّس مركزاً لفنّ التطعيم في الخشب “منجور الموزاييك” الذي ابتكره. وراح يصنع أصناف الأثاث البديع الفاخر والقطع الفنّيّة الجميلة التي تمثّل الإبداع الإنساني والعراقة السوريّة والفنّ الدمشقي الخالص…”

كيف نشأت فكرة الموزاييك عند جرجي؟

طريقة العمل في الموزاييك
طريقة العمل في الموزاييك

“…وقد نشأت الفكرة لمّا رأى شجرة ليمون يابسة في باحة دَير الآباء الفرنسيسكان، فنشرها قطعاً، وفصّلها، وحفر لوحاً من الجوز “الغامق” ونزّلها فيه عروقاً وزهوراً مختلفة بأشكال هندسيّة دقيقة تنمّ على ذوق رفيع.

 عمل في تزيين كنيسة الآباء الفرنسيسكان وديرهم، وكذلك كاتدرائية سيّدة النياح لطائفته الكاثوليكية، ومن أهم أعماله روائع فنية من الموزاييك باقية حتى اليوم في الكنيسة الكاتدرائية في حارة الزيتون بباب توما وهي منابر في صحن الكاتدرائية وكراسي داخل الكاتدرائية. ناهيك عن أشغاله في بعض البيوت الدمشقية الغنية ذات الهندسة العربية الأصيلة والكثير من البيوت الدمشقيّة، فذاعت شهرته وتخطّت حدود بلاد الشام إلى الغرب، وصار الفنّ الدمشقي مرادفاً لاسم جرجي بيطار. وأخذ يهدي الأديار والمتاحف المسيحيّة تحفه الفنّـيّة العديدة.

 عمل جرجي بيطار، حتى نهـاية حياته، في أصـالة الفنّ، وأمانة الصنعة، ودقّة الإتقـان، فتعلّم منه عـدد كبير من العمّال وتخرّج في مدرسته تلامـذة مشـهورون درَّبوا بدَورهم عشرات الحرفيين الدمشقيين حتى بلغ عدد العاملين في صنـاعة الموزاييك بين العامين 1920 و 1940 أكثر من 1000 شخص. وتطوّرت الصناعة في ميدان تجاري بحت انتشر في العالم كلّه

تأسيسه لجمعية مار منصور

“…في العام 1863 كان أوّل المشاركين في تأسيس جمعيّة مار منصور الدمشقيّة وأصبح فيها عضـواً عاملاً وناشطاً. وصار رئيساً لها (1896 – 1901). وقام فيها بأعمال خيريّة جسديّة وروحيّة، في دمشق وخارجها، للمرضى والعراة والمسجونين، للكبار والصغار، أكثر من أن تُعدّ وتُحصى، حتى لُقِّب بلقب”مار منصور دمشق”

توقه للرهبنة

 “…نزعت نفسه إلى الترهّب منذ العام 1868، وهو في سنّ الثامنة والعشرين، إلاّ أنّ رؤساء دير المخلّص – لبنان رأوا في عودته إلى عمله وبلده الخير الأفضل فأطاع. وشاءت العناية الإلهيّة أن يكون شقيقه “حبيب” البديل عنه في الانتظام في السلك الرهباني. وقد رُسم كاهناً في العام 1874 وخدم في معلولا.

صورته المعتمدة في جمعية مار منصور كمؤسس للجمعية وأحد رؤساءها
صورته المعتمدة في جمعية مار منصور كمؤسس للجمعية وأحد رؤساءها

مع مزاولته عمله وزيادة موارده ومحبّته الفقراء ووفاة والده الصالح جبرائيل (1872) ووالدته وردة (1874)، ظلّ حلمه في حياة الزهد والسعي إلى الكمال يراوده. فطفق يتحيّن الفرصة المناسبة لإنجاز مشروعه وتحقيق أمنيته. إلاّ أنّ مرشديه أقنعوه مجدّداً بالعدول. فاقتنع وراح يعيش عالمه المادّي بروح زاهدة متعبّدة تفوق أترابها في الأديار. لا بل راح يوقّع رسائله بحرفَي (ب.م) ويعني اختصاراً شعار الرهبان المخلّصيين (باسيلي مخلّصي). وبقي طيلة حياته يحمل توقه إلى دير المخلّص. وقد أرسل ابنه جبران في ما بعد ليصير راهباً مخلّصياً في العام 1909

 بعد أن أُقفل باب الترهّب في وجهه، وقد بلغ الأربعين من عمره، تزوّج في العام 1880 من ماري قاضي صاحبة الجمال والأخلاق والعائلة النبيلة. وقد ساعدته ماري في انسجام تامّ في الحياة الزوجيّة، والتعبّد لله، والانتماء للكنيسة…”

أسرته

“…أنشأ جرجي عائلة كبيرة وصالحة ضمَّت سبعة بنين وثلاث بنات كان من بينهم الراهب والراهبة والطبيب… وكانوا من أهل التضحية والعطاء والخدمة والتواضع والبساطة. وأسّس بعضهم الجمعيّات الرهبانيّة (جمعيّة راهبات أمّ المعونة الدائمة بحريصا)، لما حازوه من علوم وأخلاق ومثال صالح دام طيلة سني حياة والدهم واستمرّ إلى الأولاد والأحفاد.

 بعد أن قطع سنّ السبعين عرف جرجي أنّه قارب السفر من هذا العالم فاشتغل لنفسه تابوتاً محكَماً من خشب السرو ووضع رفات أبيه وأمّه فيه وركنه في جمعيّة مار منصور بانتظار دنوّ أجله…”

وفاته

طريقة تجميع الشرائح الملونة
طريقة تجميع الشرائح الملونة

“…تدهورت حالته الصحّـيّة في إثر صدمة سيارة له (سنة 1927) وعمليّة جراحيّة أُجريت له (1931). وعاش سني حياته الأخيرة والألم يقتحم حياته اقتحاماً.

 في صباح الأحد 28 تموز 1935 ووسط جميع أولاده وأحفاده ومع الصلوات فارق الحياة الأرضيّة في الساعة الثالثة والنصف من بعد ظهر اليوم نفسه.

 انتشر خبر وفاته كوميض في سماء دمشق فتقاطر أهلوها إلى بيته، مسلمين ومسيحيّين، ليودّعوا رجل البرّ والإحسان. وفي الساعة الخامسة من بعد ظهر 29 تمّوز 1935 تجمّعت الحشود في بيت الفقيد (حارة القصبة) لتشييع الجثمان بموكب عظيم وتطواف لا مثيلَ له شاركت فيه الفيحاء برمّتها.

دُفن في مدفن الآباء المخلّصيين شمالي مدخل كاتدرائيّة الروم الكاثوليك في حارة الزيتون، حسب وصيّته الأخيرة. ثمّ نُقل إلى مدفن عائلته لاحقاً.”

ترشيحه للتطويب

( أيضاً من سيرته للسيد جورج مراياتي)

” تحلّى جرجي بيطار بباقة من الفضائل الإلهيّة الأدبيّة وبأخلاق فريدة وصفات سامية، كانت إكليلَ مجدٍ خالداً وهالةَ قداسة. ومن فضائله: إيمانه بالله، محبّته لربّه، محبّته للفقراء، تقشّفه، صبره العجيب، تواضعه، شخصّيته.

 أطلق عليه ذووه وأولاده وأحفاده، وهو بعد حيّ، كلمة “قدّيس” وردّدتها الكثير من السن عارفيه.

أرسل الدمشقيون سنة 1979 كتاباً إلى آباء سينودُس الروم الكاثوليك يرجونهم فيه النظر في قضيّة تطويب جرجي بيطار. وفي العام 1981 فُتح ملفّ هذا الرجل البارّ تمهيداً لطلب فتح دعوى تطويبه. أُدرجت دعوى جرجي بيطار لدى الكرسي الرسولي الروماني بناءً على قرار سينودُس الروم الكاثوليك (1987) إضافة إلى دعوة تطويب كلّ من: ماري بواردي – الأب بشارة أبو مراد المخلّصي – الأخ سمعان سروجي – فتحي عبّود بلدي

 في سياق الدعوى طُرحت فكرة تطويب الزوجين جرجي بيطار وماري قاضي كزوجين في دعوى تطويب رديفة، لما تحلّيا به، معاً، من صفات… أسوة بتطويب والدَي القدّيسة تريزيا الطفل يسوع…” 

انتاجه ومشاركته في المعارض

ادوات العمل في الموزاييك
ادوات العمل في الموزاييك

– شارك في العام 1891 في معرض فيينّا لتمثيل الصناعة الدمشقيّة بعد أن اشتغل لقنصل النمسا بدمشق مكتباً كاملاً عُرِض في معرض فيينا الصناعي في ذات السنة.

 – -سافر إلى باريس في العام 1892 لينصب قطعاً فنّـيّة وأشغالاً وإيقونات كان اشتغلها لكنيسة القدّيس يوليانوس الفقير التي تسلّمتها طائفته هديّة من الحكومة الفرنسيّة العام 1888

– في العام 1895 استدعاه والي دمشق لإرسال هديّة نفيسة إلى السلطان عبد الحميد. فصنع 50 قطعة فنّـيّة وأشرف بنفسه على إيصالها إلى إسطنبول. فوصلت إليها وقد نالت إعجابَ السلطان فنقده مبلغاً وافراً من أجل مشاريعه الخيريّة وأنعم عليه بوسام المجيدي الخامس وبمِدالية الافتخار الفضّـيّة. وقد أبى لتواضعه ومحبّته للخير أن يطلب امتياز الفنّ الذي اخترعه، كي ينتشر بين الناس ويكون مصدر رزق لهم

– في العام 1904 منحته لجنة الجمعيّة الزراعيّة الخديويّة بمصر الجائزة الأولى في المصنوعات الخشبيّة

هدية البابا

 – في مطلع العام 1908 زار مع وفد من طائفته البابا بيّوس العاشر لمناسبة الذكرى المئويّة الخامسة عشرة لوفاة القدّيس يوحنّا الذهبي الفم. فاستقبله قداسته استقبالاً حارّاً وتقبّل منه هديّته النفيسة (خزانة خشبيّة بديعة)، وعبّر له عن شكره وإعجابه بألطف الكلمات وأجملها، ومنحه الوسام الذهبي لفرسان جمعيّة القدّيس سِلْفِسْترُس البابا.

وكان قد اشتغل البيطار صندوقة ذات جوارير أهداها إلى متحف دير المخلص في صيدا

وكذلك مكتبة دير المخلص بدرجها الحلزوني وأروقتها من خشب الجوز المنزّل فيه عروق عام 1883

هدية السلطان 

وفي عام 1895 استدعاه سعيد باشا والي دمشق وطلب منه هدية نفيسة من الموزاييك للسلطان عبد الحميد بمناسبة المعرض الصناعي في اسطنبول وكلفه بنقلها الى اسطنبول وتألفت الهدية من خمسين قطعة من خزائن ومكاتب وطقم كراسي كامل. وكان لهذه الهدية تقدير عظيم من السلطان فأنعم عليه بوسام المجيدي الخامس وميدالية الافتخار الفضية وهي بمنزلة براءة اختراع الآن، فأضحى “موزايقجي الحضرة الشاهانية”.

بعدها نال الجائزة الأولى في المصوغات الخشبية في معرض مصر سنة 1904 من لجنة الجمعية الزراعية الخديوية

ومن أجمل القطع الموزاييكية طاولة البيزك التي انتجها، وهي مركبة من طاولة زهر ورقعة شطرنج ورقعة لعب.

وغرف السفرة والصالون والمكاتب، يحملها السياح وخصوصاً الدبلوماسيين منهم إلى بلادهم كتحفة تحمل عبق دمشق وتميزها. فمن فرنسا إلى المكسيك وصولاً للبيت الأبيض، ومن الأردن إلى أنحاء مختلفة من العالم، يحمل السياح والديبلوماسيون خصوصاً، تلك القطع الفنية التي تحمل عبق التراث وعراقة أقدم مدينة في التاريخ. وقد حمل جيمي كارتر رئيس الولايات المتحدة الأميركية الأسبق عدداً من قطع الموازييك الدمشقي إلى البيت الأبيض.

 الخاتمة

يعد علمنا جرجي من أعلام دمشق فقد اثرى بنبوغه الساحة الدمشقية واضاف الى تراثها الفني غنى اسهم كما بقية اعلام سورية في رفع مكانتها…

لذا كان من الواجب علينا ان نترجمه هنا في موقعنا كما ترجمنا غيره…وحافظنا على الكثير من الشهادات التي تحدثت عنه بهوى وميل شخصي…وخاصة لجهة خصاله وايمانه وتعلقه بكنيسته وخدمته لها وهو الشيء المحترم لدينا…

ونختم بالترحم عليه…
مصادر البحث

– جورج مراياتي جرجي جبرائيل بيطار مبتكر فن الموزاييك وخادم الفقراء

– موقع دمشق

– كل شيء عن الشام