شعار الكرسي الانطاكي المقدس

الأسقف ميخائيل خلوف 1890- 1965

مقدمة واجبة:

علم من اعلام انطاكية العظمى المجهولين عند معظم الناس رغم خدمته الطويلة وجهاداته الحارة النقية لمن اختاره راعيا لخراف كنيسته…
ورد ذكره في وثائق أبرشيات الإغتراب الانطاكي في الاميركيتين (1)، ولما كنت (ولا ازال) اتصدى لكتابة تراجم أعلامنا (وخاصة الذين خدموا الإغتراب والشتات الأنطاكي وعنصرته في المقلب الآخر من العالم) في مجلة “النشرة البطريركية” منذ إحداثها عام 1992 لتعريف ابناء الكرسي الانطاكي عنهم فقد حاولت جاهداً مع هذا العلم فلم اجد مايساعدني لكتابة سيرته، ولا سيما انه تنقل بين اميركا الجنوبية مؤسساً للرعايا وانتقل مؤقتاً الى اميركا الشمالية.
الآن وبعد كل ذلك الوقت الذي مر، وبعدما استكملت سيرته بحدها الادنى حان الوقت لتعريف أبناء البيعة الانطاكية، وخاصة كنائس الاغتراب التي خدمها سواء في زاويتي في النشرة البطريركية “أعلام ارثوذكسيون” او في موقعي هنا راجياً ان اكون قد وُفقت في سعي الطويل لتكريمه وتكريم غيره من أعلامناوليتعرف ابن الكنيسة والوطن على هؤلاء الابرار.
استعنت اساساً بكتيب وضعه وطبعه وهو بعنوان “كيف صرت راعياً”(2)
يحلو لي في بداية مقالي عنه أن أُدرج في مقالي عنه توصيفه هو لقريته “بملكة” ولبيوت القرية ومنها بيت العائلة الريفي البسيط الذي ولد فيه علمنا وعاش فيه طفولته(3)
وصف بملكه وموقعها وبيوتها
“في تلك القرية الجميلة الموقع التي تبعد عن مدينة طرطوس نحو ثمانية اميال وتقع على هضبة تعلو عن سطح البحر 400م، وكانت كل بيوتها وقتئذ من حجارة بسيطة وطين، خالية من الشبابيك ماعدا خمسة اوستة بيوت.
وكان للبيت باب في غاية البساطة يسمح للهواء بما فيه من الخروق والشقوق ان يدخل الى البيت ليلا ونهارا ولو كان مغلقا.
في نصف البيت موقدة للنار يلتف حولها اهل البيوت وضيوفهم اتقاء للبرد في فصل الشتاء الذي لايطول كثيرا ولايقسو كثيرا. وفي السقف فوق الموقدة كوة يسمونها الروزنة./
من هذه الروزنة يخرج دخان النار ومنها يدخل الهواء النقي الى البيت ويتحد مع الهواء الذي يدخل من شقوق الباب فيجعل البيت دائماً مشبعاً بالاوكسيجين الضروري للحياة.
وكان البيت كناية عن ثلاثة أقسام تحت الحفة، وفوق الحفة، والجوانية.
اما تحت الحفة فهو كما يدل اسمه أوطى من القسم الثاني بنحو ثمانية أنوثة (نحو 20 سم) وفيه يخلع أهل البيت والزوار أحذيتهم كما يخلع الغربيون “كالوشاتهم” في الهال اوفي مقدمة البيت، وهو يستعمل أيضاً لأغراض أخرى.
أما فوق الحفة فهو أهم قسم في البيت ويستعمل لأهم الأشياء والأشغال التي تحتاجها العائلة أي للجلوس ولاستقبال الضيوف وللطبخ (في الشتاء) ولتناول الطعام، والمطالعة والخياطة والسهر، وأيضاً للمنامة. اما الجوانية وتسمى ايضاً “بيت المونة” فهي القسم المخصص لحفظ الحبوب والطحين والزيت والسمن والخبز واللبن وغير ذلك من متطلبات المعيشة. ويفصل الجوانية عن قسم فوق الحفة صف من الخلايا المصنوعة من الطين الأبيض وهي تشبه البراميل الكبيرة ولكنها غير مستديرة بل مفلطحة تقريباً. وفيها يوضع الطحين والحبوب وما أشبه لأن كل عائلة تعجن لذاتها وتخبز تقريباً يومياً مايحتاجه اعضاؤها. وكان الناس في ذلك الوقت ينامون على بساط يُفرش على حصيرة مفرومشة على ارض فوق الحفة. وهو يتسع لأكثر من خمسة أشخاص يستلقون أحدهم بجانب الآخر. واذا كان سكان البيت اكثر من ذلك وهذا هو الأرجح في العائلة السورية في ذلك الوقت فالحاجة تدعو الى بساطين أو أكثر أما الأسِّرة فلم تكن توجد الا في بيوت قليلة جداً.
ويمكننا أن نقول بدون تردد ان تسهيلات المعيشة العصرية كانت مفقودة داخل بيوت بملكة وبيوت تلك الناحية وكل المنطقة.
ولا أبالغ (وهنا القول لعلمنا) إذا قلت انها كانت مفقودة في ذلك الوقت في معظم بيوت القرى السورية. على أن عقدة العقد ومشكلة المشاكل هي قلة الماء ولاسيما ماء الشرب الذي يصير قليلاً جداً في الصيف، اي عندما تعظم الحاجة له. والماء كما هو معلوم من أهم عناصر الحياة، وهو أهم من الطعام لأنك قد تمتنع عن تناول الطعام لسبب ما نحو اربعين يوماً(4) ولكنك لاتستطيع أن تستغني عن شرب الماء الا اياماً قليلة جداً. فمبلكة لم تكن محظوظة بالحصول على كل ماتريده من الماء بالسهولة الكافية أولا لأنه يشح في الصيف “كما ذكرت آنفاً” (على لسان علمنا في كتيبه) وثانياً لأن نبعيه بعيدان عن القرية فلم يكن من الهَّين على كل عائلة أن تستقي منه بالبحبوحة المشتهاة.
(في ختام فذلكتنا ومن كتيب علمنا المنوه به ومن كلامه…حيث يقول فيه)
“هكذا كانت بملكة في سني حداثة الكاتب. أما اليوم فقد أصبحت غير ما كانت عليه بفضل ابنائها الذين هاجروا الى العالم الجديد (اميركا الشماليةوالجنوبية) وجدوا فيه مجالاً حراً للعمل بالجد والنشاط فجنوا من أثمار اتعابهم ما أهلهم لن يعودوا الى بلدتهم بالمال الكافي لتشييد بيوت حديثة تحوي من التسهيلات العصرية مالذ وطاب…”
“… وكان لنا في هذه الأرض أشجار تين اشتهرت بلذة أثمارها وكبر حجمها ومنها الجنس المسمى بالغرزاوي ولكنها لسوء الحظ أصابها بعد هجرتنا مايصيب كل رزق متروك. وقد أخنى عليها الدهر فاندثرت تماماً.
اما النعمة الدائمة التي من الله بها على بملكه فهي جودة المناخ وحسن الموقع. فقد حباها الله مناخاً صحياً جميلاً ومناظر خلابة تبعث في النفس انشراحاً عظيماً. فاذا تطلعت منها الى الغرب رأيت مدينة طرطوس الجاثمة على شاطيء البحر المتوسط وهو يلاطم صخورها بدون هوادة ويرتد عنها كليلاً.
ورأيت أيضاً جزيرة أرواد(5) وهي رابضة قبالة طرطوس في البحر تهزأ بتهديدات أمواجه التي تثور غضبى أحياناً وتحاول أن تمحو تلك الجزيرة الصغيرة من الوجود فلم تستطع بالرغم من مرور أجيال كثيرة جداً على تلك المحاولة، فقد غرقت، واختفت جزيرة اتلانتا، ولم يبق لها من أثر كما اختفى غيرها. واما هذه الجزيرة الصغيرة أرواد فلا تزال ثابتة ولايزال المؤرخون يأتون على ذكرها في حوادث هامة.
وقد ذُكرت ايضاً مراراً في أقدم كتب العهد القديم (التوراة) مما يشهد لها أنها عريقة جداً في القدم.
واذا تطلعت منها (أي من بملكه) نحو الجنوب الغربي صباحاً او عصارى النهار أو قبل الغروب أمكنك أن ترى بكل وضوح طرابلس والمينا وماحولهما والمسافة لاتقل عن 38 ميلاً. واذا تطلعت جنوباً رأيت سلسلة طويلة من جبال لبنان وبعضها يظل مكسواً بالثلج شتاءً وصيفاً والمسافة بين بملكه وتلك الجبال شاسعة. واذا تطلعت الى الشرق رأيت “قلعة الخوابي” الفريدة من نوعها و”قلعة الحصن” الشهيرة. واذا تطلعت الى الشمال أمكنك أن ترى سلسلة طويلة من الجبال حتى مدينة اللاذقية وهي تبعد عن “بملكه” أكثر من خمسين ميلاً. ويمكنك أن ترى من “بملكة” البواخر التي تمر بالقرب من أرواد ان كانت مسافرة شمالاً وجنوباً. كما انك ترى بنفس السهولة سفناً كثيرة شراعية تصطاد السمك والاسفنج وغيرذلك.
(انتهى الاقتباس)…
السيرة الذاتية
ولد علمنا في 20 تموز سنة 1890 في قرية “بملكة” في محافظة طرطوس وهو ابن اسرة ريفية فقيرة جداً، ولكنها كانت غنية بما لايقاس بإيمانها الأرثوذكسي الحار والنقي الذي كان بدون حدود…حتى انها كانت تصوم الصوم الكبير المقدس كله على الماء فقط.
والده سليمان خلوف ووالدته ابنة الخوري سليمان المعروف في كل أنحاء ريف طرطوس بتقواه وشدة تمسكه بالإيمان الأرثوذكسي وصوته النادر المثال في جماله واتقانه للترتيل الرومي.
كما هو معروف فانه بحسب العوائد كان يجب ان يتسمى الطفل المولود على إسم قديس اليوم اي على اسم “النبي الياس”، ولكن بما أن اسم ابيه كان الياس فلم يكن مسموحاً ان يعطى الاسم ذاته بالتالي ايضاً للإبن لذلك تسمى بإسم “رئيس الملائكة ميخائيل”، وكان الوالدان قد رُزقا قبله بأربع بنات وصبي هو “يوسف”، وكان علمنا هو الصبي الثاني في العائلة، ومع ذلك فقد لوحظ من الجميع مدى تعلق والده به وإيثاره على ابنه البكر يوسف، ويقول علمنا في سبب ذلك(6) ” كان سبب ذلك ان محبته لأخي كانت محبة محضة فحسب، أما محبته لي فكانت ممزوجة بالشفقة عليّ نظراً لما أُصبت به من ضيق التنفس النادر الهائل. ويظهر انه نوع من (الديسبنيا)…”
النذر
لما كانت والدته إبنة الكاهن سليمان مشهوراً في كل تلك الأنحاء بتقواه وشدة تمسكه بالإيمان الأرثوذكسي الحار، وكان عند الجميع يكفي لتثبيت الكلام بقسم بإسم الخوري سليمان، ولم يكن له صبيان وكانت أم علمنا هي بكر بناته، وعلى غاية من التدين والتقوى. فلما رأت ان ابنها ميخائيل مصاب بضيق التنفس بتلك الدرجة الهائلة، وخافت عليه من عاقبة وخيمة، عزمت ان تنذره لخدمة “دير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي” في وادي النصارى مدة سنتين مجاناً إذا شفي من تلك العاهة. فخرجت ووقفت على عتبة البيت وكشفت عن رأسها حسب عوائد الشعب في ذلك الوقت، وبسطت ذراعيها نحو السماء، ونذرت نذرها… وكان هو التالي:
“يامار جرجس أرجوك أن تبتهل الى الله لكي يشفي ولدي الحبيب بصلواتك من هذه المصيبة التي حلت به، ونغصت عيشه وعيشنا، وانني أنذره أن يخدم ديرك سنتين مجاناً لوجه الله تعالى متى بلغ الثانية عشرة من عمره.”
ولكن الوالد عندما عرف بحقيقة النذرولخوفه على إبنه من أن يشغله رئيس الدير بأعمال غير مستحبة كراعي غنم مثلاً، ولكن بسبب تقواه وتربيته الدينية كغيره من أهل القرية في ذلك الزمان خاف أن يبقى النذر كما هو بدون ان يفيه فيما لو شفي، فكان عليه ان يحل النذر بطريقة قانونية دينية، فوقف في المكان ذاته الذي وقفت فيه زوجته ونذرت، وكشف بدوره عن رأسه، ورفع ذراعيه باسطاً اياهما نحو السماء، ثم قال :” يا مار جرجس ياقديس الله ليس لك أي حق عند ولدي الحبيب ميخائيل فليكن محلولاً من رباط النذر الذي نذرته أمه اليوم، فإن أردت أن تشفيه بصلوات بدون نذر وكان ذلك كرماً منك.
وهكذا حله أبوه من هذا الرباط فأراح ضميره، وأرضى عقيدته وقال لزوجته:” ميخائيل لن يرعى…”.
في هذا الجو الايماني الحار جداً لجهة والديه ولجهة جده الخوري سليمان نشأ علمنا…
ميخائيل يتيم الاب
توفي والده وكان لايزال بين الخامسة والسادسة من عمره، وكان عمراخيه الكبير التاسعة، وكان له إخوة أصغر منه لكن ليس من يستطيع أن يخلف أبيه في فلاحة الأرض وزراعتها واستثمار أرزاق العائلة كبقية أهل القرية، وكانت والدته تسلم الارض لبعض الأقارب والمعارف ليستغلوها ب”الحصة” او لقاء اعطائهم ثمر شجرة تين، أوشجرة زيتون من أرزاق الاسرة.
وكان الأولاد يساعدون الأم الارملة في قطاف مابقي لهم من أشجار الزيتون أو التين أو قطف ورق التوت لتربية دود القز، وغير ذلك من الأشغال التي يستطيعون القيام بها.
ميخائيل الصغير مدرساً
مارس التدريس بعد ان تلقى العلم في طفولته من عمر 8 سنوات الى 12 سنة في قرية “دويرطه” معاوناً لأخيه البكر المعلم يوسف بمساعي أخته الكبيرة ستوت المتزوجة من رجل متنفذ في بلدة ساعين، ثم وبمساعي أخته الثانية مريم انتقل مدرساً الى قرية “بغمليخ” وايضاً مساعداً لأخيه المعلم يوسف .
اللقاء بمطران اللاذقية
لما زار مطران اللاذقية ارسانيوس حداد بلدة “بملكة”، جاء ميخائيل اليها (وكان يساعد اخيه في التعليم بالقرية المجاورة)، جاء ليشاهد المطران وجاهياً وليتعرف كيف يكون المطران…
وصل المطران وحاشيته المرافقة ( الشماس الكسي حنا، والشماس افتيموس عفيش، والقواص ممتطين الخيول الأصيلة، يتقدمهم القواص فاستقبله جده الخوري سليمان بحلته الكهنوتية بالقرب من القرية حاملاً المبخرة يرافقه الخوري نقولا ومعهما جمع غفير من أهل القرية وبعضهم يحمل الصلبان والمراوح.
وكان ذلك اليوم سبت، وسيقدس في اليوم التالي الأحد.
في يوم الأحد دخل الولد ميخائيل الهيكل باكراً قبل دخول المطران ليخدم قندلفتاً مع جده الخوري سليمان، وكان هدفه الأساس مشاهدة المطران ارسانيوس وحلته الحبرية، وتاجه المرصع، وصولجانه… وكان يتخوف أن يطرده المطران من الهيكل.
بدأ شماسا المطران يلبسانه حلته الحبرية… واعطاه الولد ميخائيل عصاه الرعائية، ثم سلمه بعدئذ صولجانه ليحمله، فأدرك الطفل ميخائيل أنهم بحاجة له ولخدمته في الهيكل، وكان سعيداً انهم طلبوا منه أكثر من مرة ان يقدم له المبخرة ويعيدها الى الحامل، وكذا يحمل الشمعة وغير ذلك من الخدمات التي يقوم بها القندلفت في الهيكل عادة…
وكانت سعادته أن المطران نفسه عندما كان يفرغ من التبخير كان يسلمه صولجانه ليحمله…
في نهاية القداس، قال له المطران ارسانيوس حداد: “ياولد تعال الى هنا.” فاقترب الولد وبدأ الخوف من جديد يستحوذ عليه بعد كل هذه الطمأنينة التي عاشها يخدمه في الهيكل
” أتعرف أن تقرأ؟” فأجابه الولد ميخائيل انه متعلم هو وشقيقه يوسف وقد حفظ العلم كله، اي أنه حفظ المزامير والأكطويخس، والخط و الارقام الهندية و العمليات الحسابية مع جداول الضرب عند المعلم جرجس برهوم والقسمة، والقراءة المشكَّلة عندالمعلم ابراهيم البروتستانتي وانه الان يمارس التعليم في بعض القرى بمعية اخيه الأكبر وروى له ذلك.
عند وداع الرعية لمطرانها قام أبناء الرعية بتقبيل يمينه وطلب بركته كالعادة، ثم اصطف الاولاد، ولكن ميخائيل لم يقبل يد المطران كبقية الاولاد.
وهنا سأل المطران :” ابن من هذا الولد؟” فقالوا له ابن الياس خلوف، سأل المطران ان كان اهله يقبلوا ان يرسله الى اللاذقية ليضعه في مدرستها حيث رآه قابلاً للعلم. فأجابه القوم ان أباه متوفين وأن أمه تتولى تربيته وإخوته بعد ترملها، وانها ابنة الخوري سليمان الورع، والكل افتى بقناعته انها بالتاكيد لن تمانع، وبدأ أهل القرية يمدحون الولد ميخائيل، ويقولون أنه معلم بالرغم من صغر سنه، وقالوا أيضاً:” الولد ياسيدنا فهيم، وعاقل ومربى تربية تعجبك”.
فلما سمع المطران أن الخوري سليمان جده، اي انه ينتمي الى عائلة كهنوتية قال: طالما ان جده الخوري سليمان ارسلوه الى قرية “دوير طه” “لأني سأسافر اليوم الى هناك”.
قال له الناس انه مقيم في دوير طه مساعدا لأخيه في التعليم بمدرستها.
دراسته في اللاذقية
بعد المشاورة مع أمه وجده قبلا بسفره الى اللاذقية ليتعلم.
من دوير طه ارسله المطران الى قرية “متن عرنوق” وهناك سلمه الى رجل من قرية صايا كان منتخباً ليصير كاهناً في قريته. واعطاه المطران رسالة الى مدير المدرسة الروسية(7) يوصيه فيها الاعتناء به الى حين رجوعه ( المطران) من جولته الرعائية في ابرشيته.
سافرا سيراً على الأقدام الى جبلة، منها الى اللاذقية، حيث دخل فوراً مدرستها عام 1902 تحت عناية مديرها المعلم عيسى داود وفق توصية المطران، ولنباهته انهى صفوفها بسنتين.
في البلمند
في خريف 1904 ارسله المطران ارسانيوس الى دير البلمند مع خليل غريب شقيق تريفن غريب (المطران لاحقاً). لكن علمنا لم يكن همه الالتحاق بالكهنوت بل الاستزادة في التعلم لذا رجى المطران ارسانيوس ان يرسله الى اوربة الى احدى جامعاتها اللاهوتية ليحصل على شهادتها، وقد خدمه لقاء ذلك عدة سنوات بصفة سكرتير بدون أجر وهو شماس انجيلي تمت رسامته في ايلول سنة 1908.
الدراسة اللاهوتية في روسيا
اوفده معلمه للدراسة اللاهوتية العليا في اكاديمية قازان اللاهوتية في روسيا، وسافر يوم عيد رقاد السيدة في 15 آب 1912، ورافقه في ايفاده الدراسي الشماس اسكندر جحى من قرية بشمزين (الكورة) (مطران حمص لاحقاً) والشماس انطونيوس خوري من أنطاكية (صار استاذاً في جامعة دمشق).
درس بداية كمرحلة تمهيدية في السيمنار لمدة سنتين اللغة الروسية وبعض المواد اللاهوتية التي لاتدرس في البلمند.
ثم تابع في الاكاديمية الروحية حيث درس فيها اربع سنوات، وقدم اطروحة التخرج وكانت في “الدفاع عن الارثوذكسية” وقد نالها بتفوق بالرغم من كثافة اطروحات التخرج القيمة للخريجين، ولكن اطروحته هي التي كانت قد نالت هذا الاعتبار. ونصحت ادارة الاكاديمية الروحية ان تطبعها على حسابها وتوزعها على المبشرين اجمالا لتكون لهم عونا ومرجعا يستندون اليه في عملهم التبشيري
العودة الى الوطن
عاد من روسيا الى اللاذقية نهاية عام 1920 حيث عينه معلمه المطران ارسانيوس مديراً للمدرستين الارثوذكسيتين للصبيان والبنات مع توليه رعاية كل التلاميذ والتلميذات في المدرستين وشرطنه كاهناً في اول شباط 1921 وعاد راعياً…
ازدهرت المدرستان في عهده كما يشهد معاصروه، ثم رفعه الى رتبة ارشمندريت.
في الأرجنتين
ثم سافر الى الارجنتين/ كوردوبا في فترة الثلاثينات، وتولى الوكالة البطريركية ورئاسة الرعية الانطاكية المتنامية هناك.
يشهد عنه معاصروه انه كان راعياً بحق ليس للمهاجرين من الديار الشامية أبناء كنيسته فقط بل كل الرعايا ومن مختلف الكنائس حتى المسلمين مقتدياً بالراعي الصالح.
في تلك الفترة عكف على دراسة الطب بشكل ذاتي وكان همه علاج رعاياه وخاصة الفقيرة منها، ولولا قلة المادة لكان قد حقق حلمه باقامة مستشفى خيري لرعاياه، ولكنه لم يستطع ذلك وان كان حلمه الذي رافقه حتى آخر عمره.
سافر الى اميركا الشمالية عند احتدام الأزمة بين مطران سلفكياس جرمانوس شحادة الموجود هناك والذي كان يترأس الرعية المنتمية الى الكرسي الانطاكي، ورئيس الاساقفة افتيموس عفيش الذي كان قد رسمه عام 1933 مطران آلاسكا الروسي تابعاً للكنيسة الروسية خارج الحدود، وبعد قيام عفيش بالزواج وهو اسقف وتجريده طلب منه الفريق المشايع لروسيا ومطران آلاسكا ان يرسمه اسقفاً، الا انه لم يقبل بذلك.(8)
عاد الى الارجنتين مجدداً ليخدم فيها ويعود بعدها خادماً في رعية بوتيكا نويورك عام 1959.
اسقفيته
رسمه البطريرك ثيوذوسيوس ابو رجيلي اسقفاً عام 1960وسلمه رئاسة الرعية الأنطاكية كمعتمد بطريركي في جمهوريات اميركا الوسطى، وكان يتقل بين كل هذه الارجاء، زائراً ابناء الوطن متعرفاً على احوالهم وهمومهم مواسياً ومعزياً ومشدداً لهم في اغترابهم، وكان نصير الفقراء خاصة، ساعياً بلا حساب وراء الرعية وجمع شملها…
فقام بتنظيم الامور ووضع الاساس لمشروع الابرشيات لاحقاً فأنشأ الرعايا في كل مكان يتواجد فيه الانطاكيون واقام لهم مجالس رعايا وجمعيات ومؤسسات…
رتب أمورالرعايا في كل جمهوريات اميركا الوسطى كما كان قد فعل قبلاً في كل الارجنتين وبالأخص كوردبا المقصد الرئيس للمهاجرين الانطاكيين. رعايا ومؤسسات وراسماً لهم كهنة نشر التعليم الارثوذكسي حيث بقي فيها مجاهداً في سبيل الكرسي الانطاكي في الانتشار حتى عام مطلع عام 1965
العودة نهائياً الى الوطن
تقاعد من منصبه كمعتمد بطريركي بداعي المرض، وعاد الى الوطن نتيجة الأمراض الكثيرة التي بات يعاني منها، واستقر نهائياً في قريته بملكة بعد ان خدم الإنتشار الانطاكي أكثر من ثلاثة عقود ونصف.
في بملكة صار بيته محجة للمؤمنين للكهنة ومطارنة الابرشيات ومنهم الاسقف اغناطيوس هزيم يزورونه للاطمئنان.
انتقاله الى الأخدار السماوية
وعندما ساءت حالته نقل الى المستشفى وهناك فاضت روحه الطاهرة الى بارئها في 3تموز 1965 عن عمر يناهز 75 سنة.
جرى له ماتم حافل في بملكة برئاسة مطران عكار ابيفانيوس زائد ومطران حمص الكسندروس جحى (رفيقه دراسته اللاهوتية في قازان) بتكليف من البطريرك ثيوذوسيوس السادس وبمشاركة عدد كبير من الاكليروس.
استقبل اهل بلدته الجثمان استقبالاً لائقاً وشيعوه من مدخل البلدة وحتى الكنيسة مرفوعاً على الأكف…
ابنه المطران ابيفانيوس بكلمات رقيقة اوفاه بها حقه، ثم وبموجب وصيته دفن تحت الكنيسة.
صفاته وآثاره المطبوعة
تميز علمنا بالهدوء والتقى والورع والتفاني بدون حدود في سبيل الرسالة المسيحية الارثوذكسية مجاهداً في الدفاع عن الارثوذكسية كما كانت اطروحته…
ترجم الى الاسبانية كتاب خدمة القداس الالهي لمنفعة كهنة اميركا الجنوبية وخدام الكنائس هناك.
كما الف كتاباً ضخماً موضوعه:”التطبيب في الصوم” اعتماداً على دراسته الطب على ذاته وقبلاً ممارسته مع الأهل ومنذ الطفولة الصوم الكبير فقط على الماء.
له كتيب “كيف صرت راعياً”
الخاتمة
نحن امام مجاهد حديث من مجاهدي كرسينا الانطاكي المقدس في الوطن والاغتراب خدمه دينياً وعلمياً ومعرفياً.
الاهم ان نذر والدته لما كان طفلاً صغيراً مريضاً بالخدمة سنتين مجاناً وبالرغم من ان والده وحرصا عليه قد احله من نذر امه ولكن الخدمة تحققت فقد خدم في دار مطرانية اللاذقية وهو ابن 12 سنة وكان النذر لو تم بحرفيته لكانت الخدمة في هذا السن في دير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي ولسنتين اثنتين…
النذر تحقق بشكل اوبآخر منذ ذاك السن وحتى الرمق الأخير من حياته راعياً من التلمذة الى الشموسية فالكهنوت فالارشمندريتية وكيلاً بطريركياً وبعد مضي مدة طويلة في الخدمة وخاصة للفقراء رُسم اسقفاً ووكيلاً بطريركياً لأبرشية وضع لبنتها الاولى وهي جمهورية اميركا الوسطى…
هؤلاء القديسين المستترين تعذبوا كثيراً عبر تاريخهم الطويل الحافل بالرعاية الحقة فعلينا ان نذكرهم دوماً بالعرفان…
الحواشي
(1) الوثائق البطريركية التي كنت من 1987 والى الآن اقوم بتكشيفها وهي مستند تاريخ الكرسي الانطاكي في العصر الحديث.
(2) “كيف صرت راعياً” طباعة بوتيكا نويورك 1959 بقلم علمنا من القطع المتوسط ومؤلف من 64 صفحة، يحكي به عن سيرته الذاتية، وكان لما كتبه وطبعه وهو برتبة ارشمندريت…
(3) الارشمندريت ميخائيل خلوف “كيف صرت راعيا”
(4) ان (علمنا) يثبت صحة هذا الكلام بالخبرة فلقد صام هو نفسه سبعة وأربعين يوماً عن كل أنواع الطعام طبقاً لكتاب ترجمه عن اللغة الروسية الى العربية والاسبانية وقد اقتدى به كثيرون غيره …( المرجع السابق ذاته)
(5) وقد لعبت ارواد (وهو المرجع السابق ) في الحرب العالمية الأولى دوراً مهماً جداً. وقد كانت وقتئذ تحت الحكم العثماني البائد الذي اشتهر حكامه وأخصهم جمال باشا بالاستبداد والقساوة النادرة في معاملة الرعايا. فقد هلك خلق كثير من شراسة المعاملة والجوع والتشريد. ففضل بعض العرب الالتجاء الى حمى أجنبي على البقاء تحت حكم ليس عليه مسحة من الرحمة والشفقة. وكان الافرنسيون قتئذ قد احتلوا جزيرة ارواد. فصارت ملجأ أميناً للذين أستطاعوا أن يهربوا من الظلم الفاحش. حتى أن بعضهم قصدها سباحة على مافي ذلك من الخطر. ولاشك أن بعض هؤلاء قد غرقوا قبل أن يصلوا اليها.
(6) المصدر ذاتهز
(7) المدرسة التي فتحتها الجمعية الامبراطورية الفلسطينية – الروسية الارثوذكسية التي فتحتها وغيرها في ابرشية اللاذقية وكانت برعاية هذه الجمعية الرائدة بمساعي المطران السابق ملاتيوس الدوماني ( البطريرك) كان مديرها في اللاذقية عيسى داود من رام الله في فلسطين، وكان يقيم في دار مطرانية اللاذقية.
(8) الازمة في ابرشية اميركا الشمالية الأنطاكية بين الانتماء للكرسي الانطاكي او التبعية لبطريركية روسيا مابعد وفاة المطران القديس روفائيل هواويني والانقسام لثلاثة احزاب انطاكية واستمرار الازمة الى زمن المتروبوليت فيليبس صليبا ومن ثم توحيد الابرشية وقد صار مطران توليدو اوهاية ميخائيل شاهين معاوناً له في مطلع الثمانينات.