حماة الديار عليكم سلام

خربشات سياسية…15 ايلول 2018

 

خربشات سياسية…15 ايلول 2018

  السؤال التالي: ماهو السر الذي يجعل روسيا هذه الدولة العظمى لتقاتل بكل قوتها الضاربة في سورية وتدافع عن هذه الدولة الصغيرة البعيدة جغرافيا عنها وتدعم وحدة اراضيها وتقدم الشهداء والجرحى واكلاف باهظة من خزينتها لمعركة عن الغير لاناقة لها فيها ولا جمل؟

 الجواب عند بعض السياسيين

– ان هذا القتال يجعل من روسيا وكأنها تخوض معركتها الوطنية معيدة الى الأذهان كفاحها في تاريخها ضد بونابرت وضد الدولة العثمانية وضد هتلر…

وكأننا مع بوتين يعيد تشكيل امبراطورية بطرس الأكبر…وامبراطورية الاتحاد السوفيتي بعظمته وهو الذي اسقط النازية والفاشية ودخل برلين…

الحق يقال انها حكاية هذه الحكاية الروسية في سورية هي من ذلك النوع من الحكايات التي تشد السامع  والناظر…فالجيش الروسي بكل امكاناته واسلحته والدبلوماسية الروسية بكل ضراوتها وهدوئها وبالرغم من كل العقوبات الاقتصادية  التي اوقعتها اميركا معلقة بها… والحروب الجانبية التي زجتها بها من الشيشان الى جورجيا الى اوكرايينا والقرم… ووصول الاطلسي بقواعده الى رومانيا وبلغاريا واوكرايينا و… اي الاحاطة بروسيا…

 روسيا تقاتل بضراوة كما لو أنها تستعيد لحظات معركة ستالينغراد بكل ضراوة في ادلب مع كل الحكمة الدبلوماسية وخاصة مع الغادر التركي…

محللون آخرون

 يقولون عن مبررات قرار روسيا بأنها اضطرت للخروج من سيبيريا للقتال في سورية، قبل ان تضطر لقتال الارهابيين داخل حدودها…وهي في حالة الضربة الاستباقية قبل ان تعاجلها الخطة الغربية باطلاق الوحوش الاسلامية داخل روسيا بعد ان تزنرها بحزام عملاق من الدول الاسلامية الفاشلة التي تصبح مصانع وقواعد واسعة لاطلاق موجات من الارهابيين نحو روسيا كما كان الحال مع الشيشان … وفي الواقع فقد تعرضت موسكو والكثير من مدنها الرئيسة الى هجمات ارهابية شيشانية اسلامية

 – محللون آخرون ايضاً

يسندونها على مبررات تاريخية عند روسيا فهي ومنذ الامبراطورة كاترين تعتبر سورية منطقة نفوذ تاريخية وحيوية وحصرية لها لن تسمح لأحد بالاستيلاء عليها…للوصول الى المياه الدافئة في المتوسط في معرض لعبة الأمم قبل قرون…

محللون يقولون بالبعد المسيحي الارثوذكسي

الذي يربط روسيا بمسيحيي الشرق عموما ًوأرثوذكس الكرسي الانطاكي الذي يدين له الروس بنشوء المسيحية فيها وعمادهم على يد المطران ميخائيل السوري ودور بطريرك انطاكية في قيام البطريركية الروسية في القرن 15 ودور روسيا في الاستشراق واقامة الجمعية الفلسطينية الروسية الارثوذكسية بمدارسها التي نشرتها في كل سورية الطبيعية ووقوفها الى جانب ارثوذكس الشرق في انطاكية وفي فلسطين لمنع البعثات التبشيرية من كثلكتهم بكل ماتعنيه سورية الطبيعية من حضور ارثوذكسي تعتبر روسيا الارثوذكسية ذاتها امتداداً طبيعياً له، فهي رومة الثالثة…بعد سقوط رومة الاولى بيد البرابرة الجرمان والغزو العثماني للقسطنطينية عاصمة المجد الرومي الارثوذكسي الزاهي لعشرة قرون متصلة. الآن دور روسيا رومة الثالثة في القيادة الارثوذكسية  العالمية وحماية الارثوذكس…

آخرون يأخذون البعد الاقتصادي

فيؤكدون ان سبب الحراك الروسي في سورية أنها تحمي خطوط غازها عبر الامساك بالعقدة السورية لنقل أنابيب النفط من الخليج الى اوربة…

والكثير الكثير من التحليلات والتأويلات واعمال القياس والتفسير التي حاولت ان تقارب الحالة التي تجعل روسيا تقاتل كما تقاتل الأم دفاعا عن ابنتها وحلت محل فرنسا في الشرق التي كانت تعتبر نفسها الأم الحنون للمسيحيين الشرقيين وبخاصة لبنان ولكون فرنسا قائدة الكاثوليك المشرقيين… فاذا بالام الحنون الفرنسية تترك الشرق ومسيحييه نهبا للاسلاميين والصهاينة والاميريكيين ينكلون بهم مع الارهابيين المسلمين عند كل عقدين او ثلاثة بعد طردها من سورية ولبنان… واذا بروسيا تندفع للدفاع عن الشرق كله بمسيحييه ومسلميه…

الواقع المنظور والملموس

الحقيقة ان كل هذه التحليلات قابلة للقبول، ولكن السلوك الروسي يدل على ان القضية أبعد كثيراً من أهداف آنية وقصيرة المدى ومناطق نفوذ…لكن واقع الحال يقول ان المعركة الحالية في سورية هي الفصل التالي للحرب الباردة بين السوفييت والغرب بعد أن استفاق الروس على حقيقة انهم خسروا معركة الحرب الباردة…

لذلك اندفعوا نحو الهجوم المعاكس في رد على أول مواجهة مع الأميريكيين في سورية… ورغم ان الرئيس بوتين يقول في خطابه للشعب الروسي انه لم يأخذهم في مغامرة من مغامرات الشيوعيين القدامى بل كان عليه ان يقاتل على اسوار دمشق كيلا يضطر الشعب الروسي للقتال على تخوم موسكو لأن دمشق هي خط دفاعه الحيوي والأخير…الا ان معركة فلاديمير بوتين في سورية كان قرارا في غاية الخطورة لأنه وضعه وجها لوجه مع أشرس عتاة الشر في العالم وفلاسفة الحروب من الغربيين ومن حلفائهم العرب الذين جندوا العالم الاسلامي وساقوه كالقطيع في مواجهة روسيا بكل مشاعره وطاقاته الارهابية وانضم الى الحفلة الماسونية العالمية اتحاد علماء المسلمين والحرم المكي والأزهر والاخوان المسلمون وورثة العثمانيين وكل ممثلي الحقب الاسلامية مجتمعين .. حتى ان الحج في احدى السنوات خصص الدعاء فيه على جبل عرفات يوم العيد لإهلاك روسيا التي “تقتل المسلمين في سورية”…ومع ذلك فان بوتين لم يتزحزح قيد شعرة عن تحالفه المتين مع الدولة السورية وثبت أكثر حتى عندما استهدفت طائراته المدنية كما في اكثر من دولة وفي داخل روسيا حتى اضافة الى استهداف طائراته العسكرية وكان ذلك في تهديد صريح له من انه سيدفع الثمن غالياً…وهذا كله لايفسره منطق المصالح الروسية وحده لان المساومات والعروض التي وضعت على طاولة بوتين تكاد لاتصدق وتحديداً من قطر في نظامها المخلوع ونظام تميم الحالي، ومحمد بن سلمان بالتحديد وغلامه الجبير مؤخراً  في روسيا ويسيل لها لعاب اي رجل يبحث عن المصالح والصفقات الكبرى… ولو كان ترامب لكان استكان وخضع وباع المبدأ…

بوتين طبعا ليس تحت تأثير لوبي سوري يعاكس اللوبي الصهيوني في أميركا…لكنه كان يتحدث أحيانا بانفعال وغضب وهو يدافع عن الموقف السوري ضد إملاءات الغرب مستندا في تبريراته الى انه يدافع عن الأخلاقيات والمبادئ البسيطة في السياسة من أن من حق الشعوب حصرياً حق تقرير مصيرها وشكل حكمها وليس للأمم المتحدة ولا للولايات المتحدة أي دور في ذلك ولايجوز ان يكون لها دور… بعدما اتضح دور الامم المتحدة الخانع لأميركا ومنظماتها الانسانية ومنظمة حظر السلاح الكيميائي …وهو في الحقيقة في موقفه وموقف وزير خارجيته لافروف وكل الطاقم الدبلوماسي والسياسي والعسكري  استندوا الى موقف أخلاقي صلب جدا في هذا…ولكن اللوبي الذي يحرك بوتين ليس سورياً طبعا وهو أكثر صلابة من أخلاقيات الموقف الظاهر.

بوتين يرى في معركة سورية من وجهة نظره كقائد عالمي يسعى لبناء مكانة روسيا كما كانت زمن الاتحاد السوفياتي، أنه يستأنف معركة قديمة مع أميركا العدو الأزلي لروسيا الذي لن يهدأ حتى تموت روسيا .. وهي ليست معركة ثأر بل هجوماً معاكساً تشنه روسيا بكل معنى الكلمة…ويهدف الى تحييد قوة اميركا كثيرا في المحيط الروسي،  أي تنظيف النطاق المحيط بالأمن الروسي، لأن أميركا لن تخرج من محيط روسيا الا بتحييدها في الشرق الاوسط أولا كي تتوقف عن حصار روسيا الذي حكينا عنه، لأن الشرق الأوسط  بثرواته وعمائم عروشه المحمية من اميركا هو نقطة ارتكاز أميركا الأقوى التي تستند اليها كل نقاط ارتكازها حول فضاء روسيا .. ولذلك لاشيء يعادل الهجوم المضاد في أقوى نقطة ارتكاز أميركية .. وهذه المعركة بدأت في سورية ولن تتوقف .. وادلب هي معركة صغيرة تلت معارك في الحرب الكبرى التي وضعتها روسيا في مشروعها الكبير الذي التقى مع المشروع السوري الايراني الكبير في بناء جدار مقاوم لأميركا ومن يتبعها…

اليوم وبعد ان عشنا هذا التجاذب الغربي في معركة سورية ومعركة شد الحبل في آخر متر في ادلب بين الغرب وبين الروس صارت الأمور تتبلور أكثر .. وهي ان روسيا تخوض في سورية واحدة من أهم معاركها التاريخية بعد معارك الحرب العالمية الثانية حتى آخر متر وهي معركة تحجيم قوة أميركا كليا في الشرق الاوسط والمحيط الروسي متكئة في ذلك على تحالف ايران وسورية اللتين التقطتا اللحظة الروسية المناسبة في توقيت دقيق جدا ومهم جدا لهما وتعملان مع روسيا بشكل يكمل كل منهما الآخر…

بالمقابل تستميت اميركا لافشال هذا التلاحم  في محاولة البقاء والتشبث بالشرق الأوسط الذي يتم دفعها خارجه بالتدريج…عبر ماتعده دوائر البنتاغون والصقور في الادارة الاميركية للتثبت في الشرق السوري وفي ادلب لأطول فترة ممكنة، وانتظار أي تحول في معادلات المنطقة المتغيرة… وعندها تتم العودة الى الخطط الاساس لأن الهدف لايتغير بل تتغير وسائل الوصول اليه وطرق التنفيذ وآلياتها والهدف هو تقسيم سورية الى كانتونات عرقية ودينية متباغضة ومتعادية وجميعها خاضعة لاسرائيل…

ولذلك فان القبول بالمماطلة مع الغرب وتركيا في تحرير ادلب ريثما تهيىء ظروف تتغير فيها معادلات ومعطيات الصراع، سيعني للسوريين وحلفائهم الروس والايرانيين ان كل ماانجز من تحرير في حلب والغوطة وتدمر والجنوب سيظل ناقصاً، وكأنه لم يتم. بل وماهو أهم من ذلك ستتعثر عملية إخراج الاميريكيين من الشرق السوري ومن التنف لأن ادلب ستشكل مسماراً ساماً بيد الاميركي وبدعم تركي يثبته بابقائها نقطة ملتهبة تقيح الجسد السوري المحيط، وترد على اي تحرك او ضغط لاسترداد الشرق السوري سلماً او حرباً… كما هو جيب داعش الباقي حول التنف والذي تم تحريكه نحو السويداء في توقيت ماحول معركة الجنوب ودرعا…أي ان جيب ادلب الكبير سيتم تحريكه باستفزازات ورسائل ضاغطة وابتزازبة اذا ما تحركت سورية وحلفاؤها في اي اتجاه لايريح اميركا واسرائيل، فهي بؤرة ابتزاز  سورية واقليمية ضاغطة… ستبقى كل سورية رهينة بسببها…

من هذا كله  ووفق آراء الاستراتيجيين.. نجد انه لامناص لروسيا قبل سورية من خوض معركة ادلب من أجل تعبيد الطريق نحو الفضاء الروسي النظيف والذي قد يتعرقل ببقاء مشروعها رهينة في ادلب وشرق سورية

ولذلك يجب الاستعداد لأي استماتة أميريكية لجعل التحرك نحو ادلب متعثرا ولكن في نفس الوقت يجب ألا نعطي تهديدات الغرب اي اعتبار هام يغير من عزمنا وتحركنا لأن الغرب يدرك ان معركة ادلب ليست معركة سورية فقط .. بل معركة في مشروع فضاء روسيا الحيوي… الذي تبنيه روسيا للقرن القادم… الذي سيعني لها الانطلاق نحو فضاء أوراسيا الذي من أجله تبني تحالفاتها مع الصين والهند وباكستان وايران وسورية والعراق…وبمعنى أخر يقوم الروس بعملية كنس ناعمة وخشنة معا وتدريجية للنفوذ الاميريكي في الفضاء الروسي .. وقد لايصدق البعض ان سورية -وبالتالي ادلب – هي في صلب هذا الفضاء لأن معركتها ستحدد عملية خروج ونزوح اميريكة كبرى من سورية ومن ثم العراق خلال السنوات القليلة القادمة…مما يجعل المعركة في ادلب صعبة ديبلوماسياً وسياسياً رغم انها عملية سهلة عسكريا لانها تستعد بحشود سورية هائلة وكثافة وازدحام للسلاح الروسي لم يسبق لها مثيل .. ستجعل مسلحي اميركا وتركيا هباء منثوراً

وكما يقولون العارفون بالسياسة الاميركية وموقفها من ادواتها بعد انتهاء دورهم انها لن تهتم بهم كثيراً ولن تفعل شيئاً لانقاذهم في المستقبل ستدرس التكتيكات والسلاح والذخائر الروسية المستعملة في اكاديمياتها العسكرية، لمعرفة تأثيراتها على أجسادهم وتحصيناتهم وحجم الخسائر التي ستسببها في الجسد الارهابي المسلح فهم فئران التجارب الاميريكية…فئران اسلامية للتجارب لكل مشاريع أميركاالمستقبلية وسيرتدون الى تركيا الحاضن الاساس والممول وهذا مايجعل تركيا من زعيمها الى كل معاونيه في هستيريا تدفعهم الى تهديد اوربة بنقلهم اليها والحكايات ستحكي عن الأسرار التي تحشد العالم على ارضنا وتتداول الأحداث .. وستؤرخ لكل شيء…

في الختام نقول

صحيح ان روسيا بكل قوتها هي الضامن لانتصار سورية وانتصارها هي ومحور المقاوم لكن الضامن الأكبر هو هذا الجيش السوري المناضل الذي تكرس خلال ثمان سنوات من النضال…

والنصر له…