الاسقف استفانوس حداد

راهب الخضر

راهب الخضر

أنشر هنا في مدونتي نص هذا المقال الروحي الرائع الذي كتبه الخطيب المفوه مثلث الرحمات الارشمدريت (الأسقف) العلامة استفانوس حداد ابن عرمان من جبل العرب وابن ابرشية بصرى حوران وجبل العرب ( المتوفي في العقد الأخير من القرن 20) بعد جهاد متميز في كل مكان وخاصة في ابرشية مسقط رأسه “العربية”، ورئاسة دير القديس جاورجيوس الحميراء، ومعاوناً لمطران صور وصيدا بولس الخوري وهي تحت الاحتلال الصهيوني وماعاناه من هذا الاحتلال…كتب عن عجيبة من عجائب “القديس جاورجيوس” خضر السهوة في جبل العرب، من أبرشية حوران، وهو الدير الغساني الرومي البيزنطي الأرثوذكسي  الذي بنيت كنيسة القديس جاورجيوس في عرمان تيمناً باسمه، والتي دشنها مثلث الرحمات البطريرك ثيوذوسيوس السادس في ايار1961

 وكانت مجلة “النور” لسان “حركة الشبيبة الارثوذكسية” /طباعة بيروت/ قد نشرت هذا المقال البديع في العدد 6 – حزيران1961- السنة 17

لن أُعقب أو أُضيف  على ماورد في نص المقال المتحدث عن اعجوبة من عجائب القديس جاورجيوس فعجائبه وعجائب الطاهرة والدة الاله وجمهرة القديسين تفوق المحسوس لتذكيرنا نحن جماعة المسيحيين بهذا الكنز العظيم الذي نحن فيه وننهل منه… قاصداً الحفاظ على هذه النكهة الرائعة لكاتبه الحصيف والعلامة الكلي الورع استفانوس حداد وهو من نسب القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي، ومثلث الرحمات البطريرك العظيم غريغوريوس الرابع …

 النص الحرفي للمقال

” في الدرب الوعر الصاعد الى الخضر انحدر الراهب الوحيد الموكل بالمزار، متلفعاً بسواد الليل، حاملاً عصاه يسير كالهائم على وجهه، خائضاً في تجربة اليأس القاسية. إنه آخر راهب عرفه الناس حارساً وخادماً للدير.

قرية سهوة الخضر
قرية سهوة الخضر

كان حزيناً كئيباً، تملأ المرارة قلبه، يحاذر أن يراه انسان من الأناسي (الناس)، لئلا يشتد خجله، ويتضاعف يأسه.

ترك الدير مكرهاً والموت أهون عليه من إقفال الدير ومغادرته، ولكن لابد من المغادرة، والطاقة الروحية عند البشر في نطاق اللحم والدم، لها حدود تقف عندها وتعجز عن تخطيها.

لقد ضاقت روحه بالصبر، وماكان يهمه أمر نفسه وانما كان يهمه امر الزائرين الذين لن يجدوا في الدير شيئاً من الحاجات الضرورية، لقضاء الزيارة. ان السنة عجفاء قطعت الزرع والضرع فمافي الدير والكورة المحيطة به شيء من القوت لانسان أو طير أو بهيمة.

وفيما الراهب ينحدر على مهل وحذر، يتلمس الدرب بعصاه، إذا به يسمع فجأة حمحمة ووقع حوافر فيتأكد له أن فارساً يمر صاعداً في طريق الدير. ان الفرس يشم ويسمع ويرى في الليل الحالك. وجفَ قلب الراهب وحسب لهذا الفارس العابر الف حساب، لا من خوف أو ريبة، بل من خجل العثرة التي سيعثره بها وهو قادم لزيارة المقام بلا شك. وبعد خطوات، وقف الفارس على الرجل المحاذر المنحدر على الطريق وقال له: من أنت ياهذا؟

– فأجاب بعد تلجلج: أنا راهب الدير.

– وإلى اين تقصد، وكيف تترك الدير وليس فيه أحد غيرك، وأنا زائر من مكان بعيد، والدير مقصدي وفيه مبيتي؟

– إني أعتذر اليك ايها السيد الكريم عن مغادرتي الدير وخروجي منه في هذا الليل . ان هذه السنة أصابت الناس بالجراد في هذه الكورة فما تركت زرعاًولا عشباً ولا بقلاً، والغلال والهدايا والنذورالتي كانت تردني لم يردني منها شيء في هذه السنة، ولما نفذ كل ماعندي خرجت بنفسي لأجمع شيئاً من القرى فما تيسر لي شيء البتة،  أيام، فهجرت صحبتي وهجرت الدير تلتمس طعاماً في مقام آخر. لقد بت منذ ليلتين على الطوى وبغير نور إذ ليس عندي شيء من القوت ولا شيء من الزيت أو السمن لأسرج به المصباح. وكان الفارس يسمع هذا الكلام وكأنه لايصدق مايقوله الراهب فأجاب: لابد لي من زبارة الدير في هذه الليلة، ولابد لي من عودتك لتقبلني فيه.

فأجاب الراهب وقد تحير فيما يفعل: أرجوك ايها الفارس الكريم معذرتي. اذ ليس عندي طعام لك، ولا علف لجوادك، ولانور نهتدي به.

– أو الى هذا الحد يخلي الخضر مقامه من كل شيء؟ أعتقد أنك وهمان (واهم) فيما تقول ايها الأب المحترم، عد بنا الى الدير فلابد من زيارته.

– لقد قلت لك ايها السيد أنه ليس في الدير شيء، وأنت زائر واحد، أفضيت ايك بسري المكتوم، وأخشى ان يغشاني غيرك (يردني غيرك) من الزائرين فأخجل أمامهم مما أنا فيه من عدم وجود شيء من الحاجات الضرورية للزيارة والمبيت.

– كبر ايمانك بالله ووليه ايها الراهب ولا تقنط من جوده تعالى، والزم ديرك ولا تتركه، واشك لربك أمرك أمام زوارك، ذلك خير من مغادرة الدير واقفاله في وجه الزائرين. ان الله الذي خلق الوجود من العدم يمكنه أن يفيض عليك الزيت والسمن والقمح والتين والشعير.

سكت الراهب أمام هذه الكلمات فاستدار ومشى أمام الفارس وهو حيران متفكر حتى اذا بلغ باب الدير.

بقي الفارس على جواده فقال له الراهب: انزل ايها السيد لأقودك بيدك وأُريك أنه لايوجد شيء في المخازن والخابيات. فقال له الفارس: اسبقني وافتح وادخل وقل باسم الله وباسمك ياخضر. فدخل الراهب بعزم وثقة وأخذ المغرفة ومدها الى الخابية الفارغة من الزيت، فوجدها ملآنة الى حافتها، وكذلك السمن ومخازن القمح والبرغل والشعير والتبن، فاندهش من العجب ومجَّدَ الله، وأوقد المصباح وطفر يركض وخرج الى الفارس ليدعوه الى الترجل والزيارة وصاح بجنون الفرح، الحمد لله ياسيد ان الزيت والسمن والقمح والشعير واتبن فاضت عندي في خابياتها ومخازنها فتفضل وانزل فقال له الفارس:” ستبقى فائضة الى أن يجيئك الموسم الجديد فاستقبل الزائرين، وشدد ايمانهم ولاتترك الدير.” قال هذا واختفى هو وجواده في سواد الليل ولم يعد لهما أثر.

فحزن الراهب لفراقه وايقن بعد هذا انه الخضر الشهيد مار جرجس صاحب المقام العجائبي.”