القديس يوحنا الدمشقي والقديسة بربارة

القديس يوحنا الدمشقي و القديسة الشهيدة بربارة

القديس يوحنا الدمشقي و القديسة الشهيدة بربارة
في الرابع من كانون اول نعيد للقديس يوحنا الدمشقي و القديسة بربارة
فكل عام وانتم بخير…
 
– القديسة الشهيدة بربارة

أجمعت الكنائس الرسولية عامة والمشرقية منها خاصة على تكريم القديسة بربارة في 4 /12 . إنما اختلف المؤرخون في تحديد زمن ولادتها و استشهادها . فقد ارتأى بعضهم أنها نالت الشهادة عام 235م إبان الإضهاد السابع الذي أثاره الإمبراطور مكسيمانس الغوثي ضد المسيحية ، ومما يؤكد صحة هذا الرأي ، ما جاء في قصتها أنها راسلت العلامة أوريجانس المتوفي عام 255.

القديسة العظيمة في الشهيدات بربارة
القديسة العظيمة في الشهيدات بربارة

ولادتها ونشأتها
ولدت بربارة في أوائل القرن الثالث للميلاد في مدينة “نيقوميدية” ، وكانت الإبنة الوحيدة لوالدها “ديوسقورس”الوثني المتعصب الذي اشتهر في قومه بالغنى الفاحش ، والجاه، وقساوة القلب، وبكرهه للمسيحية.  أما وحيدته بربارة فكانت دمثة الأخلاق، لطيفة ومتواضعة، تحب الناس كافة. ماتت والدتها وهي صغيرة، فأقام والدها حرساً على بربارة لتبقى في القصر المنيف من شدة خوفه عليها، كما جلب لها أساتذة بارعين ليعلموها شتى أنواع العلوم اللغوية والفلسفية والتاريخية لتنشأ كسائر فتيات الأغنياء في عصرها، كما ملأ والدها جوانب القصر أصناما لشتى الآلهة التي كان يعبدها لتتمثل به وحيدته بالسجود والعبادة.
نالت بربارة ثقافة دنيوية عالية، لكنها كانت تشعر بفراغ كبير في عقلها وقلبها، وكان بين خدمها بعض المسيحيين فاستفسرت منهم عن إلههم الذي لايسكن في الحجارة فشرحوا لها أصول الدين المسيحي وأشاروا عليها مراسلة العلامة ” أوريجانس” استاذ مدرسة الإسكندرية الكبير، الذي بإمكانه ان يبسِّط أمام أمثالها من المثقفين حقائق الدين.
كتبت بربارة الى أوريجانس بما يدور في رأسها من أفكار دينية فلسفية. وطلبت اليه أن يتنازل ليكون معلماً لها ، فابتهج أورجانس بذلك وأجابها على رسالتها موضحا حقائق الإيمان المسيحي، وأرسل لها كتابا بيد تلميذه “فالنتيانس” الذي أوصاه أن يشرح لبربارة تعاليم الرب يسوع. ولما قرأت بربارة رسالته امتلأت من الروح القدس ، وبشجاعة فائقة أدخلت “فالنتيانس” الى قصرها ليكون أحد أساتذتها فلقنها أصول الإيمان المسيحي، وشرح لها عقيدة التجسد الإلهي، وبتولية العذراء مريم والدة الإله. وبعد أن تعمقت بأصول الدين طلبت أن تنال نعمة العماد، فعمدها الأب “فالنتيانس”، وكرست نفسها للرب يسوع، وكانت تواظب على الصلاة والتأمل بسيرة الفادي سواد ليلها، وبياض نهارها، وازداد احتقارها للأصنام التي ملأ أبوها القصر فيها.
رفضها الزواج بوثني
طلب يد بربارة أحد أبناء النبلاء من الوثنيين في “نيقوميدية”، ففاتحها أبوها بذلك فرفضت الإقتران به، محتجة برغبتها في البقاء الى جانب أبيها وصعوبة فراقه والإبتعاد عنه. فقرر أبوها أن يعودها البقاء دونه فسافر الى مدينة أخرى بضعة أيام.
تحطيمها الأصنام وتقديسها الثالوث
وانتهزت بربارة فرصة غياب أبيها عن القصر، فأكثرت في الصيام والصلاة والتأمل، بالكتب المقدسة وسير القديسين، كما حطمت أصنام أبيها الكثيرة المنتشرة في جوانب القصر، وكان أبوها قد أمر أن يشيد لها حمام خاص في القصر، ويفتح فيه شباكان، ففي غيابه أمرت البنائين أن يفتحوا شباكا ثالثا كي يكون عدد الشبابيك الذي يدخل خلالها النور على عدد الثالوث الأقدس.
ظهور السيد المسيح لها
وظهر لها الرب يسوع بهيئة طفل صغير جميل جداً، فسرت بذلك لحظات من الزمن وانقلب سرورها حزناً عميقاً، لما تغير هيئة الطفل الإلهي، إذ تخضب جسمه بالدم فتذكرت الفادي وتحمله الآلام والصلب في سبيل فداء البشرية. وكانت الملائكة تظهر لها وتعزيها وتشجعها، وهكذا عاشت بربارة السماء وهي على الأرض وشابهت الملائكة طهراً ونقاءً.
معرفة أبوها
عندما عاد ” ديوسقوروس” أبيها من رحلته ووجد إن ابنته بربارة قد حطمت أصنامه هاج كالوحش الكاسر وأوشك في ثورة غضبه أن يقضي عليها ضرباً وتجريحاً ولكنها هربت من أمام وجهه، وبعد أيام فاتحها ثانية بأمر تزويجها من شاب وثني، فرفضت معلنة له بأنها قد وهبت نفسها للرب يسوع، فخر من طوره وكاد أن يفتك بها معتبراً كلامها إهانة له ولدينه الوثني ، وحاول أن يوضح لها أنها إذا بقيت على هذه الحال سوف يفقد مركزه المرموق في الدولة، وإذا بقيت مسيحية فسوف يغسل عاره بسفك دمها بيده، هنا طلبت منه بربارة أن يستمع لها ولو مرة واحدة فشرحت له بطلان عبادة الأوثان، فغضب والده من كلامها وشكاها الى حاكم المدينة
اعترافها بالمسيح جهرا
بناء على شكوى والدها استدعاها الحاكم ليحاكمها أمام الجمهور وحاول إغراءها بالوعود الذهبية اذا تراجعت عن ايمانها بالمسيح ، لكنه باء بالفشل عندما أظهرت احتقارها لكل ما في العالم من مال وسلطة، وافتخارها بالمسيح يسوع، فأمر الحاكم بتكبيل بربارة، ثم عروها من ثيابها وجلدوها بسياط مسننة كالسكاكين، فتمزق جسدها وهي صابرة لا تشتكي، بل تمجد المسيح وتسأله أن يمنحها القوة لتعترف به أمام المحكمة. ثم أمر الحاكم في اليوم التالي بإستجوابها أمام الناس الذين تعجبوا جداً إذ رؤوا جسمها خاليا من آثار السياط. وحاول الحاكم ثانية إغراءها وإذ لم تؤثر فيها وعوده ووعيده أمر بتهميش ساقيها بأمشاط من حديد، وحرقوها بمشاعل موقودة، وأكثروا من الضرب على رأسها وقطعوا ثدييها، ثم ملحوا جسدها المثخن بالجروح وكل هذا حدث وهي تسبح الله وتعترف بإيمانها بيسوع.
مواصلة بربارة جهادها وتحملها العذاب
أعادوا بربارة الى سجنها المظلم وفي اليوم الثاني قادوها أمام الحاكم وكم كانت دهشة اناس عظيمة إذ رأوها بكامل صحتها، ونسب الوالي شفاءها الى آلهته . فقال لها” أنظري كيف استطاعت الآلهة أن تحميك” فأجابت بربارة: “لو كان لأصنامك حياة لأستطاعت أن تحمي نفسها في اليوم الذي حطمتها في قصر أبي، الإله الحي هو الذي ضمد جروحي”. فاستشاط الحاكم غضبا وطلب من جنوده أن يقطعوا رأس بربارة بعد جرها في الشوارع عارية ، فسترها الله بضياء سماوي.
استشهادها بيد أبيها
وطلب أبوها من الحاكم أن يأذن له بقطع رأسها بيده فسمح له بذلك، فقادها أبوها الى خارج المدينة وهو يزبد، وعندما وصل الى قمة الهضبة جثت بربارة على الأرض وضمت يديها الى صدرها على شكل صليب وحنت هامتها، فتناول أبوها الفأس وهوى به على رقبتها وقطع رأسها.
طروبارية باللحن الرابع
لنكرمن القديسة بربارة الكلية الوقار، لأنها حطمت فخاخ العدو، ونجت منها كالعصفور، بمعونة الصليب وسلاحه.
قنداق باللحن الربع
أيتها الشريفة بربارة اللابسة الجهاد، لقد تبعت الثالوث المسبح بحسن العبادة، فأهملت المعبودات الوثنية، ولما جاهدت في وسط الميدان بعزمٍ ثابتٍ، لم تجزعي من تهديدات المغتصبين، صارخةً بصوتٍ عظيم، أيتها النقية: إني أعبد ثالوثاً بلاهوتٍ واحد.
وترنّم الكنيسة للقديسة بربارة، في صلاة السحر، هذه الأنشودة المعبّرة:
“يا بربارة الكلية الوقار، لما جزتِ سبيل الجهاد، فررت من رأي أجدادك، وكبتول حكيمة دخلت إلى ديار ربك حاملة مصباحك. وبما أنك شهيدة شجاعة. نلت نعمة لتشفي الأمراض الجسدية. فأنقذينا، نحن مادحيك، من أسواء النفس بصلواتك إلى الرب إلهنا”.
(صلاة السحر – على ذكصا الاينوس)
– سيرة القديس يوحنا الدمشقي
طروبارية
“هلموا نمتدح البلبل الغريد الشجي النغم الذي أطرب كنيسة المسيح و أبهجها بأناشيده الحسنة الإيقاع الطلية أعني به يوحنا الدمشقي الكلي الحكمة زعيم ناظمي التسابيح الذي كان مملوءاً حكمة إلهية و عالمية…

السيرة الذاتية

القديس يوحنا الدمشقي
القديس يوحنا الدمشقي
ولد القديس يوحنا في مدينة دمشق في سورية نحو سنة 676 م، أيام الخلافة الأموية و كان أبوه المنصور (سرجيوس) وزيراً للخليفة عبد الملك بن مروان و كان محبوباً عند الخلفاء مكرماً عند المسيحيين و المسلمين لما إتصف به من خصال عالية وأخلاق حميدة، وكان يستخدم ماله من إعتبار لدى الخلفاء لإعتاق المأسورين ، عنيَ منصور بتربية ولده يوحنا وأراد له أن يتعلم العلوم والفلسفة فحار لمن يسلم أمره وبينما كان كعادته يتفقد أسرى الحروب مر بفرقة معدة للقتل ورأى كاهناً راهباً فرثي لحاله وسأله عن إسمه ونسبه فعرفه ذلك الراهب بحاله وأسفه على ضياع حياته قبل أن يستفيد أحد من علمه، فتنبه المنصور للأمر وأتى به إلي الخليفة فإستوهبه إياه فوهبه له، فأتي به إلي بيته وسلم إليه مقاليد تربية إبنه يوحنا وولده الثاني بالتبني قزما.
كان ذلك الكاهن يدعى قزما أيضاً وكان ماهراً في العلوم و الفنون فشغف بالوزير وبولديه وأخذ يلقنهما أصول البيان والفلسفة ورأى من الولدين ميلاً كبيراً إلى الإلهيات فجعل يشرح لهما علم اللاهوت فنبغ يوحنا في تلك العلوم نبوغاً عظيماً و لما أتما علومهما استأذن قزما الوزير المنصور في الذهاب إلي دير القديس سابا ليمارس أعمال النسك فأذن له وأطلقه، فأتى قزما دير القديس سابا ونسك هناك ومات الوزير المنصور فسلم الخليفة إلى يوحنا مقاليد السلطة التي كانت بيد أبيه وأقامه وزيراً بدلاً منه لما كان يتمتع به يوحنا من علوم عالية ومبادئ سامية فقام يوحنا بأعباء منصبه أحسن قيام رغم حداثة سنه .
في ذلك الوقت ظهرت بدعة غريبة قام بها الملك لاون الإيصوري يقول فيها إن إكرام الأيقونات هي عبادة وثنية وأمر بتحطيم الأيقونات ونزعها من الكنائس والبيوت وأثار على الكنيسة حرباً وأرسل الجند إلي الكنائس و المنازل فأخذوا يكسرون ما وصلت إليه أيديهم من الأيقونات الثمينة، ويحملون إلي خزائن الملك صفائح الذهب و أكوام الحجارة الكريمة التي كانت تزين تلك الأيقونات فثارالأساقفة والكهنة والرهبان وجمهور الشعب وإستماتوا في الدفاع عن إيمانهم الذي لا يقدم عبادة سجود للذهب وللخشب وللمواد المصنوعة منها الأيقونة، و إنما يكرم الأشخاص الذين تمثلهم الأيقونات وتقدم السجود لله وحده فقط وقد شارك يوحنا أبناء الكنيسة في الدفاع عن الإيمان المستقيم، و كتب رسائل شرح فيها العقيدة الأرثوذكسية وتعاليمها ببراهين لاهوتية ومنطقية 
المؤامرة عليه والاعجوبة
 يقال أن الملك لاون حاول أن يخنق صوت الدمشقي بالحيلة فاستدعى أمهر الخطاطين لديه،، وطلب منهم أن ينسخوا له رسالة كتبها زوراً و كأنها مرسلة إليه من القديس يوحنا يستعين به (الإمبراطو) على الخليفة وأرفق لاون الرسالة المزورة بأخرى شخصية عبر فيها للخليفة عن رغبته في السلم والصلح بينهما وللتأكيد على ذلك يرسل إليه صورة الرسالة التي أرسلها إليه يوحنا، فلما أطلع الخليفة عمر بن عبد العزيز على الرسالتين إستبد به الغضب الشديد و أرسل في طلب يوحنا وواجهه بهما فدافع القديس عن نفسه ولكن دون جدوى، فأمر الخليفة السياف بقطع يد القديس اليمنى، فأخذ قديسنا يده ودخل إلي بيته و إرتمىعند أيقونة والدة الإله و صلى بدموع غزيرة لتردها له وفيما هو مستغرق في صلاته غفا، و إذا بوالدة الإله تتراءى له في الحلم قائلة: “ها إن يدك قد عوفيت الآن”. فاستيقظ يوحنا من النوم ليكتشف أن يده قد عادت بالفعل صحيحة وموضع القطع ظاهرٌ عليها كخط أحمر.
أثر الأعجوبة، حاول الخليفة إستعادة يوحنا  لى منصبه، ولكن قديسنا كان قد زهد في الدنيا وتاقت نفسه إلى حياة النسك والعبادة، فاستأذن الخليفة وترك البلاط وباع أملاكه ووزع ثمنها على الفقراء والأيتام والكنائس و الأديرة وسافر قاصداً دير القديس سابا، وأتى الدير وتضرع إلى الآباء أن يقبلوه في عداد صغار الرهبان. دخل يوحنا الدير مشغوفاً بحب الإبتعاد عن العالم وممارسة الفضائل الرهبانية والطاعة والتواضع وقهر النفس.
و لما كان إسمه قد ملأ الدنيا خاف رئيس الدير أن يكون دخوله مؤقتاً ثم يعود إلي حياة النعيم التي تعودها. و أراد أن يمتحنه فعين له مرشداً راهباً طاعناً في السن كثير التقشف شديداً على نفسه وعلى غيره فكان يوحنا يسير بموجب إرشادات أبيه الروحي فادهشت طاعته رهبان الدير ولا سيما عندما رأوه يجيد أحقر أعمال الخدمة التي كان يفرضها عليه مرشده، و بعد أن تحقق رئيس دير القديس سابا فضيلة يوحنا السامية وتواضعه وعلمه الغزير، فكر في رسامته كاهناً لينفع الشعب بمعارفه و فضائله فقدمه للبطريرك الذي رسمه كاهناً و أوكل إليه الوعظ والإرشاد في كنيسة القيامة، فشرح التعاليم اللاهوتيه ودافع عن الأيقونات ودحض حجج لاون الأيصوري وأتباعه وأخذ يطوف مدن سورية وفلسطين ليثبت المؤمنين في عبادة الله ويبعدهم عن شر تلك البدعة الهرطقية التي جاهر بها لاون وأتباعه.
ابداعه المكتوب ومؤلفاته
ألف القديس يوحنا الدمشقي كتباً نفيسة عديدة منها اللاهوتية والفلسفية التي شرح فيها عقائد الإيمان ووضع التسابيح الكنسية والألحان الثمانية التي لا زالت كنيستنا الأرثوذكسية تستعملها إلي اليوم في صلواتها و طقوسها جمعها في كتاب المعزي. رقد بالرب نحو السنة 760 م، وله من العمر84 سنة. تحتفل كنيستنا الأرثوذكسية بتذكاره في الرابع من شهر كانون أول شرقي(17 كانون أول غربي) من كل عام.
طروبارية على اللحن الثامن
“لقد ظهرت مرشداً إلي الإيمان القويم ومعلماً لحسن العبادة ولطهارة السيرة. فأنرت الجميع بتعاليمك يا معزفة الروح القدس. و كوكب المسكونة. وجمال رؤساء الكهنة يوحنا الحكيم المتأله اللب. فتشفع إلي المسيح الإله في خلاص نفوسنا.”
فبشفاعات قديسيك أللهم ارحمنا وخلصنا آمين