انت الروح يادمشق...

انت الروح يادمشق…

انت الروح يادمشق…

ربما لن يكون أصعب على روحي من أن أكتب عنكِ الآن يا دمشق، وأن أفتش عن حضوركِ الجمالي القاتل في قصائد مَن عرفوكِ، ولكن، يا سيدة الزمان والمكان، أنتِ تستحقين هذا الوجع، وتستحقين هذه الأسئلة.
دمشق يا شقية، يا أقدم مدينة مأهولة في التاريخ وأكثر مدينة عامرة بعشاقها، أفتش عنكِ في القصائد، لأقول لكِ لا يمكن أن تُهزَمي، إذ لا تُهزَم مدينة تعيش في القصيدة.
لم يمر شاعر بكِ من دون أن تسكني روحه قبل شعره، ولم تكوني حين تنتقلين لتسكني القصائد تقبلين إلا بأجمل سكن فيها. كنتِ يا دمشق تختارين أجمل غرف القلب، وكان الشاعر لا يملك لكِ إلا الطاعة.
لكِ سحركِ الذي لا يتكرر، بالتاريخ الذي تقبضين عليه فيكِ متلبسا بعشقكِ، منذ أقدم أساطير الإنسان الأولى، ومنذ إله الخصب والجمال، وبالطبيعة التي كانت فسحة للروح من شجر وسقسقة ونهر ورطوبة طيبة، تعيد ساكنكِ إلى نفسه سالما، ومن طعم حاراتكِ، وصوت الورد في شرفاتكِ الخشبية، من أسواقكِ التي تكون فيها الحياة منقوشة على فضة، أو معتقة على نحاس من حريركِ، والمنمنمات على أطرافه تطرز لغة الأنوثة، سكنتِ قصائد البحتري الذي قال فيك:
أما دمشق فقد أبدت محاسنها/ وقد وفى لك مطريها بما وعدا

انت الروح يادمشق...
انت الروح يادمشق…

وقال فيكِ ساكنكِ محمد كرد علي عاشقا:
الحب يبدأ من دمشق فأهلنا/ عشقوا الجمال وذوّبوه وذابوا
دمشق يا شقية، كنتِ تتركين لعشاقكِ شعركِ الأسود الطويل منثوراً في شعرهم، وتزرعين بساتينكِ في جلودهم قبل أن ترحلي معهم، إذا رحلوا. وكيف يرحلون وأنتِ تقبضين على قلوبهم وتسجنينها في مداكِ المفتوح؟ كيف ترحلين عن نزار، وأنتِ يا شام، أنتِ كالعاشقة حين تعيش في جسد العاشق، وتكمل فيه جرح الشوق إلى آخره.
هذي دمشق وهذي الكأس والراح/ إني أحب وبعض الحب ذبّاحُ
أنا الدمشقي لو شرحتم جسدي/ لسال منه عناقيد وتفاحُ
ويناديكِ: يا شام إن جراحي لا ضفاف لها/ فامسحي عن جبيني الحزن والتعبا
كم كنتِ ترقصين وتهللين، وتحتفين بنفسكِ حين كنتِ تطلين على نفسك من صوت فيروز في حفلات معرضكِ، مكتوبة بروح سعيد عقل كأجمل وأرقّ ما قاله لكِ عاشق.
لم يكن سعيد عقل من سكّانك، لكنكِ سكنتِ دمه فجاء بوحه حقيقيا عميقا صارخا، جاء عشقا خالصا، وكنتِ بعد كل قصيدة تحمر خدودك وتطلبين أكثر:
يا شام عاد الصيف مبتدأ وعاد بي الجناح
صرخ الحنين إليك بي أقلع ونادتني الرياح
نعم صرخ الحنين إليكِ يا شام، وماذا يصير بالروح حين يصرخ فيها الحنين، أي عطش يا شام، أي عطش؟!
ظمئ الشرق فيا شام اسكبي/ واملئي الكأس له حتى الجمام
أنتِ تعصرين القلب يا شام، بأهلكِ، بحاراتكِ، بصيفكِ حين تصيرين دالية:

انت الروح يادمشق...
انت الروح يادمشق…

شآم أهلوك أحبابي وموعدنا/ أواخر الصيف يا ذا الكرم يعتصر
لم تكتفي يا شام بسعيد عقل عاشقا غريبا عنكِ، بل أطلقتِ سماءكِ كلها، بكل الحمام فيها، في اتجاه بشارة الخوري، الأخطل الصغير، ابن لبنان، فقصصتِ له أجنحته، وتركتِ قلبه يرعى حول بردى بلا أجنحة:
بردى هل الخلد الذي وعدوا به/ إلاك بين شوادن وشوادي
قالوا تحب الشام قلت جوانحي/ مقصوصة فيها وقلت فؤادي
وأطلقتِ بردى كله في اتجاه مصر وجاءكِ رد أحمد شوقي.
سلام من صبا بردى أرقّ/ ودمع لا يكفكف يا دمشق
وحين قصدك مظفر النواب لم يتركك ولم تتركيه.
دمشق عدتك بلا حزني ولا فرحي
يقودني شبح مضني إلى شبح
يا جنة مر فيها الله ذات ضحى
لعل فيها نواسيا على قدحي
 مررتِ في قصائد درويش غيمة تسير في الشوارع، وسحباً مندوفة في المخدات. مررتِ كثيرا في روحه، وكنتِ يا دمشق آخر ما قاله وما كتبه، حين كتبكِ بكل أحرف الأبجدية في “طوق الحمامة” الدمشقي:
في دمشق تطير الحمامات/ خلف سياج الحرير/ اثنتين، اثنتين…
في دمشق/ أرى لغتي كلها مكتوبة/ على حبة قمح بإبرة أنثى/ ينقحها/ حجر الرافدين

انت الروح يادمشق...
انت الروح يادمشق…

في دمشق/ يعود الكلام إلى أصله/ الماء/ فلا الشعر شعر/ ولا النثر نثر/ وأنتِ تقولين/ لن أدعكِ/ فخذني إليك/ أو خذني/ معك
وماذا كان ليكتب درويش فيكِ لو شاهد الطائرات تقصف نومكِ، والفلسطيني فيكِ يكمل حصته من الموت والجوع والنزوح الطويل؟ لو شاهد اليرموك يحمل خيامه، ويدفنها في عيني طفل لم يزل هناك تحت أنقاض أحلامكِ. ربما كان ليكمل باقي الأحرف التي لم تكتمل في طوق الحمامة الدمشقي، ويكمل فيكِ وجع النشيد، ويقول لكِ، وأنتِ سيدة القصائد:
لن تهزمي أبدا يا شقية:
في دمشق/ تسير السماء/ على الطرقات حافية/ فما حاجة الشعراء/ للوحي والوزن والقافية!