انطاكية عاصمة الحضارة الهلنستية والرومية...

هل كانت اللغة السريانية هي اللغة الأولى لسورية الطبيعية، وماهو دور اللغة اليونانية في سورية؟

هل كانت اللغة السريانية هي اللغة الأولى لسورية الطبيعية، وماهو دور اللغة اليونانية في سورية؟

توطئة

تتنامى اليوم وخاصة بعد الحرب الكونية على سورية ومساهمة العربان الاساس فيها ولنكر الانتماء للعروبة، تتنامى وترتفع الأصوات القائلة بأن سورية والمشرق ارض السريان وحدهم وليست ارضاً عربية، وأن كل السكان هم سريان الأصل، وان اللغة السائدة هي السريانية، وان اسم سورية هو سرياني…وان اسماء معظم المناطق والمراكز سريانية، ويغرق البعض في السرينة فيخلطون بين اللغة والطائفة، فهل حقاً كان الأمر كذلك؟ وهل كان كل السكان سريان اللغة والمذهب وهل ان هذا يعني ان الطوائف الأخرى مسيحية كانت ام مسلمة كانت سريانية اولاً ثم صارت على ماهي عليه الآن، كما قال البعض وخاصة كبار المثقفين ويقولون… وان فريقاً منهم الذين هم اليوم الارثوذكس انشقوا عن الاصل السرياني وتبعوا الروم البيزنطيين لغة وعقيدة… ولذا اسموهم ملكيين نسبة الى انقيادهم لملوك بيزنطة…

انطاكية مغارة القديس بطرس
انطاكية مغارة القديس بطرس

في هذه الطروحات نسأل عن اليونانية التي كانت لغة السواحل والمدن منذ الاسكندر الأكبر، وتأسيس الدولة السلوقية على يد سلوقس نكتاروس في سورية الطبيعية وعاصمتها انطاكية على اسم ابيه انطيوخوس، ودولة البطالسة التي اسسها بطليموس في مصر في الاسكندرية التي اقامها الاسكندر الأكبر المقدوني…وكانت اللغة السائدة في حوض البحر المتوسط هي اليونانية والتي غلبت حتى اللغة اللاتينية الفاتحة مع الرومان منذ 63 ق.م الى زمن تأسيس الدولة الرومية البيزنطية…مع كل هذه القوة هل كانت اليونانية سراباً الم تكن لغة الادارة والثقافة؟ اين اللغة العربية وسفر اعمال الرسل ينص على وجود العرب عندما حل الروح القدس يوم العنصرة؟ و…الم يأمر الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان بتعريب الدواوين في بلاد الشام ومصر والرافدين عن اليونانية وذلك في القرن السابع بعد ان كانت اللغة الرسمية في الادارة و…في النصف الاول من فترة الدولة الاموية…!

المدن المنسية ...
المدن المنسية …

هل كانت هذه اللغة وتلك الآثار في حوران وشرق الاردن والمدن المنسية وشمال سورية ومنطقة حلب ودورا اوربس  البيزنطية مجرد وهم؟ أسئلة لابد منها امام هذه الهجمة التي لامبرر لها باحتكار سورية واحتكار الكنيسة وسرينة كل شيء وعلى كل الالسنة من كبار المثقفين الى اصغر العامة وخاصة على صفحات التواصل الاجتماعي والفيسبوك مع تغليظ في الكلام… الأمر الذي دفعنا الى الدفع بكتابة هذه التدوينة علماً اننا نحتفظ بالكثير من الامور التي نتحفظ عليها والواردة كحوادث تاريخية كانت مدمرة للمسيحية اجمالاً في سورية الطبيعية.

بين ايدينا هذا المقال الرائع لمعلمنا الشيخ الجليل المرحوم الشماس والمحامي اسبيروجبور وهو شيخ المعلمين الانطاكيين فكراً ولاهوتا وتاريخاً وحقوقاً… وفيه توضيح جلي للواقع…

قال المعلم الأنطاكي اسبيرو جبور في مقاله

” اللغة السريانية، أو بالأحرى في الأساس اللغة الآرامية، كانت لغة الدبلوماسية في الشرق الأوسط في العهد القديم. وفي قصر شوشا الفارسي قبل الميلاد، كانت لغة الدبلوماسية. وأكتُشف في مصر عرائض مقدمة للوالي الفارسي أثناء الاحتلال الفارسي لمصر باللغة الآرامية. وبعض العهد القديم مكتوب بالآرامية أيضاً. اللغة الآرامية هي لغة سورية الطبيعية والعراق ماعدا فلسطين. ولكن بعد السبي البابلي عاد اليهود من بابل الى فلسطين لايتكلمون الا الآرامية، فصارت اللغة الآرامية شيئاً فشيئاً اللغة العامية في فلسطين ( وصارت تسمى الآرامية الفلسطينية)، بينما بقيت اللغة العبرية لغة الكتاب المقدس ولغة القراءة الأولى (فقط يقرؤها الكهنة…). ولكن هناك تراجم، إذ ترجم اليهود العهد القديم الى اللغة الآرامية أيضاً. فكان النص يُتلى بالعبرية والشرح باللغة الآرامية. ويسوع المسيح له المجد تكلم في فلسطين اللغة الآرامية. إنما سافر خارج فلسطين على ما نعلم مرتين. الأولى لما أتى صور وصيدا، وصور وصيدا كانت تتكلمان اليونانية.

سورية
سورية

وفي انجيل مرقص المرأة الكنعانية هي إمرأة يونانية اللغة. وانتقل أيضاً إلى المدن العشر وشفى هناك الممسوسين وهذه المنطقة كانت متيوننة.

اللغة الآرامية إذا هي اللغة الأصلية، ولكن عندما جاء بلادنا الاسكندر الكبير، فاتحاً كبيراً، انتقلت اللغة اليونانية الى بلادنا والى العالم بصورة كبيرة جداً. ففي القرن الثاني قبل الميلاد كما يقول العلماء، قامت سورية مقام أثينا في الآداب والفنون الجميلة. وانتقل الثقل اليوناني الى بلادنا. المدن العشر المذكورة في الأناجيل هي دمشق وجرش وعمّان شرقاً، وبيشان غربي بحيرة طبريا، والمدن الست الباقيات هي بين البحيرة وخط عمّان دمشق. هذه المنطقة تيوننت وتكلّمت اليونانية في ذلك الحين. فملّم أولاد هيرودس هو نيقولاوس الدمشقي الفيلسوف الذي ترك ذرية من العلماء والفلاسفة من اثني عشر جيلاً. كان الناس يتكلمون اللغة اليونانية من آخر كيليكية بحراً الى اسكندرون، فاللاذقية، فطرابلس، فبيروت، وصيدا، وصور، فحيفا، فقيصرية فلسطين، فيافا، فغزة، فالاسكندرية، فليبيا، وبلادنا ومصر أخرجت علماء وفلاسفة كثيرين باليونانية. المدن الداخلية: حلب وحماة وحمص وبصرى كانت تتكلم اليونانية، إنما كانت القبائل العربية في الصحراء وغالباً من القرن الثاني بعد الميلاد، إذ أخذت تتكاثر في بادية الشام. هذه القبائل كانت تتكلم العربية، ولكن مع الزمان جوّدت لغتها العربية، وتجويد لغتنا العربية تمَّ أيضاً بالاحتكاك الثقافي.

طبعاً لايخلو  الأمر أنهم تعلموا السريانبة أو اليونانية، فعائلة يوحنا الدمشقي عائلة عربية الأصل، اسمه منصور واسم جده منصور، فالاسم عربي، لكننا لانعرف القبيلة التي كان ينتمي اليها يوحنا الدمشقي، ولكن ليس من تغلب، لأن تغلب كانت على المذهب اليعقوبي. فعائلة يوحنا الدمشقي عائلة ثقافة وأدب وعلم وفلسفة وزعامة كبيرة في دمشق. فهي عائلة محترمة جداً.(وهو ترهب في دير مارسابا اليوناني في فلسطين وتبعيته لبطريركية اورشليم اليونانية)

ارضيات فسيفساء بيزنطية
ارضيات فسيفساء بيزنطية

المناطق التي كانت تتكلم السريانية (أوالآرامية القديمة) هي المناطق الريفية. ففي الريف غالباً كان الناس يتكلمون السريانية ( الآرامية ولكن كان عليهم معرفة اليونانية للعمل في الادارة العامة منذ الاسكندر الاكبر مروراً بالدولة الهلنستية ثم الرومانية فالرومية…). في منطقة نصيبين  وأورفا ( اي الرها اليوم) وتلك المناطق كان الناس يتكلمون السريانية، ولكن الأغنياء والميسوري الحال كانوا يعلمون اولادهم اليونانية أيضاً. فنسطوريوس من جرمانيكا مرعش (قرب جبال طوروس شمال سورية) درس في انطاكية وكتب باليونانية. وهناك من قال ان بروكلس بطريرك القسطنطينية هو من مرعش، ولكن الأغلب هو من القسطنطينية. بولس السميساطي كان من سميساط في الشمال ايضاً وصار اسقفاً على أنطاكية، وتكلم اليونانية. وكان مسؤولاً عن المالية في قصر زنوبيا في القرن الثالث للميلاد. التأثير اليوناني واضح على قصر زنوبيا وحضارة زنوبيا وتماثيل زنوبيا في اللوفر. الحضارة التدمرية حضارة يونانية بنسبة كبيرة وإن كانت زنوبيا عربية الأصل، وفي قصرها كان الفيلسوف لو نجينوس، ولو نجينوس يتكلم اليونانية واسمه غير عربي. فتغلغل اللغة اليونانية كان واسعاً جداً.

مدرج بصرى
مدرج بصرى

المدن التي أسسها اليونان: أنطاكية واللاذقية وأفاميا (في منطقة حماة) والسويدية أي سيليسكيا (سلوقية)(الدولة السلوقية التي اسسها سلوقوس نكتاروس)، هذه مدن أسسها اليونان وطابعها يوناني. وبحسب الاب ديمتري اثناسيو بقيت اللاذقية تتكلم اليونانية حتى القرن الثالث عشر. ولما مر ابن بطوطة عليها كان مرفأها محاطاً بسلسلتين، واسم السلسلتين عند ابن بطوطة يوناني. ولاتزال هناك ألفاظ يونانية في ساحل اللاذقية واسم الساحل والأمكنة والألفاظ. فإذاً الحضارة اليونانية انتقلت الى سورية الطبيعية.

في القرن السادس الميلادي كان اسقف غزة يجيد اليونانية مثل أفلاطون فسمي أفلاطون المسيحي. وفي كتاباته يهزأ من اليوناني ويقول له السوري في إحدى حواراته على طريقة أفلاطون: “أنا اعلمك اللغة اليونانية”

أي كانت غزة باليونانية أقى من أثينا، وكان اليونانيون يأتون من أثينا إلى غزة ليتعلموا اللغة اليونانية، فغزة في أواخر سورية الطبيعية تعّلّم اللغة اليونانية وهذا شيء مهم كثيراً.

في مصر كانت اللغة اليونانية في الاسكندرية وأخرجت الفيلسوف الكبير أفلوطين الذي جدد الأفلاطونية فسميت فلسفته بلأفلاطونية الجديدة. تلميذه هو بورفيروس من صور، المتوفي في العام 310 م، وهو الذي نشر كتبه ونظمها ورتَّبَّها، وترك شيئاً من طابعه الخاص عليها كما يقول الباحثون اليوم.

انطاكية
انطاكية

يقول الاختصاصيون إن كل المدن السورية كانت قلاعاً للفكر والفلسفة والعلم، الخ…

في تاريخ الفلسفة البيزنطية لباسيل تاتاكيس المطبوع في باريس بالفرنسية العام 1949 نرى رجال الفكر والفلسفة والعلوم سوريين. ولكن يجب تصحيح ديونيسيوس الأريوباغي الذي كان في ذلك الحين غير معروفاً بالتمام كسوري، فهذا سوري. وهناك مكسميانوس المعترف في هذا الكتاب الذي يميل البعض الى اعتباره سورياً من قرية خسفين في الجولان السورية على حوالي منتصف الطريق بين درعا ودمشق غرباً. مكسيموس المعترف داهية الدهاة. رجل فكر عالمي من الطراز الأول في مخطوطة مارونية موجودة في المتحف البريطاني هو من خسفين. ولكن المخطوطات اليونانية تعود الى القرن العاشر، أماالمخطوطة المارونية فتكاد تكون معاصرة له، وتستعمل عبارات متداولة في كتب الموارنة، فهي أقرب الى زمان مكسيموس، ولذلك يوجد خلاف بين العلماء اليوم، ولكن الأغلب ان يكون سورياً، لأن القسطنطينية لم تُخرج لاهوتياً كبيراً الا في القرن التاسع المسيحي وهو القديس فوتيوس الكبير، المتوفي في العام 891 مسيحية. وباسيل تاتاكيس المذكور يذكر أن القسطنطينية لم تستطع أن تنافس القلاع الفكرية السورية.

القديسون الاقمار الثلاثة باسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي ويوحنا الذهبي الفم...
القديسون الاقمار الثلاثة باسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي ويوحنا الذهبي الفم…

تأسست الجامعة القسطنطينية في العام 425م على يد الإمبراطورة زوجة ثيوذوسيوس الصغير، لكنها عجزت عن مافسة المراكز السورية التي أخرجت الكثير في اللاهوت المسيحي، أما أثينا فما أخرجت في البداية إلا أثيناغوراس من المدافعين عن الايمان وشخصاً آخر، بينما نرى الكتاب السوريين يحتلون الساحة. ولاننسى أن كبادوكية كانت تابعة لمملكة أنطاكية، والرومان واليونان يسمّون أهالي كبادوكية السوريين البيض. فباسيليوس وغريغوريوس اللاهوتي وغريغوريوس النيصصي وأمفيلوخيوس إذاً إلى حد ما متأثرين بسورية، والقديس باسيليوس الكبير يمتدح أنطاكية مدائح كبيرة، وكان صديقاً كبيراً لأسقفها الشهيرملاتيوس رئيس المجمع المسكوني الثاني (العام 381 م). وكانت القسطنطينية في مرحلة تأخذ البطاركة من سورية الطبيعية. فأولهم نكتاريوس من كيليكيا الذي ترأس المجمع المسكوني الثاني بعد وفاة ملاتيوس، وخلفه يوحنا فم الذهب. وبعد فم الذهب ياتي أخو نكتاريوس، ولدينا نسطوريوس وبروكلوس (وهو تلميذ فم الذهب). وبعده جاء فلافيانوس الذي عقد مجمع 448 م في القسطنطينية وحكم على أفتيخيوس (أي أوطيخا). وهناك يوحنا من سرمين (قرب ادلب)… وهناك سرجيوس في القرن السابع صديق هرقل، وهذا كان ايضاً من سرمين. هؤلاء كلهم ناطقون باليونانية.  سرمين اليوم منطقة بسيطة ولكنها أنجبت بطريركين على القسطنطينية. يوحنا فم الذهب أنطاكي وهو أشهر الشراح ومعلم الكنيسة الكبير. القديسون والكتبة السوريون الذين كتبوا باليونانية مشاهير. مثلاً في الشعر: أكبر شاعر بيزنطي باللغة اليونانية طبعاً هو رومانوس الحمصي باعتراف ميرف عضو الأكاديمية الفرنسية. هذا شاعر لا مثيل له ولاهوتي محترم جداً.

القديس رومانوس المرنم
القديس رومانوس المرنم

ومن جهة اللاهوت لاننسى دمشق أيضاً التي أخرجت صفرونيوس الدمشقي المهول الشهير، بطريرك أورشليم.صفرونيوس هذا هو الذي قاوم هرطقة المشيئة الواحدة التي قال بها سرجيوس القسطنطينية. ( الذي لم يرض ان يسلم مفاتيح القدس الا للخليفة عمر بن الخطاب وحصل منه على العهدة العمرية)( والقديس اندراوس الدمشقي اسقف كريت ناظم قانون اندراوس باليونانية الذي يقال في الصوم الكبير) 

توفي صفرونيوس في العام 638م كان رئيس دير في تونس في قرطاجة نفسها. وكان يومئذ مكسيموس المعترف راهباً عنده في الدير. ففي قرطاجة نفسها كان رئيس الدير إنساناً يتكلم اليونانية حتى في روما نفسها وكانت الكتابات باللغة اليونانية حتى في روما نفسها كانت الكتابات باللغة اليونانية حتى العام 250م.

يوحنا الدمشقي من دمشق وهو لاهوتي وكاتب مهم جداً ومتب باليونانية، وكتب أناشيد دينية بكمية كبيرة جداً. ونظم الموسيقا اليزنطية. كان وزيراً عند الأمويين، وترك في أيام يزيد بن عبد الملك، لا في أيام عمر بن عبد العزيز الذي كان صديقه الحميم، وعمر بن عبد العزيز كان صديقاً للمسيحيين والرهبان، ومات في مار سمعان العمودي في معرة النعمان ودُفن فيه، ولم يكن عدو المسيحيين كما دس اليهود. هذا كذب، فأمره معروف

القديس يوحنا الدمشقي
القديس يوحنا الدمشقي

وكتبت كراسة في هذا الموضوع. يوحنا الدمشقي علمٌ من أعلام الكنيسة الكبرى، وهو الذي لخص اللاهوت الأرثوذكسي، وأصبح كتابه المرجع رقم واحد في تنظيم اللاهوت الأرثوذكسي، أما ديونيسيوس المنتحل، فكما قال لوسكي (العام 1975)، وكتبتُ أنافي العام 1980، فهو الذي نظم تعليم الآباء الكبادوكيين. كان أفلاطوينياً جديداً، لكنه انقلب على الأفلوطينية وصار مسيحياً، متأثراً بانشاء بلوتينوس (أفلوطين). ولكنه ليس وحده متأثراً بإنشاء أفلوطين الرائع.

ماعدا ذلك أين نرى ياترى التأثير اليوناني؟

نرى التأثير اليوناني مستمراً. فثيؤذوروس أبو قرة ( المتوفي في العام 825م) أسقف حرّان في شمال سورية كان يجيد اليونانية والسريانية والعربية وترهب في دير مار سابا بفلسطين. نرى الامتداد اليوناني فيما بعد مستمراً، لأن الكنيسة الأرثوذكسية استمرت على استعمال اليونانية، كان دائماً في بلادنا من يجيد اليونانية فقاموا بالترجمة من اليونانية الى العربية. المخطوطات الآبائية العربية المترجمة من اليونانية كمية كبيرة تعج بها المكتبات في أوربة وأميركا. هؤلاء المترجمون الذين ترجموا في القرن العاشر أو مابعده كانوا جميعاً يجيدون اللغة اليونانية، وهذا يعني أن بلادنا كان فيها أناس يجيدون اليونانية. القديس بطرس الدمشقي (كتابه في الفيلو كاليا)، غالباً من القرن 11 او 12، يذكر ان ليس لديه كتب، فكان يستعير الكتب، هذا يعني أنه في دمشق كانت توجد في ذلك الحين مكتبات باللغة اليونانية. فاللغة اليونانية لم تنقرض من بلادنا بسهولة. وما زال الأرثوذكس حتى اليوم يهتمون باللغة اليونانية لأنها لغة اللاهوت الأرثوذكسي الكبرى، ومراجعنا يونانية وأصل صلواتنا يونانية.

دير مارسابا بفلسطين
ديرمار سابا بفلسطين

أما بالنسبة للغة السريانية فقد استمرت في بلادنا، وهي اليوم الآرامية المحكية في معلولا ( نقول نحن:”وهي غير السريانية وقد وضع ابجديتها الاستاذ جورج رزق الله من معلولا قبل وفاته وتم تأسيس معهد لتعليمها)وبخعا وعين التينة المجاورتين (اسلمتا في القرن 17 لعدم سماح الكنيسة لهما بأكل مشتقات الالبان واللحوم في الصوم الكبير نتيجة القحط وغلاء القمح) اضافة الى المسنين من يبرود القريبة وهم مسلمون يتحدثون الآرامية مايدل على انتشارها في القلمون، ويعزز رأينا دوماً بانتشار الارامية المحكية في الارياف السورية وهي التي كنيت بالآرامية الفلسطينية التي تحدث بها الرب يسوع).

هناك السريان الذين يتعلمون السريانية ويتكلمونها فيما بينهم. ولكن العربية غزت بلادنا فحلت محل السريانية واليونانية. أما بالنسبة للغة السريانية فقد عرفت مؤلفين كبار. فالقديس أفرام السوري من نصيبين (الذي مات في الرها أو أورفة اليوم) فهو اديب اللغة السريانية وشاعرها الكبير. وهو من الناحية الروحية عَلَم من أعلام الكنيسة الكبرى، وشهد فيه كواستن من القرن الماضي (وهو من كبار الاختصاصين في آباء الكنيسة) بأن “سحبة” منه تعادل كل ماكتبه الغرب في اللاهوت. وصدر كتاب بالانكليزية لشخص مختص به وبرومانوس الحمصي المرنم يُثبت فيه تأثير أفرام على القديس رومانوس الحمصي، وأن زهديات أفرام تشبه إلى حد كبير زهديات فم الذهب، فربما طالع فم الذهبترجمات القديس أفرام الى اليونانية لأن أفرام كان يترجم الى اليونانية

القديس افرام السوري
القديس افرام السوري

وهو حي بعد. وهو أكبر كاتب سرياني بالنسبة لنا نحن الأرثوذكس. ويجد ايضاً القديس اسحق النينوي، الذي كتبه عندنا، وهو مهم جداً. أما انتشار السريانية فلم يقتصر على بلادنا. في كتاب دوفال الفرنسي عن آداب السريانية خريطة تبين انتشار الثقافة السريانية شرقاً، ولها مراكز في بلاد فارس هامة حتى أواخر الامبراطورية الفارسية. وقام الآشوريون بنشاط هائل ووصلوا الى الصين ولهم آثار في الصين. ولما أتى هولاكو بلادنا حوالي العام 1256-1258 كان قائد جيشه حين فتحد مشق نسطورياً (نقول نحن: “وكانت زوجته نسطورية واوصت زوجها هولاكو بمسيحيي دمشق لذا لم يمسسهم ضرر الامر الذيولد نقمة كبيرة عليهم من مسلمي دمشق وقد اعملوا السيف في رقابهم والتدمير في كنائسهم واولها المريمية حال جلاء هولاكو وجيشه عن دمشق.”)

وهو دليل على انتشار الثقافة السريانية. اما اللغة اليونانية فهي كما ذكرنا لغة المتوسط الذي كان يتكلم اليونانية (سواحل وحواضر ومدن كبرى وبلدات، فيما كان الريف يتحدث الآرامية وكان يتوجب على من يتعين في خدمة الدولة ان يعرف اليونانية…)بما فيها (آسية الصغرى)  تركيا الحالية.

(الأب اسبيرو جبور بتصرف طفيف الذي هو بين قوسين)