دمشقيات القديس يوحنا الدمشقي

دمشقيات القديس يوحنا الدمشقي

دمشقيات القديس يوحنا الدمشقي
المقارِنة بين ماهو حقيقيّ وماهو باطل في ” الدّمشقيّات” للقدّيس يوحنا الدّمشقي.
توطئة
الدمشقيات هي ثمان مرتلات غاية في الروعة كتبها ولحنها القديس يوحنا الدمشقي وفق الالحان الثمانية في الموسيى البيزنطية الرومية البديعة اثناء تنسكه في دير القديس سابا بفلسطين وبعد ان عاش المجد الزمني في بلاط الامويين…يتحدث بها عن وهمية الانسان في حياته الارضية…!
نرتل هذه القطع التجردية الرائعة في الجنازات لتعطينا الفكرة الكاملة عن هذا الانسان وصيرورته في الموت: ” أي نعيم ثبت في الدنيا دون ان يخالطه حزن…”
يعبّر القّديس يوحنا الدّمشقي في الدّمشقيّات عن تجلّي الحقيقة الكاملة بعد الموت. ويمكن استشفاف المعنى الدّلاليّ للموت كلحظة تجلٍّ لهذه الحقيقة من خلال تأمّلاته المقارِنة بين ما هو حقيقيّ وما هو باطل.

– ” باطل الأباطيل، الكل باطل.” ( جامعة 2:1)

دمشقيات القديس يوحنا الدمشقي
دمشقيات القديس يوحنا الدمشقي

الحرّ هو من امتلك كلّ شيء وزهد في كلّ شيء، لأنّه أدرك أنّ للسّعادة سرّ كامن في السّعي إلى اقتناء الكمال الحاضر ما بعد الموت. وإذا كان الموت حقيقة مزعجة ومقلقة، فهو يظهر في الدّمشقيّات باباً للحقيقة الّتي يمكن تلمّسها في الحياة، إذ إنّه حقيقة للتأمّل اليوميّ كيْما يتجرّد الإنسان من أنانيّته وكبريائه ليحيا منهج الألوهة وهو بعدُ في العالم.
” أيّ نعيم في الدّنيا ثبت لم يخالطه حزن…؟ أم أيّ مجد استقام على الأرض من غير انتقال. الكلّ أضعف من الظّلّ، الكلّ أخدع من المنام، في لحظةٍ واحدةٍ جميع هذه الأشياء يعقبها الموت.
لذلك أيّها المسيح أرح الّذي اخترته ومتّعهُ بنور وجهك، وحلاوة بهاءك بما أنّك محبّ للبشر. كلّ مجد دنيويّ صائر إلى الفناء مهما تنعّم به الإنسان وسعدَ. والتّوازن النّفسيّ يظهر من خلال معرفة الإنسان لحدوده

دير القديس سابا حيث كتب القديس يوحنا الدمشقي "الدمشقيات"
دير القديس سابا حيث كتب القديس يوحنا الدمشقي “الدمشقيات”

ومحدوديّته، ومن خلال قناعته الثّابتة أنّ ما بين يديه زائل حتماً، فلا يعود ويرتهن للدّنيويّات ويُستعبد لها. وإذا ما تمكّن الإنسان من التّحرّر من مغريات العالم، اعتبر الموت فعل حرّيّة بامتياز، إذ إنّه يجرّده من كلّ شيء ليعبر إلى وطنه الحقيقيّ ويعاين الرّبّ وجهاً لوجه. وبحركة بسيطة يؤكّد القدّيس يوحنا الدّمشقيّ على بطلان ما يتعلّق بهذا العالم إذ يقول: “كلُّ الاشياءِ البشريةِ الّتي لا توَجدُ بعد الموتِ هي باطلة، لا يثبت غنىً ولا يصحَبُ مجدٌ بصاحبه، لأنّه إذا أتى الموت هذا كلّه يَفنى ويُباد”. فهذه الأشياء البشريّة وإن بدت كحقيقة مرئيّة إلّا أنّها أشبه بالغبار والرّماد اللّذين يتناثران مع هبوب الرّياح. الحقيقة الثّابتة هي تلك الّتي تبقى بعد الموت ولا تضمحلّ وتتلاشى بحلوله.
بين الباطل والحقيقة خطوة ثابتة تنقل الإنسان من الفناء إلى البقاء، ومن المحدوديّة إلى اللّامحدوديّة. ولئن كان الإنسان يموت وحده، ويترك كلّ شيء ويرحل، ارتضى المسيح أن يكون له رفيقاً، فيموت في المسيح ليحيا معه إلى الأبد. “من أجل ذلك نصرخ نحو المسيح الملكِ الّذي لا يموت، أرِح المنتقل عنّا حيث مسكن جميع الفرحين”.
– الغربة في العالم انتماء للمسيح

القديس يوحنا الدمشقي
القديس يوحنا الدمشقي

بقدر ما يتغرّب الإنسان عن العالم ولا يتعلّق به يرتبط بالمسيح الحيّ ويستدلّ على وطنه الحقيقيّ. إنّ قيمة الإنسان لا تكمن في الأشياء الظّاهريّة الّتي يمتلكها بل قيمته الإنسانيّة مرتبطة بالمسيح. نتعرّف على المسيح فندرك قيمتنا ونتيقّن من عدم زوالها وفنائها. وتنتصر هذه القيمة على الموت وتتحقّق الحرّيّة الإنسانيّة الكاملة، إذ إنّها ملتصقة بالّذي لا يموت.
يعتبر غير المؤمن أنّ الموت نهاية حتميّة ولا داعي للبحث في ما بعد الموت لعدم إيمانه بما يعتبره غيبيّات، ما يؤكّد على عدم احترامه لقيمته الإنسانيّة واستسلامه للفناء. إلّا أنّ هذه القيمة تستحق التأمّل وتستوجب الاجتهاد في سبيل نقائها. ولا يوجد من مبرّر للاجتهاد والسّعي وتحقيق الذّات إذا كان كلّ شيء سيضيع في مهبّ الرّيح. “مذ عرفتك يا يسوع. ودعوتني إلى وطن ليس من هذا العالم صارت غربتي وطناً لي، لأنًك مسحتها بحضورك. ورحت أقتفي آثار خطواتك ساجداً ومهلّلاً، وأيقنت أنّ ما في حوزتي يجب أن يوزّع، لكي يكون لي وإلّا فهو يستعبدني ويجذبني إلى الهاوية. وآمنت أنّ المجد الحقيقي يكون بالانتصار على الموت، وقد انتصرت عليه لأنّه لم يجد فيك خطيئة، فعرفت أنّ عليّ أن أجاهد ضدّ خطاياي. منذئذ يا يسوع الحلو، فهمت أنّك وحدك الطّريق والحقّ والحياة، وبتُّ لا أجوع ولا أعطش إلاّ إلى ملكوتك وبرّك. فصار الموت لي ربحاً لأنّه باب الانتقال من الفساد إلى عدم الفساد والمعبر الّذي يفضي إلى جنانك الفسيحة”.