أعمال المجمع المسكوني الأول

أعمال المجمع المسكوني الأول

أعمال المجمع المسكوني الأول

نقلها عن الروسية الارشمندريت توما ديبو المعلوف سنة 1947

مقدمة

تختص المجامع المسكونية في تاريخ الكنيسة بدور الزمان الممتد من نصف القرن الرابع الأول (325مسيحية)الى نصف القرن الثامن الأخير(778مسيحية) وهي ذات ضرورة فائقة للكنيسة. فإن كل مجمع منها كان معبراً عن ذهن الكنيسة المسكونية وعن صوتها في جميع أزمنة وأمكنة الانتشار المسيحي في المسكونة.

ان مجموع المجامع المسكونية يؤلف أتم وأبلغ شهادة للكنيسة القديمة كلها: لعلائقها العقائدية والقانونية والكهنوتية والأخلاقية.

فهي التي أوضحت وثبتت في ذاتها أنقى وأقدم تسليم كنسي مدى الأزمنة التالية، وكشفت عن عقائد الايمان وحددتها وشرحتها بكل تدقيق ووضعت أهم القوانين الكنسية الكهنوتية والقضائية وأنظمة الكنيسة، وحكمت على الشيع والغواة والهراطقة الذين بلبلوا الكنيسة الجامعة بل وعلى كنائس اقليمية او قومية بجملتها بالنسبة الى تفاوتها في الابتعاد عن الروح الواحد المسكوني في آرائها الخصوصية وتصرفاتها وعاداتها وحصنت نقاء الاعتراف بالايمان الأرثوذكسي وحياة الكنيسة الداخلية ضد البدع المنافية لتقليدها القديم وضد كل استبداد في الآراء والحدود المرعية فيها – نعم قد حصنتها بتثبيت أسس مكينة وانموذج للاعتراف بالايمان والادارة الروحية- أبد الدهر.

ولما كانت قد عبرت في تحديداتها عن وحدة رأي الكنيسة واتفاقها كلها في كل مكان وزمان، ولم يكن هيناً او ممكناً أن تعضد القوى البشرية ذلك في مثل هذا المدى من الأماكن والأزمان ولما لم تكن من جهة أخرى اجتهادات العقل البشري او شهادات الايمان البشري كافية وحدها في حل أهم القضايا العقائدية التي لأسمى أسرار الايمان، فالمجامع المسكونية تعتبر بحق ملهمة في أحكامها من الروح القدس. والكنيسة الأرثوذكسية تُعرف بجميع هذه الأدلة ذاتها، ونقاءها المعصوم في الايمان ووحدتها الروحية في الحياة الداخلية مثبتة في المجامع المسكونية السبعة على اساس لايحول ولايزول.

من آثار المجامع المسكونية بقيت التاريخية والشهادات الأجنبية التي منها ما عاصرها ومنها ما داناها كثيراً في الزمان، وهو معظمها، فضلاً عن الأعمال المجمعية الخاصة ماخلا أعمال المجمعين الأول  والثاني. ولانعني هنا بالأعمال المجمعية الأعمال الجزئية والوثائق المتعلقة بتاريخ المجامع كرسائلها مثلاً أو رسائل الآباء الذين حضروها ومراسيم الملوك لاستدعائها وشروح الايمان المجمعية وما أشبه ذلك بل نعني ذات ترتيبات الجلسات المجمعية وأفعالها بجميع تفاصيلها.

وما من داعية الى الارتياب من صحة هذه الأعمال المجمعية على العموم

أولاً – لأن تأليفها وشرحها متفقان تماماً مع أخبار وأحوال الزمان والمكان والأشخاص والأعمال المتعلقة بكل مجمعها منها حتى أن أعمالها تحمل في ذاتها دلائل صحتها.

لأن الوثائق الجزئية التي لا ريب فيها وتختص بتاريخ المجامع تؤيد بالتبعية ماسطر في أعمالها.

ثالثاً – لأن الشهادات التاريخية الأجنبية تدل أيضاً على كثير مما ذكر في أعمالها. إن إمكان تدوين وثائق الجلسات المجمعية لايمكن أن يرفض أويحتمل الريب لأن من المعلوم أن موظفين مدنيين وكتاباً كانوا يحضرون المجامع فضلاً عن الرعاة الكنسيين وأن الاعمال كانت فببعض أقسامها إلى الملوك لأجل التبليغ فهم الذين كانوا يوقعون عليها أحياناً بأيديهم. ففي تفاصيل المباحثات المجمعية يمكن الاطلاع على معلومات كثيرة رغيبة وتعليمية ومفيدة لتاريخ الكنيسة وللتدقيق في تعلم الايمان الأرثوذكسي ذاته. إن الأعمال المجمعية توضح كيف أن الآباء القديسين تتبعوا بانتباه وتعمق واحتراز وتدقيق تعليم الايمان الالهي وحددوا عقائده ليس بالمعاني فقط بل وبذات التعبير حتى وبالمفردات أيضاً. وكيف راعوا باجتهاد التقليد المرعي على العموم وصوت الكنيسة العام. وكيف تفحصوا بصبر وبصيرة وحلوا كل ارتياب مناف للايمان في العقول القلقة الشاردة نفسها. وكيف استقصواباجتهاد أفكار أسلافهم وكتاباتهم بتكرارهم تلاوتها في المجامع. وكيف أنهم لم يغفلوا شيئاً كما يظهر حتى ولا الجزيئات اليسيرة لأجل حسن بنيان الكنيسة وتثبيتها الداخلي وتسويرها من كل ارتجاج ممكن وطارىء ليس في أيامهم فقط بل وفي الأزمنة المقبلة أيضاً.

إن في اللغتين اليونانية واللاتينية عدة طبعات (للأعمال المجمعية). أما في اللغة الروسية فقد عربها العلامة الأنطاكي الارشمندريت توما ديبو المعلوف.

مقدمة في المجمع المسكوني الاول (مجمع نيقية- 325م)

هو المجمع “المسكوني” الأول الذي انعقد في القرن الرابع ميلادي ويٌعرف بمجمع نيقية على إسم المدينة التي عُقد فيها في تركيّا الحاليّة. رئسه اسقف أوسيوس اسقف قرطبة او افسافيوس اسقف انطاكية وحضر افتتاحه الإمبراطور قسطنطين الكبير.

أوّل ما يظهر في هذا المجمع أن علامات الاضطهادات التي أوقفها القدّيس قسنطنطين الكبير في مرسوم ميلانو ٣١٣م، كانت ظاهرة جليًّا على أجساد كثيرين من الآباء الذين أتوا من كنائس العالم ليشهدوا للمسيح الحيّ والغالب على الدوام. فأعضاؤهم المشوّهة او المبتورة وآثار الجروح والضرب والجلدات شهدت أن الإيمان الحيّ الذي دوّنوه في نيقية كان محفوظًا في قلوبهم وعقولهم ومكتوبًا على صدورهم وفي صبر أجسادهم

ولا يَخفى على أحد أن هذه الآلام بقيت – وسوف تبقى – رفيقة القدّيسين الشاهدين، ولعل أبرز شهادة لها هي أن الشمَّاس اثناسيوس، الذي رافق الأسقف ألكسندروس الإسكندري إلى المجمع كان بطل نيقية، وقد نُفي بعد تَرأسه سدّة البطريركيّة في الإسكندريّة خمس مرات، وبقي خارج كنيسته ما يزيد على العشرين سنة،  وهو من يعرف بالقديس اثناسيوس الكبير (الرسولي)

إلتئام المجمع

ايقونة الملك قسطنطين وىباء المجمع
ايقونة الملك قسطنطين وىباء المجمع

بدأ مجمع نيقية جلساته في ال ٢٠ من أيّار عام ٣٢٥م حضره حوالى ٣١٨ أُسقفًا معظمهم من الشرق.
الهدف الأساسي لإلتئام المجمع هو إدانة هرطقة كاهن ليبي عاش في الإسكندريّة اسمه آريوس كانت قد انتشرت بقوّة، وكانت مخالفة تمامًا لإيمان الكنيسة الحقيقي، إذ قامت على جعل الرّب يسوع المسيح مخلوقًا ورفضت ألوهيّته.

  هرطقة اريوس

أنكر آريوس ألوهية الابن فزعم بأنّه كان وقت لم يكن الابن فيه موجوداً، وادّعى أن الابن أوّل مخلوقات الله ومِنْ صُنْعِهِ، كما أن الروح القدس من صُنْعِ الابن أيضاً.

وبهذا يُصبح الرّب يسوع المسيح مخلوقًا وبالتالي لا اتّحاد بين الله والإنسان. وهنا يٌطرح السؤال:” ماذا تريد الإنسانيّة من إلهٍ بقي في سماواته؟ وعلى أي حبٍ إلهيّ كنّا سنتكلّم لو لم يتجسّد الله؟

اعمال المجمع وقوانينه

 – دحض هرطقة آريوس وإعلان الإيمان المستقيم، أي أن المسيح إله حقيقي مولود من الآب قبل كل الدهور وغير مخلوق. نور من نور إله حق من إله حق.

– صياغة الجزء الأوّل من دستور الإيمان الذي نتلوه في القدَّاس الإلهي، أي لغاية “وبالروح القدس”، الذي أستكمل في المجمع المسكوني الثاني عام ٣٨١م في القسطنطينيّة.

– تبنّي عبارة “هومووسيوس” أي أن المسيح هو من جوهر الآب نفسه، واستعمال هذه اللفظة في دستور الإيمان للشهادة على طبيعة الرّب يسوع المسيح الإلهيّة.

مما قاله آباء المجمع

“بما أن الابن هو من جوهر الآب، فالابن إله كما أن الآب إله، وتالياً يجب القول إن المسيح هو من جوهر واحد مع الآب”.

– تأكيد المعموديّة وتبنّي كثير من الصلوات.

– تحديد تعيين تاريخ عيد الفصح، وإقرار القاعدة التي كانت تعتمدها كنيسة الإسكندريّة للاحتفال بالعيد، وبحسبها يقع عيد الفصح يوم الأحد بعد أول بدر يلي الاعتدال الربيعي في ٢١ آذار (حساب شرقي).

– وضع تنظيمات إداريّة فسنَّ عشرين قانونًا كنسيًا، منها تثبيت رفعة الكراسي الكبرى الثلاث وهي: رومية والإسكندرية وأنطاكية (قانون ٦)، وقرر أن يحتل كرسي أُورشليم مكانة الشرف الرابعة على أن يبقى خاضعا لمتروبوليت قيصرية فلسطين.

ملاحظة: لم يأتِ مجمع نيقية على ذكر القسطنطينية لأن مدينتها دُشنت بعد المجمع بخمس سنوات.

ترجمة الارشمندريت توما عن الروسية ولكن بكل اسف لم يكمل هذه الترجمة لوفاته عام 1947 عن نسخة اكاديمية كازان اللاهوتية الامبراطورية في 4 حزيران سنة  والمطبوعة بمطبعة جامعة كازان 1887.

“معلومات تاريخية عن المجمع النيقاوي المسكوني الأول

ايقونة الملك قسطنطين وىباء المجمع
ايقونة الملك قسطنطين وىباء المجمع

ماكادت الكنيسة المسيحية تستريح على عهد قسطنطين العظيم من الأعداء الأجانب حتى أزعجها تعليم القس الاسكندري آريوس المنافي للمسيحية. فإن آريوس لما اهتاج طمعاً وحسداً من سنينه الكسندروس منتخب الشعب والاكليروس لسدة اسقفية الأسكندرية اعتزم أن يثلب تعليم أسقفه.فإذ كان الكسندروس يخاطب الاكليروس على عادته عن مساواة ابن الله لله الآب في الجوهر راح آريوس يرميه بالسافليانية(1) لكن آريوس نفسهكان بدحضه البدعة الموهومة داعي بدعة حقيقية ناقضة للايمان المسيحي من أساسه. فإنه ابتدأ يعلم هكذا أنه ( كان وقت لم يكن فيه ابن الله وان ابن الله مخلوق من العدم وانه غير مولود البت من جوهر الآب فضلاً عن أنه مولود في زمان وليس منذ الأزل ولا كالاله الحقيقي بل هو مخلوق آلة لابداع الخلائق الأخرى.

وهو بالطبيعة أحط من الآب وهو بالارادة متغير ولايسمى ابن الله بالطبع بل بالوضع (أي بالتبني) كمطواع لمشيئة الآب(2).

فعدوى هذا التعليم الكاذب المهلك أصابت الاكليروس أولاً فكان أول تبعاته سبعة قسوس واثني عشر شماساً وأول دعاته هم أنفسهم(3) ففكر الكسندروس أولاً في ان يرجع آريوس الى الطريق الحق بالمباحثات والارشادات اللطيفة ولكن لما تحقق منه المكابرة في معتقداته وتجاوز تعليمه الكافر حدود الاسكندرية وعدواه لبعض الأساقفة(4) استدعى نحو مائة من متقدمي كنائس مصر وليبية وألف منهم مجمعاً في الاسكندرية فند البدعة وحرم أصحابها باجماع الرأي ومراكز تكهينهم وقطعهم من الكنيسة وطردهم من الكنيسة.(5)

فلما ابتعد مشايعوآريوس الى فلسطين كتب هو الى كثير من الأساقفة والى اسقف نيقوميدية أفسافيوس النافذ ايامئذ في البلاط القيصري شاكياً جور مطاردة الكسندروس على زعمه وسائلاً إياه حمايتهم. فأفسافيوس العاتي المدفوع بمقاصده الطماعة قبل المبتدعين تحت حمايته وساعد برسائله الى الأساقفة – في تبرير آريوس والدفاع عنه – البدعة الكافرة التي أعدت بهذه الوسيلة فلسطين ونيقوميدية وبيتينية وغيرها من الأقاليم.(6)

في هذه الأثناء سكت الكسندروس طويلاً عن الحادث في كنيسته ظناً منه أن البدعة لابد أن تتوارى من ذاتها بعد قضاء المجمع عليها. ولكن لما عرف أن المبتدعين قبلوا في حماية أفسافيوس وأن أفسافيوس  يبعث بالرسائل الى كل مكان تثبيتاً للبدعة عزم أن ينبىء برسالة عامة (7) جميع أساقفة الكنيسة الجامعةبالحادث في كنيسته وبأعمال افسافيوس النيقوميدي السيئة المرامي.

ايقونة آباء مجمع نيقية
ايقونة آباء مجمع نيقية

فوقع على رسالته أساقفة مصر وثيبة وليبية والمدن الخمس وسورية وليكية وبمفيلية وآسية وكبادوكية والأقاليم الأخرى المتاخمة لها. فلتوكيد اتحادهم واياه في الرأي بعثوا اليه هم أنفسهم برسائل (8). ولانماء المدافعين عن التعليم الأرثوذكسي بعث الكسندروس أيضاً برسالة معتبرة الى أساقفة اقليم القسطنطينية باسم أسقفها الكسندروس المتقدم فيهم(9) وعلى الرغم من هذا كله فعلت بدعة آريوس أفعالها المهلكة لحصولها على محام قوي في شخص افسافيوس. فباجتيازها من اقليم إلى آخر  واستغوائها الأقوام وراء متقدمي الكنائس كانت تثي في كل مكان مجادلات وانشقاقات حتى صيرت الايمان المسيحي مشتمة ومسخرة حتى وفي الملاهي العمومية.(10)

ولما كان موافقو أفسافيوس في الرأي قد انحازوا الى آريوس جاهدوا كثيراً في اقناع الكسندروس أن يصفح عن المبتدعين ويقبلهم في الكنيسةعلى تعليمهم. ولما حيا آريوس الكسندروس برسالة توخى فيها تزكية نفسه حاول غير خجل أن يؤكد فيها أنه تلقف تعليمه منه. ولكن لما يعبأ الكسندروس الثابت الاعتراف في الايمان المستقيم بمسعى حماة آريوس عد الاساقفة المناصرون للتعليم الكاذب عدم اكتراثه اهانة شخصية لهم والفوا في بيثينية مجمعاً قرروا فيه على الرغم من القانون الرسولي(11) أن آريوس قد حُكم عليه وهو غير مذنب فضلاً عن أنهم راحوا يخبرون قرناءهم بما قرروا ويحرضونهم على أن يقبلوه ابناً أميناً للكنيسة(12)

ودرى الامبراطور قسطنطين بهذه  التشوشات في كنيسة المسيح فابتأس جداً لاعتباره هذا التشوش محنة له خاصة، وأوفد للحال حبيبه المحترم اسقف قرطبة اوسيوس الى الاسكندرية مزوداً اياه برسالة نصح ال الكسندروس وآريوس وبتفويض يخوله اعادة السلم بينهما(13). ولكن لما لم تؤد هذه الوسيلة اللطيفة الا الى امعان اعداء السلم الآريوسيين في المكابرة والعناد تحفز الأمبراطور لاتخاذ الذرائع الحازمة اخمادا للتعليم الكاذب المتفشي في كل مكان. الا انه عزم مرة اخرى أن يكتب الى آريوس وأتباعه(14) ليقنعهم ويسالهم حسم الخصام الذي أثاروه على المسيح. الا ان هذه الوسيلة لم تنجح ايضاً في رداءة أعداء الحق المتعنتة.

في هذا الحين نضجت ايضاً تشويشات أخرى قديمة كانت قائمة في الكنيسة. فان اسقف الاسكندرية كان قد قطع من الكنيسة الاسقف ملاتيوس الذي كان يسوس ابرشية ثيبة التابعة لسدة الاسكندرية لارتكابه جرائم شتى ولاسيما خيانته للايمان  في زمان الاضطهاد. الا ان ملاتيوس كان على الرغم من ذلك يشيد عن استبداد كنائس في مصر كلها ويشرطن لها قسوساً وشمامسة بل وأساقفة أيضاً. فأحدث بذلك انشقاقاً بيننا في الكنيسة. وقد ابتدأت هذه البلبلة على عهد الاسقف بطرس وتوالت على عهد الاسقف أخيلاوس وعهد خليفته الاسقف الكسندروس فلما بان التعليم  الاريوسي انضم ملاتيوس واتباعه الى اريوس. وبسبب معاداته كآريوس لألكسندروس  ولاكليروسه ظاهر البدعة فانتشرت انتشارا وسيعاً

وأضيف  اخيرا الى هذه الاضطرابات الخلاف القديم بين المسيحيين الشرقيين والمسيحيين الغربيين بشان تعييد الفصح. لأن المسيحيين الشرقيين كانوا يعيدونه في يوم واحد مع اليهود هو اليوم الرابع عشر من الشهر الول بعد الاعتدال الربيعي والمسيحيين الغربيين كانوا يعيدونه في الاحد الاول بعد بدر هذا الشهر. فنتج عن هذا ان بعض المسيحيين كانوا في جهاد الصوم والصلاة مذكرينآلام الرب في حين كان بعض آخر يتنعمون بسرور الظفر الفائق البهاء. فأثار هذا الخلاف انشقاقاً بين المسيحيين وأضعف الاحترام المتبادل  للصوم وللعيدولم تكن المجامع التي اجتمعت لهذا السبب في القرنين الثاني والثالث لتنجح في توفيق المختلفين في النظريات. فالامبراطور قسطنطين المنفعل حينئذ بهذه الفوضى في الامور الكنسية الهامة نوى بمشورة الأساقفة الصالح رأيهم ان يستدعي مجمعاً لحل القضايا المختلف عليها. فدعي متقدمو جميع الكنائس الى الاجتماع في مدينة نيقية من اعمال بيثينية.

فاجتمع على صوت الامبراطور في نيقية ثلاثمائة وثمانية عشر من متقدمي كنائس آسية وأفريقيا واوربة. أما اسقف رومية فلما لم يستطع أن يحضر بذاته لتقادم شيخوخته استناب كاهنيه فيتون وفيكنتيوس. وقد اشتهر كثير من الرعاة المجتمعين بمواهب شتى.

فامتاز بعضهم بموهبة البلاغة وبمعرفة الكتب الالهية (كافستاثيوس اسقف أنطاكية وأفسافيوس اسقف فلسطين وغيرهما) وانفرد بعضهم بموهبة الالهام (كليونتيوس اسقف كبادوكية) واشتهر بعضهم بموهبة فعل المعجزات (كاسبريدون اسقف تريميثونت ويعقوب اسقف نصيبين وغيرهما). وتفرد بعضهم بآثار جراح العذاب البادية على أجسادهم شهادة لايمانهم الحي الحقيقي بالفادي (مكاريوس اسقف اورشليم وبفتوثيوس اسقف ثيبة العليا وبولس اسقف قيصرية الجديدة وايباتيوس اسقف غنغره وغيرهم) وجاء الى المجمع مع الاساقفة كثير من الكهنة  والشمامسة واشتهر منهم على الخصوص الشماس اثناسيوس الذي نبَه بجدله ضد الآريوسيين وصار فيما بعد أسقف الاسكندرية. وقدم نيقية حينئذ فلاسفة وثنيون ليستعرفوا التعليم المسيحي عن قرب. وكان بعضهم يؤملون في مقتهم له أن يشوشوا بمساعدة علم المنطق خطب الأساقفة ويدحضوا تعليمهم الذي يناضلون عنه. وقد وعى الكتبة الكنسيون على الخصوص أن واحداً من اولئك الفلاسفة بالغ في التباهي ببراعته في علم المنطق وسخر من الأساقفة ولكنه هدي الى المسيح بكلمات ايمان بسيطة خاطبه بها احد الأساقفة الشيوخ القديسين.

وقبل ان يبتدىء البحث الاحتفالي العام اجتمع الأساقفة مراراً فيما بينهم واستدعوا آريوس فخبروا رأيه ليعرفوا بأكثر تدقيق جوهر التعليم الذي يدعو اليه. ولما جاء اليوم الذي عينه الأمبراطور لافتتاح المجمع اجتمع الاساقفة في القصر حيث أعدت للمجمع ردهة خاصة وعرش للقيصر ومجالس للحضور. ولما وصل القيصر حياه أحد الأساقفة عن المجمع بخطاب معلناً سروره برؤيته نفسه في جماعة كبيرة من رعاة الكنيسة وناصحاً لهم أن يكونوا متحدين رأياً في قضية الايمان. وابتدأت بعد ذلك أعمال المجمع.”

حواشي البحث

(1)ان سافيليوس علم في القرن الثالث بعد المسيح: ان الله هو جوهر واحد واقنوم واحد وان الثلاثة عبارة عن ثلاثة اسماء فقط: فكان تلاميذه يسمون الله في السماء الآب وعلى الأرض الابن وفي المخلوقات الروح القدس فنتج عن تعليمهم هذا أن الله الآب ولد من العذراء باسم الابن وتألم ومات.

(2) فمزج الأقانيم هذا مشهور في التاريخ الكنسي باسم السافيليانية.

(3) البدع لأبيفانيوس العدد 69 رقم3

(4)المصدر ذاته

(5) ت . ك . لسوز . ج . ا . ف 15 وعظةأثناسيوس الثانية ضد الآريوسيين.

(6) كان أفسافيوس في اول أمره اسقفاً لبيروت ثم تولى بمسعى قوي أسقفية      نيقوميدية، وكانت مدينة نيقو ميديةقد اختيرت قاعدة للامبراطورية فتقرب فيها من البلاط الأمبراطوري بواسطة أخت الأمبراطور قسطنسيا طمعاً في اكتساب النفوذ في الشؤون الكنسية. راجع رسالة الكسندروس  الى الأساقفة في ت. ك. لسقراط ج 1 .ف6 ورسالته عن آريوس في ت.ك.لثيوذ. ج.1.ف6.

(7) راجع ترجمتها في الفصل الأول.

(8) راجع ترجمة رسالة الكسندروس اسقف الاسكندرية الى الكسندروس اسقف القسطنطينية في الفصل الأول.

(9) راجع ترجمتها في الفصل الثاني.

(10) ت . ك لسقراط . ج 1 .ف 6. وسيرة قسطنطين لأفسافيوس ج 11 ف 61.

(11) ان القانون الرسولي السادس يوجب على كل اسقف أن لايقبل في شركته الكنسية من قطعه اسقف آخر.

(12) ت . ك لسوز . ج1.ف15 ولسقراط. ج1.ف7و8 وسيرة قسطنطين لافاسيوس ج 11ف73.