ايقونة الابن الضال

التأمّل في أيقونة الابن الضال

التأمّل في أيقونة الابن الضال

مَثَلُ الابن الضال من الأمثال المشهورة لدى المسيحيّين في الشرق والغرب. إنّها قصّة ابنٍ أصغر طالب أباه بحصّته من الميراث، وذهب وبدّد أمواله في حياة البذخ والخلاعة. وحين عانى العوز، وصار يشتهي أن يأكل من طعام الخنازير، عاد إلى أبيه تائبًا، فاستقبله أبوه بمحبّةٍ وترحاب. فغضب الابن الأكبر المطيع لهذا الاستقبال، فلاطفه أبوه ودعاه إلى قبول توبة أخيه الضال.
ملاحظات فنّيّة 
تصوّر أيقونات الابن الضالّ عادةً مشهد استقبال الأب لابنه، ويُصوَّر يسوع المسيح عادةً على أنّه الأب الذي لا يريد أن يدين الخطأة بل أن يخلّصهم. 
أقدم أيقونة وصلتنا عن هذا الموضوع تعود إلى القرن الثالث عشر، وهي روسيّة. ويوحي لنا تطوّر تصميمها بأنّ هذا التصميم يعود إلى ما قبل هذه الفترة، ولكنّ الأعمال السابقة لهذا التاريخ فُقِدَت ولم تترك أثراً. 
الأيقونة التي نعرضها حديثة، وفرادتها تكمن في أنّها تصوّر المَثَلَ بكامله. لذلك يمكننا تصنيفها ضمن فئةالأيقونات الروائيّة. تظهر علامات الحداثة (في التصميم لا في إنجاز الأيقونة) من خلال بعض الأمور أهمّها وجود البُعد الثالث، خصوصًا في القسم العلويّ من الأيقونة، وتصوير الأب شيخاً عجوزاً سيماؤه تذكّر بالأيقونات اليونانيّة المتأثّرة باللوحات الغربيّة، حيث يُصوَّر الله الآب بهذا الشكل إشارةً إلى العبارة الإيمانيّة: “موجود قبل الدهور”. 
إذا كان التأثير الغربيّ في الكنيسة الأرثوذكسيّة اليونانيّة واضحًا في هاتين النقطتَين، فإنّ تأثير الثقافة اليونانيّة الهلّينيّة يظهر أيضاً من خلال أشكال الملابس وآلات الطرب كالقيثارة والعود وأشياء أخرى سنأتي على ذكرها.
البنية الهندسيّة 
لا ندري هل هي مصادفة أم أمر مقصود. يبدو أنّ الفنّان يستعمل في هذه الأيقونة بنيةً يندر استعمالها وهي الشكل البيضويّ. شكلان بيضويّان يحويان جميع العناصر المرسومة.
الشكل البيضويّ الأوّل يحوي قصّة الابن الضالّ وعودته…
الشكل الثاني يروي قصّة الابن الأكبر وغضبه. لقاء الأب بابنه الضالّ يشغل وسط اللوحة. إنّه الحدث الأهم، وبيت قصيد المَثَل. 
ينطلق الشكل البيضويّ الأوّل من الشخص الذي وراء الأب. فتى يحمل عصا بيده ويلوّح مودّعًا. وتتابع رواية القصّة مشاهدها بالنزول إلى تحت، والانتقال من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ثمّ الصعود إلى فوق حتّى أعلى اللوحة، والعودة بقوسٍ حفيف التحدّب إلى نقطة البداية. 
الشكل البيضويّ الثاني ينطلق من الابن الأكبر خارج القصر مع أحد الخدم، ويشمل مشهد الاحتفال بالوليمة. 
شرح الأيقونة 
سنتبع في شرح الأيقونة العناصر الروائيّة بحسب الشكلين البيضويَّين. 
في وسط اللوحة أقصى اليسار، الابن الأصغر يقف خارج الدار، يلبس ثيابًا فاخرة، ويلوّح بيده مودّعًا. إنّه يمسك عصا السفر الفاخرة ويهمّ بالرحيل، والباب موصد وراءه إشارةً إلى أنّه رحل على غير آملٍ بالعودة. 
تحت، في أقصى اليسار، الابن الأصغر يبدّد ماله في الترف. الشكل مستوحى من الفنّ اليونانيّ القديم: راقصاتٍ وساقيات خمر، والابن الأصغر متّكئ نصف عارٍ، يشرب ويتمتّع، وعلى رأسه إكليل غار إشارةً إلى غناه. 
تحت، في الوسط، الابن الأصغر وحيدًا يعاني العوز. لقد نفدت أمواله وتركه الأصدقاء والخلاّن، وها هو يمسك عصاً خشنة قليلة القيمة تعكس حالته وهو مفلس. 
تحت، في أقصى اليمين، الابن الأصغر يرعى الخنازير. لقد وجد عملاً هو أحقر ما يمكن الإنسان أن يعمله: راعي خنازير. تظهر في الأيقونة حظيرة خنازير، والابن الأصغر يمدّ يده ليأكل من الخرنوب الذي تتناوله الخنازير ليسدّ به رمقه ويهدّئ جوعه. 
في الوسط أقصى اليمين، الابن الأصغر يراجع ضميره. إنّه يقول في نفسه: «كم لأبي أجراء يفضل عنهم الخبز وأنا هنا أتضوّر جوعًا! أقوم وأمضي إلى أبي وأقول له: قد خطئتُ إلى السماء وإليك، ولا أستحقّ أن أكون ابنك، فاجعلني كأحد أجرائك». وقد حرص الرسّام على جعل جبلٍ صحراويٍّ خلفه، وهو رمز التأمّل والتفكير والعزلة، وإلى جانبه هوّة ترمز إلى الحضيض الذي وصل إليه. 
فوق، على اليمين، الابن الضال يعود، والأب ينتظر عودته. ويظهر واضحًا حال البؤس الذي وصل إليه هذا الابن، والأب ساهر كحارس الليل ينتظر عودة ابنه. 
وسط الأيقونة: الابن يجثو معتذراً، والأب يُنهضه. نجد هذه الحركة في أيقونات النزول إلى الجحيم، حيث يُنهض المسيح آدم وحوّاء من ظلام القبر. والشكل يبيّن اندفاع الأب نحو ابنه الجاثي لينهضه. 
وخلف الاثنَين يقف خَدَمٌ يلبّون أمر الأب: الأقرب يحمل خاتماً. والذي في الوسط يحمل ثوباً، والأبعد يحمل حذاءً. وينظر الأب إلى ابنه ويشير إلى ما يحمله الخدم ويقول: خذ هذه واستعد كرامتك المفقودة، فأنت ابني وأنا أسامحك. 
فوق، على اليسار، وليمة داخل القصر (الأقمشة على المباني تشير إلى أنّ المشهد يتمّ في الداخل). الأب يترأس الوليمة، والابن الضال بجانبه. ويجلس أمام الأب في طرف المائدة الثاني لوقا الإنجيليّ الذي روى لنا هذا المثل الذي ضربه يسوع. 
الخدم يقدّمون الطعام والعازفات يعزفن. وفي الخارج يسأل الابن الأكبر، الذي عاد من الحقل، أحد الخدم ما الذي يجرى؟ فيخبره. ولم يصوّر الفنّان مشهد إقناع الأب لابنه الأكبر الغاضب كي يدخل ويفرح معهم بعودة أخيه الضال. 
من الناحية الروحيّة، مَثَل الابن الضال يصوّر لنا موقف الله من الخاطئ. إنّه ينتظر توبته، ويرحمه حين يعود، ويفرح به فرحًا شديداً، ويريدنا أن نسعى إلى هداية الخاطئين لا إلى إدانتهم ومعاقبتهم.  
قنداق الابن الضال:” لما عصيتُ مجدك الأبوي بجهلٍ وغباوة. بدّدت في المعاصي الغنى الذي أعطيتني. فلذلك أصرخ إليك بصوت الابن الضال هاتفاً: أخطأتُ أمامك أيّها الأب الرؤوف، فاقبلني تائبًا، واجعلني كأحد أجرائك”. 
(الاب سامي حلاق اليسوعى/ الايقونة الأرثوذكسية)