من ايقونات الكاتدرائية الشهيدة آجيا صوفيا في القسطنطينية الشهيدة

الفن البيزنطي او الفن الرومي

الفن البيزنطي او الفن الرومي
مقدمتنا
بداية يعتبر مصطلح البيزنطي نسبة الى مدينة بيزنطة الاغريقية التي بنى قسطنطين الكبير مدينته وعاصمة امبراطوريته اي القسطنطينية…ودشنها عام 320 ومنع بناء اي معبد وثني فيها وحظر اقامة اي طقس وثنية فيها وجعلها  “مدينة الله القسطنطينية العظمى” ولاحقاً اعتبرت المجامع المسكونية انها رومة الثانية وبطريركها هو بطريرك المسكونة وهو وبابا روما الاولان بين البطاركة المتساويين ( رومة القديمة، رومة الجديدة ( القسطنطينية) الاسكندرية، انطاكية، اورشليم)واستمر هذا حتى الانشقاق الكنسي الكبير عام 1053 وفصل الكنيسة الغربية بقيادة البابا عن الكنيسة الارثوذكسية بقيادة البطاركة الاربعة اللمحكي عنهم…

والكثير من كتَّاب التاريخ الرومي والانطاكي /ونحن منهم/ نميل الى استخدام وصف الرومية كمرادف للبيزنطية او كبديل عنها والسبب ان الامبراطورية الرومانية الشرقية والتي اسسها الامبراطور قسطنطين الكبير شملت شرق اوربة وآسية الصغرى وسورية الطبيعية وشمال افريقيا اكتسبت الصبغة الهلينية وضمت تحت لوائها الاقوام في كل تلك الرقعة وكلها استخدمت اللغة اليونانية (الرومية) كلغة رئيسة كونها لغة الحكم والادارة اضافة الى كونها لغة الكتاب المقدس وانتشارالكنيسة والمجامع المسكونية السبعة الاولى مع استخدام الأقوام للغاتها المحلية كالديموطيقية في مصر والآرامية في سورية ودخلتها فنون تلك الاقوام من رسم وتماثيل وانشاد وموسيقى دينية كلها شكلت مانسميه الفنون الرومية ولذلك من جهتنا نستخدم مصطلح الترتيل الرومي والايقونة الرومية والبناء الرومي… وهذا بالطبع لايعني اننا روم الجنسية بل سوريين نعتقد بالعقيدة الرومية ورموزها واختصت كلمة الرومية او البيزنطية اصلاً بالأرثوذكسية، ولو ان انشقاق فئة عام 1724 من ابناء الكنيسة الانطاكية الارثوذكسية بتأثير التبشير اللاتيني ةانتقالهم الى تحت الرئاسة البابوية سموا انفسهم الروم الكاثوليك واستخدموا مصطلح البيزنطي مع تبعيتهم للفاتيكان” بطريركية انطاكية وسائر المشرق والاسكندرية واورشليم للروم الملكيين الكاثوليك واعترفت بهم الدولة العثمانية ككنيسة مستقلة عن بطريركية انطاكية الام وكان ذلك عام 1835 وحافظوا على شكل الكنائس والايقونسطاس والايقونات واللغة اليونانية كلغة طقسية مع استخدام مصطلح الارثوذكسية في نفس كتب الليتورجيا الارثوذكسية بداية ثم الغي هذا المصطلح مع بعض رموز الارثوذكسية كالمعمودية بالتغطيس ثلاثاً ومناولة الاطفال.

القسطنطينية عاصمة الامبراطورية الرومية من 320-1453 وقت استشهادها بيد الغزاة العثمانيين
القسطنطينية عاصمة الامبراطورية الرومية من 320-1453 وقت استشهادها بيد الغزاة العثمانيين
لذلك فان عبارة بيزنطي او بيزنطية اينما وردت في هذا المقال هي عبارة رومي او رومية…
الفن البيزنطي
هو مصطلح يشيع استخدامه لوصف النتاج الفني من الامبراطورية (الرومية)البيزنطية من نحو القرن الرابع من عام 320 عند تدشين القسطنطينية عاصمة الامبراطورية الرومية حتى غزو الاتراك لهذه العاصمة القسطنطينية في 1453. 
الانتقال من الوثنية الى المسيحية
كانت أعظم مآثر الحضارة البيزنطية هي الإدارة الحكومية وفن الزخرفة .
فقد أقاموا دولة دامت أحد عشر قرناً من الزمان، وأنشأوا كاتدرائية الحكمة الالهية اي آجيا صوفيا او آيا صوفيا القائمة في هذه الأيام. وكان الفن الوثني قد لفظ أنفاسه الأخيرة قبيل عهد  الامبراطور (جوستنيان)، وكان نصف ما خلفه من الآثار قد شُوَه أو هدم.
فقد بدأ تخريب البرابرة، وانتهاء الأباطرة، وتدمير الأتقياء ورجال الدين، بدأ عمل هؤلاء وهؤلاء عهداً من الإتلاف المتعمد والإهمال دام حتى قام بترارك في القرن الرابع عشر يدافع عما بقى منه في أيامه. وكان من العوامل التي زادت أعمال التخريب اعتقاد الجماهير أن الآلهة الوثنية شياطين، وأن الهياكل مأواها.
وأياً كانت عقيدة ذلك الوقت فقد كانوا يشعرون أن مواد هذه الآثار الفنية يمكن أن ينتفع بها على خير وجه في تشييد الكنائس المسيحية أو أسوار المنازل، وكثيراً ما كان الوثنيون أنفسهم يشاركون المسيحيين في أعمال التدمير.
 مقال الفن البيزنطي الرومي من ايقونات كاتدرائية آجيا صوفيا
مقال الفن البيزنطي الرومي من ايقونات كاتدرائية آجيا صوفيا
وقد بذل بعض الأباطرة، وخاصة هونوريوس وثيودوسيوس الثاني، كل ما في وسعهم لحماية المنشآت القديمة ، وأبقى المستنيرون من رجال الدين على البارثينون، وهيكلثسيوس، والبارثينون، وغيرها من الصروح بأن أعادوا تدشينها بوصفها أضرحة مسيحية. 

وكانت المسيحية في بادئ الأمر ترتاب في الفن وتراه عماداً للوثنية، وعبادة الأصنام، وفساد الأخلاق، وترى أن هذه التماثيل العارية لا تتفق مع ما يجب أن تحاط به البكورة والعزوبة من إجلال. ولما خيل إلى الناس أن الجسم أداة الشيطان، وأصبح الراهب مثل الرجولة الأعلى بدل الرجل الرياضي،اختفت من الفن دراسة التشريح، ولم يبق في فني النحت والتصوير إلا وجوه كئيبة وثياب لا شكل لها. 

فلما انتصرت المسيحية على الوثنية واحتاجت إلى صروح ضخمة تأوي عبادها المتزايدين، أخذت تقاليد الفن المحلية والقومية تثبت وجودها مرة أخرى، وارتفع فن البناء فوق الأنقاض. يضاف إلى هذا أن تلك الصروح الرحبة كانت تلح في طلب الزخرفة والزينة، وكان العابدون في حاجة إلى تماثيل للمسيح ومريم يقوى بها خيالهم، وإلى صور تحدث السذج الأميين……. وهكذا ولدت فنون النحت والفسيفساء والتصوير من جديد. 
ولم يكن الفن الجديد في روما إلا اختلافاً قليلاً عن الفن القديم. فقد انتقلت من الوثني إلى المسيحية متانة البناء، وبساطة الشكل، وطرز الباسلقا المعمدة.
ومثال ذلك أن مهندسي قسطنطين خططوا كنيسة القديس بطرس الأولى بالقرب من ساحة الألعاب الحيوانية التي أنشأها نيرون على تل الفاتيكان، وجعلوا طولها380 قدماً وعرضها 212. وقد ظلت هذه الكنيسة مدى اثني عشر قرناً أعظم كنائس المسيحية اللاتينية حتى هدمها برامنتي ليقيم في مكانها كنيسة أكبر منها هي كنيسة القديس بطرس الحالية. وأعاد فلنتيان الثاني وثيودوسيوس الأول بناء الكنيسة التي أقامها قسطنطين “للقديس بولس خارج الأسوار San Paolo fuori le mura ” في المكان الذي قيل إن الرسول استشهد فيه.
وهذه الكنيسة أقل أتساعاً من كنيسة القديس بطرس، فقد كان طولها أربعمائة قدم وعرضها مائتين . 
لا تزال كنيسة القديس قنسطنزا Santa Constanza التي أقامها قسطنطين ضريحاً لأخته قنسطنطيا في معظم أجزائها بالصورة التي كانت عليها وقت بنائها في 326-330، وأعيد بناء كنائس سان جيوفني San Geovanni في لترانا Latrana وسانتا ماريا في ثرستفيري Trastevre “وسان لورنزو خارج الأسوار” في خلال قرن بعد أن بدأها قسطنطين، وأعيد بناؤها مراراً كثيرة من ذلك الحين. وأنشئت كنيسة سانتا ماريا مجيوري Santa Maria Maggiore في عام 432 على غرار أحد الهياكل الوثنية. ولا يزال صحنها في جوهره كما كان منذ إنشائها إذا استثنينا ما حلى به من النقوش في أيام النهضة. 
ولا يزال طراز الباسلقا ( البازيلكا )  من ذلك الوقت حيى الآن الطراز المحبب في الكنائس المسيحية؛ ذلك بأن اعتدال نفقاته وجلال بساطته، وتناسق بنائه، وعظيم متانته قد جعلته محبباً إلى الناس في جميع الأجيال. وتناسق لم يتقبل في يسر إدخاله عليه من التطور والتغيير، ولهذا بدأ البناءون الأوربيون يتلفتون حولهم ليبحثوا عن آراء هندسية جديدة حتى وجدوها في بلاد الشرق، بل وجدوها أيضاً في اسبالاتو Spalato المركز الأدرباوي الأمامي لبلاد الشرق.
ففي هذا المكان القائم على ساحل دلماشيا أطلق ديوقليديانوس كامل الحرية لفنانيه، وعهد إليهم أن يجربوا كافة الوسائل التي تمكنهم من أن يقيموا له قصراً يلجأ إليه إذا أراد الاستجمام من عناء الحكم؛ وفيه أحدث أولئك الفنانون انقلاباً كبيراً في العمارة الأوربية. ففيه كانت الأقواس ترفع مباشرة من تيجان الأعمدة، وليس بينها وبين تلك التيجان عوارض؛ وهكذا مهدت السبيل بخطوة إلى الطرز البيزنطية، والرومانية، والقوطية. وفي هذا القصر أيضاً استبدلت بالأفاريز ذات الصور والتماثيل زخرفة عجيبة من الخطوط المتعرجة، التي تنفر منها عيون الأقدمين والتي ألفها الشرق من زمن بعيد. وبذلك كانت اسبلاتو هي النذير الأول بأن أوربا لم يغلبها على أمرها دين شرقي فحسب، بل سيغلبها كذلك فن شرقي إن لم يكن في جميع أنحائها ففي العالم البيزنطي على الأقل. 
الفن البيزنطي الرومي ايقونة تنزيل المصلوب
الفن البيزنطي الرومي ايقونة تنزيل المصلوب
الفنانون البيزنطيون الروميون
نرى من أين جاء إلى القسطنطينية ذلك الفن ذو اللون الفذ، البراق المقبض الذي نسميه الفن البيزنطي الرومي؟ ذلك السؤال ثار فيه الجدل بين علماء الآثار بقوة لا تكاد تنقص عن قوة الجنود المسيحيين في حروبهم، وكان النصر النهائي في هذه المعركة الكبرى لبلاد الشرق.
وتفصيل ذلك أنه حين قويت سورية وآسية الصغرى بفضل ما حدث فيهما من تقدم صناعي، وحين ضعفت روما بسبب الغزو البربري الجرماني، ارتد التيار الهلنستي الذي اندفع نحو الشرق إثر فتوح الإسكندر من آسية إلى أوربة، وتلاقت في بيزنطية مؤثرات الفن الشرقي المنصبة من فارس الساسانية، وسورية النسطورية، ومصر القبطيةـ ووصلت هذه المؤثرات إلى إيطاليا، بل تعدتها إلى غالة، وتخلى الفن اليوناني الممثل للطبيعة عن مكانه إلى الفن الشرقي ذو الزخارف الرمزية.
وكان الشرق يفضل الألوان عن الخطوط، والأقواس والقباب عن السقف الخشبي. والزينة الكثيرة عن البساطة الصارمة، والأثواب الحريرية الفخمة عن الجبة التي لا شكل لها. وكما أن دقلديانوس وقسطنطين قد اتخذا في نظم الحكم أشكال الملكية الفارسية، فكذلك شرع فن القسطنطينية يغض النظر شيئاً فشيئاً عن الغرب الذي ألقى الآن بنفسه في أحضان البربرية الجرمانية، وأخذ يرنو ببصره إلى آسية الصغرى وأرمينية، وفارس، وسورية، ومصر.
ولعل انتصار جيوش الفرس في عهد شابور الثاني وكسرى أنوشروان قد عجل خطوات البواعث والأساليب الشرقية. وكانت الرها ونصيبين في ذلك الوقت مركزين مزدهرين من مراكز ثقافة ما بين النهرين، وهي الثقافة التي مزجت العناصر الإيرانية، والأرمنية، والكبادوكية والسورية ، ونقلها التجار، والرهبان، والفنانون إلى إنطاكية، والإسكندرية، وإفسس، والقسطنطينية، ثم نقلوها أخيراً إلى رافنا وروما، فكادت النظم اليونانية والرومانية القديمة تفقد قيمتها في هذا العالم المعماري الجديد، عالم العقود والأقواس، والقباب. 
ولما اتخذ الفن البيزنطي هذه الصورة الجديدة عمل على نشر العقائد المسيحية وإظهار مجد الدولة. فأخذ يقص على الثياب والقماش المزركش، وفي نقوش الفسيفساء ورسوم الجدران، حياة المسيح وأحزان مريم، وأعمال الرسل والشهداء الذين تضم الكنائس عظامهم او بنيت عليها بصفتها “ذخائر مقدسة”، أو دخل بلاط الأباطرة، وزين قصر الإمبراطور، وغطى ملابس الموظفين بصورة رمزية أو رسوم تاريخية وخطف أبصار رعاياه بالملابس الزاهية الكثيرة الألوان، وانتهى أمره بأن صورة المسيح ومريم في بعض الايقونات صورتي المسيح الملك ومريم امه الملكة.
ذلك أن الفن البيزنطي لم يكن له كثير من المؤيدين يختار من بينهم من يناصره، ولهذا لم يكن له مجال واسع يختار منه موضوعاته وطرازه، فكان الإمبراطور أو البطريرك هو الذي يحدد له ما يعمل ويبين له طريق العمل، وكان الفنانون يعملون جماعات، ولهذا قلما يذكر التاريخ أسماء فنانين أفراداً، ولكنهم أتوا بالمعجزات في بهاء الألوان، وكان الفنان يرفع من شأن الناس أو يحط من قدرهم بمستحدثاته الرائعة؛ ولكن هذه المنزلة اقتضته استمساكاً بالأشكال والأنماط المتبعة، وضيقاً في المجال، وجموداً في خدمة ملك مطلق التصرف ودين لا يقبل التغيير. 
وكان تحت تصرفه مواد كثيرة يستخدمها في عمله، كانت لديه محاجر الرخام في بروكنسوس Procnnesus، وأتكا، وإيطاليا؛ وكانت لديه عمد وتيجان ينتهبها من كل هيكل وثني قائم، وكان لديه الآجر يكاد ينمو كالنبات في الأرض التي تجففها الشمس. وكان أكثر ما يعمل فيه الآجر المثبت بالملاط، ذلك أنه كان يسهل استخدامه في الأشكال المنحنية التي فرضتها عليه الأنماط الشرقية. وكثيراً ما كان يقنع بالشكل القوطي الفرنجي – شكل الباسلقا ذات الجناحين التي تستطيع حتى تنتهي بقباء. 
وكان في بعض الأحيان يقطع الباسلقا فيجعلها مثمنة الجوانب كما فعل في كنيستي القديسين سرجيوس وباخوس في القسطنطينية، أو في كنيسة فينالي في رافانا. 
ولكن الطراز الذي برع فيه وبز فيه جميع الفنانين الذين سبقوه أو جاءوا بعده هو القبة المستديرة المقامة على هيكل كثير الأضلاع. وكانت الطريقة التي اتبعها للوصول إلى هذه الغاية هي إنشاء قوس أو نصف دائرة من الآجر فوق كل ضلع من أضلاع السطح المتعدد الزوايا والأضلاع، ثم إقامة مثلث دائري من الآجر متجه إلى أعلى وإلى الداخل بين كل نصف دائرة، ثم بناء قبة فوق الحلقة المستديرة الناشئة من هذا كله. وكانت المثلثات الدائرية تبدو متدلية من حافة القبة إلى قمة المضلع، وبهذا ربعت الدائرة من الوجهة المعمارية، وبعد هذا كاد طراز الباسلقا أن يختفي من الشرق. 
وقد أفاء البَنّاء  الرومي البيزنطي على هذا البناء من الداخل ما أسعفته به عشرات الفنون المختلفة. وقلما كان يستخدم التماثيل لهذا الغرض، ذلك أنه لم يكن يريد أن يصور رجالاً ونساء،بل كان يعمل لخلق جمال مجرد من الصور الرمزية.
ولكن المثالين البيزنطيين كانوا رغم هذا القيد عمالاً يمتازون بالكفاية والصبر وسعة الحيلة. وقد نحتوا التاج “الثيودوسي” للعمد بأن جمعوا بين “آذان” النمط الأيوني، وأوراق النمط الكورنثي؛ وكأنهم أرادوا أن يجعلوا هذه الوفرة من الطرز أشمل وأعم، فحفروا على هذا التاج المركب أجمة من النبات والحيوان.
وإذ كانت نتيجة هذا لا تتناسب مع الجدران أو الأقواس فقد وضعوا بينها وبين التاج عصابة مربعة وعريضة من أعلاها، ومستطيلة وضيقة نوعاً عند قاعدتها، ثم حفروا على توالي الأيام أزهاراً على هذه العصابات نفسها. وهنا أيضاً كانت الغلبة للفرس غلى اليونان، كما للأولين في مربع القمة. ثم طلب إلى المصورين أن يزينوا الجدران بصور نثبت عقيدة الناس أو ترهبهم؛ ووضع عمال الفسيفساء مكعباتهم المتخذة من الحجر أو الزجاج الملون البراق فوق أرضية زرقاء أو ذهبية، وزينت الأرض والجدران، أو مذابح الكنائس، أو ما بين العقود، أو أي جزء من البناء لا تطيق عين الشرقي أن تراه خالياً من الزخرف.
وكان الصناع يزينون الملابس، والمذابح، والعمد، والجدران بالجواهر والأحجار الكريمة؛ وصناع المعادن يضعون فيها صفائح الذهب والفضة؛ وصناع الخشب ينقشون المنابر وأسوار المحاريب، والنساجون يعلقون الأنسجة المزخرفة على الجدران ويفرشون الأرض بالطنافس، ويغطون المذابح والمنابر بالأقمشة المطرزة وبالحرير. ولم يذكر التاريخ قبل ذلك العهد فناً أوتي ما أوتيه الفن البيزنطي من وفرة الألوان، ودقة الرموز، وغزاة الزينة، وقدرة على تهدئة الذهن وتنبيه الروح. 

كاتدرائية آجيا صوفيا رمز المجد الرومي

كاتدرائية آجيا صوفيا الشهيدة رمز المجد الرومي الارثوذكسي من 320مسيحية الى 1453مسيحية وقت استشهادها بيد الغزاة العثمانيين
كاتدرائية آجيا صوفيا الشهيدة رمز المجد الرومي الارثوذكسي من 320مسيحية الى 1453مسيحية وقت استشهادها بيد الغزاة العثمانيين
ولم تكن العناصر اليونانية والرومانية، والشرقية، والمسيحية قد أتمت امتزاجها ليكون منها الفن البيزنطي قبل عهد يوستنيانوس جستنيان. فلقد أتاحت له فتنة نيقا Nika، كما أتاح حريق روما لنيرون من قبل، فرصة بناء عاصمته من جديد. ذلك أن الغوغاء في لحظة من لحظات نشوة الحرية أحرقوا دار مجلس الشيوخ، وحمامات زيوكسبوس Zeuxippus وأروقة الأوغسطيوم، وجناحين من أجنحة القصر الإمبراطوري، وآجيا صوفيا  الكاتدرائية(1) اي كنيسة البطريرك الكبرى، وكان في وسع يوستنيان أن يعي بناء هذه كلها حسب تخطيطها القديم فلا يتطلب هذا منه أكثر من عام أو عامين. لكنه لم يفعل هذا وصمم على أن في بنائها مزيداً من الوقت والمال وأن يستخدم في هذا البناء عدداً كبيراً من الرجال، وأن يجعل عاصمة دولته الرومية أجمل من روما عاصمة الامبراطورية الرومانية المتداعية، وأن يقيم فيها كنيسة لا يدانيها صرح آخر في العالم كله. وكانت بداية عمله أن وضع في ذلك الوقت منهجاً للأبنية أوسع وأعظم من أي منهج آخر وضع لها في التاريخ.
وكان هذا المنهج يَشمل حصوناً، وقصوراً وأديرة، وكنائس، وأروقة معمدة، وأبواباً أقيمت في جميع أنحاء الإمبراطورية. ففي القسطنطينية أعاد بناء مجلس الشيوخ من الرخام الأبيض، وشاد حمامات زيوكسبوس من الرخام المتعدد الألوان، وبنى رواقاً معمداً من الرخام، ومتنزهاً في الأوغسطيوم، ونقل الماء العذب إلى المدينة في قناة مبنية جديدة تضارع أحسن ما وجد من القنوات في إيطاليا. أما قصره فلم يكن يعلو عليه قصر آخر في البهاء والترف. فقد كانت أرضه وجدرانه من الرخام، وسُقُفه تقض بالفسيفساء البراقة ما ناله من النصر في أيام حكمه، وتصور الشيوخ في حفلاتهم يقدمون للإمبراطور مظاهر الإجلال والتعظيم التي “لا تكاد تقل عما يقدم منه لله”، وبني على الجانب الآخر من البوسفور، بالقرب من خلقيدونية مسكناً صيفياً لثيودورا وحاشيتها هو قصر هريون الذي كان له مرفأه، وسوقه، وكنيسته وحماماته الخاصة به. 
الفن البيزنطي الرومي الكاتدرائية الشهيدة آجيا صوفيا في  القسطنطينية
الفن البيزنطي الرومي الكاتدرائية الشهيدة آجيا صوفيا في القسطنطينية
وبعد أربعين يوماً من خمود نار الفتنة نيقا بدأ يبني كنيسة آجيا صوفيا الجديدة. ولم يقمها إلى قديسة تحمل ذلك الاسم، بل أقامها إلى المقدسة صوفيا Hagia Sophia أو الحكمة المقدسة، أو العقل الخلاق، أو إلى الله نفسه.
وأستدعى لهذا الغرض من ترالبوس في آسية الصغرى، ومن ميليتوس الأيونية، أنثميوس وأزدور أعظم المهندسين الأحياء، ليضعا رسوم البناء ويشرفا على تشييده. ولم يتبع المهندسان شكل الباسلقا التي جرت عليه التقاليد، بل وضعا للبناء تصميماً تكون صرته قبة واسعة لا ترتكز على جدران بل على أكتاف ضخمة، وتسندها نصفا قبتين من كلا الجانبين. واستخدم في العمل عشرة آلاف عامل، وأنفق عليه 320.000 رطل من الذهب (134.000.000 دولار أمريكي)وهو كل ما كان في خزانة الدولة، وأمر حكام الولايات بأن يبعثوا إلى الكنيسة المخلفات القديمة، وجئ بعشرات الأنواع والألوان من الرخام من مختلف الأقطار وصبت في النقوش والزينات مقادير هائلة من الذهب، والفضة، والعاج، والأحجار الكريمة. واشترك جستنيان نفسه اشتراكاً عملياً في تخطيط البناء وإقامته، وكان له نصيب غير قليل (كما يقول المؤرخ المداهن الساخر) في حل ما يعترض العمل من المشاكل الفنية.
فكان يتردد عليه في كل يوم وعليه ثياب بيض، وفي يده عصا طويلة، وعلى رأسه منديل، يشجع العمال ويحثهم على العمل ويتموه في موعده المقرر. وتم بناء الصرح العظيم في خمس سنين وعشرة أشهر؛ وفي اليوم السادس والعشرين من شهر ديسمبر من عام 537 أقبل الإمبراطور والبطريركالقسطنطيني ميناس يتقدمان موكباً مهيباً لافتتاح الكنيسة المتلألئة الفخمة. وسار جستنيان بمفرده إلى المنبر ورفع يديه إلى السماء ونادى قائلاً: “المجد لله الذي رآني خليقاً بأن أتم هذا العمل! الجليل! أي سليمان! لقد انتصرت عليك!”. 

وقد خط البناء على شكل صليب يوناني طوله 250 قدماً وعرضه 225، وغطى كل طرف من أطرافه بقبة صغرى، وقامت القبة الوسطى على المربع (البالغ 100 قدم × 100) والمكون من الضلعين المتقاطعين، وكانت ذروة القبة تعلو عن الأرض مائة قدم وثمانين قدماً. وقطرها مائة قدم -أي أقل من قطر قبة البنثيون في روما باثنتين وثلاثين قدماً. وكانت هذه القبة الثانية قد صبت من الأسمنت المسلح قطعة واحدة مصمتة، أما قبة أياصوفيا فقد بنيت من الآجر في ثلاثين سطحاً تلتقي كلها في نقطة واحدة- وهو طراز أضعف من الطراز الأول .

القسطنطينية من 320ميحية الى 1453 حين استشهادها بيد العثمانيين ودمارها
القسطنطينية من 320ميحية الى 1453 حين استشهادها بيد العثمانيين ودمارها
وليست ميزة هذه القبة في حجمها بل في دعائمها: فهي لا تقوم على بناء دائري كما تقوم قبة البانثيون بل على أربطة من أعلاها، وعلى عقود بين حافاتها المستديرة وقاعدتها المربعة. ولم تحلّ هذه المشكلة المعمارية قبل ذلك الوقت حلاً أكثر توفيقاً من هذا. وقد وصف بروكبيوس القبة بأنها “عمل مجيد يبعث الروعة في النفوس… وهي لا تبدو قائمة على ما تحتها من البناء بل تبدو كأنها معلقة بسلسة من الذهب في أبراج السماء”. 
وأما من الداخل فكانت الكنيسة صورة رائعة من الزخارف البراقة. فقد كانت أرضها وجدرانها من المرمر المتعدد الألوان: أبيض، وأخضر، وأحمر، وأصفر، وأرجواني، وذهبي. وأقيم منه كذلك طابقان من العميد يخيل إلى إليها أنها حديقة من الأزهار. وكانت تيجان العمد، والعقود وما بينهما، والأفاريز، والطنف مغطاة بنقوش على الحجارة مكونة من أوراق الأكنثوس والكرم. وكان يطل من الجدران والقباب فسيفساء لا مثيل لها في روعتها وسعتها. وكانت تضيئها أربعون ماثلة من الفضة معلقة من حافة القبة تضاف إلى ما فيها من النوافذ الكثيرة.
وإن ما يحس به الناظر إلى هذه الكنيسة من سعة تبعثها في نفسه أجنحتها الطويلة، وبنائها الرئيس، والفضاء الخالي من العمد تحت القبة الوسطى، وما في حظارها الفضي المواجه للقباء من زخارف معدنية، والحظار المعدني الجميل الذي في الإيوان الأعلى، والمنبر المرصع بالعاج والفضة والحجارة الكريمة، وعرش البطريرك المصنوع من الفضة المصمتة، والسجف المنسوجة من خيوط الحرير والفضة، والتي ترتفع فوق المذبح وعليها صورتا الإمبراطور والإمبراطورة تتلقيان بركات المسيح ومريم؛ والمذبح الذهبي اللون المصنوع من الرخام النادر الوجود وعليه الأواني المقدسة من الفضة والذهب -وهو بعض ما في الكنيسة من زخرف وزينة- ليجل عن الوصف، ولو أن جستنيان قد تباهى به أباطرة المغول من بعده، وهو أنهم كانوا يبنون كما يبني الجبابرة، ويزينون مبانيهم كما يزينها الصباغ، لكان على حق في مباهاته. 
وكانت آجيا صوفيا بداية الطراز المعماري الرومي البيزنطي وخاتمته في آن واحد. وكان الناس في كل مكان يسمونها “الكنيسة الكبرى” وحتى بروكوبيوس المتشكك نفسه تحدّث عنها حديث الرجل المرتاع فقال: “إذا دخل الإنسان هذه الكنيسة للصلاة، أحس بأنها ليست من أعمال القوى البشرية… ذلك أن الروح ترقى إلى السماء تدرك أن الله هنا قريب منها، وأنه يبتهج بهذا اليوم، بيته المختار” . 
من القسطنطينية إلى رافنا 
كانتآجيا صوفيا أجلّ ما قام به جستنيان من الأعمال، وكانت أبقى على الدهر من فتوحه أو قوانينه، ولكن بروكبيوس يصف أربعاً وعشرين كنيسة أخرى بناها جستنيان أو أعاد بناءها في عاصمة ملكه. ويقول:
 “لو رأيت كنيسة منها بمفردها لحسبت أن الإمبراطور لم يبْن كنيسة سواها بل قضى سني حكمه جميعها في بنائها وحده”.
وظلت حمى البناء منتشرة في جميع أنحاء الإمبراطورية طوال حياة جستنيان، حتى كان القرن السادس وهو بداية العصور المظلمة في الغرب من أكثر العصور ازدهاراً في تاريخ العمارة في الشرق الرومي. فكانت ألف كنيسة في إفسس، وإنطاكية، وغزة، وبيت المقدس، والإسكندرية، وسلانيك، ورافنا، والرامة، والبلاد الممتدة من كرش في بلاد القرم إلى الصفاقس في شمالي أفريقية، تحتفل بانتصار المسيحية على الوثنية، وبالطراز الشرقي-البيزنطي اي الرومي على الطراز اليوناني-الروماني. وحلّت العقود والقباب محل الأعمدة الخارجية، والعوارض، والقواصر، والطنف. 
وازدهرت في سورية نهضة حقه في القرن الرابع، والخامس، والسادس، فكانت مدارسها القائمة في إنطاكية، وبيروت، ونصيبين، تخرج العدد الجم من الخطباء، والمحامين، والمؤرخين، والخارجين على الدين. وبرع صنّاعها في أعمال الفسيفساء، والنسيج، وجميع الفنون الزخرفية، وشاد مهندسوها مائة كنيسة زينها مثّالوها بما لا حصر له من النقوش البارزة. 
وكانت الإسكندرية المدينة الوحيدة في الإمبراطورية التي كان ازدهارها متصلاً لم ينقطع أبداً. ذلك أن مؤسسها قد اختار لها مكاناً يكاد يرغم عالم البحر المتوسط على استعمال مرافئها وزيادة تجارتها. ولم تبق الأيام على شيء مما أقيم فيها من عمائر في تاريخها القديم أو في أوائل العصور الوسطى، ولكن ما بقى من أعمالها في المعادن، والعاج، والخشب، والتصوير، متفرقاً في أماكن مختلفة يوحي بأن أهلها قد بزوا غيرهم في الشهوانية، والحمية الدينية. وكان الطراز الشرقي في عهد جستنيان هو الطراز الغالب في فن العمارة القبطي الذي بدأ بالباسلقا الرومانية. 
وبدأ مجد رافنا المعماري بعد أن اتخذها هونريوس عاصمة الإمبراطورية الغربية في عام 404 بزمن قليل. وعم الرخاء المدينة في الفترة الطويلة التي كانت فيها جلا بلاسيديا Galla Placidia نائبة عن الإمبراطور، وكانت صلتها الوثيقة بالقسطنطينية سبباً في قدوم الصنّاع الشرقيين، واختلاطهم بالمهندسين الإيطاليين وفي دخول الأنماط الشرقية وامتزاجها بالأشكال الإيطالية. وظهر فيها الطراز الهندسي الشرقي المؤلف من قبة مقامة على قاعدة ذات شكل صليب منذ عام 450 في الضريح الذي لقيت فيه بلاسيديا ربها، ولا يزال في وسعنا أن نرى فيه النقش الفسيفسائي الذائع الصيت الذي يمثل المسيح في صورة الراعي الصالح. 
وفي عام 458 أضاف الأسقف نيون Neon إلى مكان التعميد المقبب في باسلقا أرسيانا Basilica Ursiana سلسلة من قطع الفسيفساء من بينها صورة مفردة للرسل. وشاد ثيودريك حوالي عام 500 كنيسة كبرى سماها باسم القديس ابلينارس الذي يقال إنه مؤسس العشيرة المسيحية في رافنا. وهنا يظهر على الفسيفساء التي طبقت شهرتها آفاق العالم للقديسين ذوو الثياب البيض في وقارهم الشديد الذي ينبئ ببداية الطراز البيزنطي. 
الفن البيزنطي الرومي الفن الرومي رسوم الفريسك السقفية والجدارية في آجيا صوفيا وكل الكنائس الارثوذكسية
الفن البيزنطي الرومي الفن الرومي رسوم الفريسك السقفية والجدارية في آجيا صوفيا وكل الكنائس الارثوذكسية
وكان استيلاء بليساريوس على ارفنا من الأسباب التي عجلت بانتصار الفن البيزنطي في إيطاليا. وسرعان ما تمت كنيسة سان فينالي (San Vitale  547) في عهد جستنيان وثيودورا، اللذين وهباها المال اللازم لتزيينها، كما وهباها أيضاً وجهيهما غير الجذابين لينقشا على جدرانها. وما من شك في أن الإمبراطور قد أوتي حظاً كبيراً من الشجاعة إذ أجازا أن تنقل صورتهما إلى الخلف. 
ومواقف أولئك الحكام، والاكليروس، والخصيان تنبئ كلها عن صلابة وحدة في الطباع، وفي مظهرهما الأمامي الجامد ليعد انقلاباً في الصور التي كنا نشهدها قبل عصور اليونان والرومان الأقدمين. وأثواب النساء كثيرة الزركشة تعلن انتصار نقوش الفسيفساء، ولكننا لا نجد هنا رشاقة مواكب البارثنون للمرحة والسعادة، أو نصب السلام لأغسطس أو ما نشاهده في الصور المنقوشة على أبواب شارترز وريمز من نبل ورقة. 
وبعد عامين من افتتاح كنيسة القديس فيتال افتتح أسقف رافنا كنيسة القديسة ابلناري في كلاس Class وهي ثاني كنيسة أقيمت لهذا القديس راعي المدينة، وكان موضعها في ضاحيتها التي على شاطئ البحر، والتي كانت في وقت ما قاعدة الأسطول الروماني على البحر الأدرياوي. ونشاهد فيها التصميم الباسلقي الروماني القديم، ولكن تيجان الأعمدة المختلطة الأشكال تظهر عليها مسحة بيزنطية تنم عنها أوراق الأقنتا الملفوفة الملتوية على خلاف ما كان يظهر في الأنماط اليونانية والرومانية القديمة، كأنما هبت عليها ريح شرقية. وإن ما في هذه الكنيسة من صفوف الأعمدة الكاملة الطويلة، وفي حليات العقود والمثلثات المحصورة بينها من فسيفساء زاهية (من القرن السابع)، وما في موضع المرنمين من لوحات جميلة من المصيص، وما في الصليب القائم في القبا من الجواهر مرصعة بها أرضية من النجوم في الفسيفساء، إن في هذا كله ما يجعل هذه الكنيسة من أشهر كنائس شبه الجزيرة التي تكون كلها معرضاً عظيماً الفنون الجميلة. 
الفنون البيزنطية 
لقد كان فن العمارة أروع ما خلفه الفنان البيزنطي، ولكنه كان في ثناياه أو من حوله فنون أخرى كثيرة نبغ فيها نبوغاً خليقاً بالتنويه. نعم إنه لم يكن يعنى بالنحت المجسم، وأن مزاج العصر كان يفضل الألوان على الخطوط، ولكن بروكبيوس يثني على المثالين ( النحاتين) في ذلك العصر، وأكبر الظن أنه يعني بهم أصحاب النقش البارز، ويقول إنهم لا يقولون مهارة عن فدياس وبركستليز، وإنا لنجد على بعض التوابيت الحجرية المصنوعة في القرن الرابع والخامس والسادس صوراً آدمية منحوتة تكاد تضارع الرشاقة الهلينية، مختلطة بها كثير من نقوش الزينة الآسيوية. 
وكان النقش على العاج من الفنون المحببة إلى الروم البيزنطيين، وكانوا يصنعون منه ألواحاً ذات طيتين أو ثلاث طيات، ويجَّلدون به الكتب، ويصنعون منه العلب، وصناديق العطور، والتماثيل الصغيرة، ويطعمون به التحف ويزينون به ما لا يحصى من الأشياء. وقد بقيت الفنون الهلنستية في هذه الصناعة لم يمسها سوء، وكل ما حدث فيها أنها استبدلت المسيح والقديسين بالآلهة والأبطال. وإن الكرسي العاجي الذي كان يجلس عليه الأسقف مكسميان في الباسلقا أرسيا Basilica Ursiana (حوالي 550) ليعد تحفة عظيمة في فن من الفنون الصغرى. 
وبينا كان الشرق يجري التجارب على الرسم بألوان الزيت ، كان التصوير البيزنطي لا يزال مستمسكاً بالأساليب اليونانية التقليدية كتثبيت ألوان الرسوم بالحرارة -بحرق الألوان في سطوح الخشب، والخيش ونسيج التل، وكالمظلمات يصنعونها بخلط الألوان بالجير ووضعها على سطوح من الجبس المبلل، ومزج اللون بمحلول الماء والصمغ أو الغراء وبزلال البيض ثم وضعها على المربعات الخشبية أو على الجبس بعد أن يجف.
وقد عرف الرسام  الرومي البيزنطي كيف يمثل البعد والعمق، ولكنه كان يهرب عادة من صعاب المنظور بأن يملأ خلفية الصورة بالمباني والسجف. وقد أخرج عدداً كبيراً من اللوحات المصورة، ولكنها لم يبق منها إلا القليل. وكانت جدران الكنائس تزدان بالرسوم، وتدل القطع الباقية منها على الواقعية غير المتقنة كالأيدي العديمة الشكل، والأجسام الصغيرة، والوجوه الشاحبة. والشعر المصفف تصفيفاً غير معقول. 
وقد برع الفنان البيزنطي في الأشياء الدقيقة وأظهر فيها مرحه وظرفه. وليست روائع التصوير الباقية إلى هذا اليوم من أعماله هي رسوم الجدران أو اللوحات الكثيرة، بل هي الرسوم الصغرى ذات الألوان البراقة التي كان يزين بها ما ينشر من الكتب في عصره. ذلك أن الكتب كانت كثيرة النفقات في ذلك العصر، ولهذا كانت تحلى كما تحلى غيرها من الأشياء النفيسة.
وكان الفنان يبدأ عمله هذا برسم ما يريده من الحليات على البردي أو الرق أو الجلد بفرشاة دقيقة أو قلم، ثم يضع أرضية تكون عادة ذات لون ذهبي أو أزرق، ثم يضع ما يريده من الألوان، ثم يزين الأرضية والحواشي بأشكال رشيقة دقيقة. وكان في بادئ الأمر يقتصر على تحسين الحرف الأول من كل فصل أو صفحة؛ وكان يحاول في بعض الأحيان أن يرسم صورة للمؤلف، ثم انتقل بعدئذ إلى توضيح النصوص بالصور؛ فلما تقدم فنه آخر الأمر كاد ينسى النص ويملأ الكتاب بالزخارف ويبينها على أساس هندسي أو رمزي ديني يكرر بأشكال مختلفة بخطئها الحصر، حتى تصبح الصفحة كلها وكأنها صورة واحدة بديعة من الألوان والخطوط كأن النص دخيل عليها من عالم أكثر منها خشونة. 
وكانت زخرفة المخطوطات مألوفة في مصر أيام الفراعنة والبطالمة، ثم انتقلت منها إلى بلاد اليونان الهلنستية وروما. وتحتفظ الفاتيكان بإلياذة، والمكتبة الأمبروزية في ميلان بإلياذة؛ تعزى كلتاهما إلى القرن الرابع؛ وهما مزدانتان زينة يونانية ورومانية قديمة، ويبدو الانتقال من الزخرفة الوثنية إلى المسيحية واضحاً في الطبوغرافية المسيحية لصاحبها كزماس انديكبلوستيز Cosmas Indicoplenstes (حوالي 547).
وقد نال لقبه هذا “إنديكلبوستير” لأنه سافر إلى الهند بحراً، كما نال شهرته لأنه حاول أن يثبت أن الأرض مستوية. وأقدم كتاب ديني مزخرف باق إلى هذا اليوم هو سفر التكوين المكتوب في القرن الخامس والمحفوظ الآن في مكتبة فينا. والنص مكتوب بحروف من الفضة والذهب على أربع وعشرين “ورقة” من الجلد الأرجواني الرقيق. ويحتوي على أربعة وعشرين زخرفاً بيضاء وخضراء، وبنفسجية، وحمراء، وسوداء، تصور قصة الإنسان من سقوط آدم حتى موت يعقوب. ولا يقل عنه جمالاً الملف الصغير لكتاب يوشع المحفوظ في الفاتيكان وكتاب الأناجيل الذي زخرفه الراهب رابولا Rabula في أرض الجزيرة في عام 586.
 ومن أرض الجزيرة وسورية جاءت الصور والرموز التي كانت لها الغلبة في الكتابة التصويرية التي ذاعت في العالم البيزنطي. وقد تكررت هذه الكتابة في الفنون الصغرى واتخذت لها ألف شكل وشكل حتى ثبتت وأصبحت تقليداّ وعرفاً متبعاً، وكان لها نصيب موفور في جمود الفن البيزنطي. 
وإذا كان المصور البيزنطي مولعاً بالتصوير البراق الدائم فقد اتخذ الفسيفساء وسيلته إلى هذين الفرضين. ومن أجل هذا اختار الأرض حجراته مربعات من الرخام الملون كما يفعل المصريون واليونان والرومان من قبله أما السطوح الأخرى فكان يستخدم فيها مكعبات من الزجاج أو الميناء من جميع الألوان ومختلف الحجوم، ولكن سطحها في العادة كان يبلغ 1/8 بوصة مربعة.
وكانت الحجارة الثمينة تختلط أحياناً بالمكعبات، وكثيراً ما كانت الفسيفساء تستخدم في صنع الصور الصغيرة والنصمات التي توضع في الكنائس أو البيوت. أو تحمل في الأسفار عوناً لأصحابها على الزمن ودليلاً على التقي والخشوع. غير أن صانع الفسيفساء كان يفضل على هذه الصور الصغرى مجالاً أوسع هو جدران الكنائس والقصور. فكان في مرسمه يجرب وضع المكعبات على قطعة من الخيش عليها رسم ملون. وهنا كان يجهد عبقريته الفنية ليضع تحت يده الألوان المدرجة الذائبة بعضها في بعض كما يجب أن يراها الناظر من بعيد. وفي هذه الأثناء كانت طبقة من الأسمنت الغليظ، ثم طبقة أخرى من الأسمنت الرقيق توضعان على السطح المراد تغطيته. ثم يأتي صانع الفسيفساء ويضغط مكعباته في هذا القالب على غرار النموذج الذي وضعه لنفسه فوق الخيش، وقد جرت عادته على أن يضع حافاتها المقطوعة إلى الأمام لكي يقع عليها الضوء. وكان يفضل السطوح المنحنية كسطوح القباب، وأنصاف القباب الشبيهة بالأصداف لأنها تمتص في أوقات مختلفة بزواياها المختلفة أنواعاً عدة من الأضواء المطلة. ومن هذا الفن الشاق الذي يتطلب المهارة والجلد ألهم الفن القوطي في مستقبل الأيام غير قليل من فن تلوين الزجاج. 
وقد ورد ذكر هذا الزجاج الملون في النصوص الباقية من القرن الخامس ولكن شيئاً منه لم يبق حتى الآن، ويبدو أن صبغته كانت من خارجه لم تمزج فيه مزجاً(41). وكان صنع الزجاج بالنفخ وتقطيعه قد مضى عليهما الآن ألف عام وكانت سورية، أقدم مواطن الصناعيين، لا تزال مركزاً من مراكزهما.
وكان فن الحفر على المعادن الثمينة والحجارة الكريمة قد انحط بعد أيام أورليوس، ولهذا نرى الجواهر، والنقود، والأختام البيزنطية غير دقيقة الشكل والصناعة. لكن الصناع مع هذا كانوا يبيعون منتجاتهم لكل طبقة من الطبقات تقريباً، لأن البيزنطيين كانوا مولعين أشد الولع بالحلي. وكانت محال صنع التحف الذهبية والفضية كثيرة العدد في العاصمة، كما كانت الحقائق (جمع حق المختص بالنبيذ) والأقداح، وعلب المخلفات المصنوعة كلها من الذهب تزدان بها كثير من مذابح الكنائس، وكانت الصحاف الفضية تغطي موائد ذوي اليسار. 
وكان في كل بيت، بل يكاد يكون لدى كل شخص، شيء من النسيج الرقيق. 
وكانت لمصر الزعامة في هذا الميدان بما كان فيها من منسوجات رقيقة، متعددة الألوان، مزدانة بالصور، تصنع منها الثياب، والستر، وأغطية الفراش، وكان قبط مصر سادة هذه الميادين. وتكاد بعض الأقمشة المصرية التي كانت تزدان بها الجدران في تلك الأيام تضارع من الناحية الفنية أقمشة الجوبلين Goblins كان النساجون البيزنطيون الروم ينسجون الحرير المطرز، والثياب المطرزة، بل والأكفان المطرزة أيضاً -فقد كانت المنسوجات التيلية تصور عليها بالفعل ملامح الموتى. وكان الناس في القسطنطينية يعرفون ما يلبسون من الثياب، ذلك أن كل طبقة من أهلها كانت تعتز بنوع خاص من الثياب يميزها من غيرها وتدافع عنه أقوى دفاع، وما من شك في أن أية جماعة بيزنطية كانت تبدو برَّاقة كذيل الطاووس. 
وكانت الموسيقى محببة لجميع الطبقات منتشرة بينها، وكان ذا شأن متزايد في طقوس الكنيسة، وقد أعانت على مزج العاطفة بالعقيدة. وقد كتب ألبيوس Alypius في القرن الرابع مقدمة موسيقية بقيت منها حتى الآن أجزاء هي أهم ما نسترشد به في قراءة العلامات الموسيقية اليونانية. وقد استبدلت في ذلك القرن بالحروف الهجائية التي كانت بها الأنغام علامات رمزية، ويبدو أن أمبروز هو الذي جاء بهذه العلامات إلى ميلان، وأن هيلاري Hilary هو الذي أدخلها في غالة، وجيروم في روما.
وألف رومانس الحمصي Romanus، الشماس الارثوذكسي الرومي الحمصي واليروتي لاحقاً  في أواخر القرن الخامس ألفاظ الترانيم التي لا تزال حتى الآن جزءاً من الطقوس الدينية الارثوذكسية ولحنها، وليس ثمة ما يضارع هذه الترانيم في عمق الشعور وقوة التعبير. وكتب بؤيتيوس مقالاً في الموسيقى لخص فيه نظريات فيثاغورس وارستكسنوس Aristoxenus وبطليموس. وقد ظلت هذه الرسالة تدرس في جامعتي أكسفورد، وكمبردج يوم كنا نحن طلاباً. ولكن النهضة الموسيقية في الموسيقا الرومية هي للقديس يوحنا الدمشقي في القرن الثامن الذي وهو راهب في دير القديس سابا في فلسطين  ضبط الموسيقا ووضع لها الابجدية الموسيقية وعلاماتها وواءمها مع احرف الهجاء ووضع الالحان الثمانية وادخل اليها المقامات الموسيقية الشرقية فجاءت الموسيقى الرومية من ابدع مايكون في الموسيقا الكنسية وبدون استخدام اي آلة موسيقية.
وبعد، فإن من واجب الإنسان أن يكون شرقياً إذا شاء أن يفهم الفن الشرقي على حقيقته. 
وإن المعنى الجوهري الذي يدركه العقل الغربي من النزعة البيزنطية  الروميةهو أن الشرق قد سرى في قلوب اليونان وتغلغل في أفئدتهم  في الحكومة الأتوقراطية، وفي الطبقات المتدرجة الثابتة، وفي ركود العلم والفلسفة، وفي الكنيسة الخاضعة لسلطان الدولة، والشعب الخاضع لسلطان الدين، وفي الثياب الفخمة والحفلات العظيمة، والطقوس الدينية ذات الألفاظ الطنانة الرنانة والمناظر الرائعة، والنغمات الموسيقية الساحرة المتكررة التي تستحوذ على النفوس، وتغمر الحواس بفيض من الألوان البراقة، وأخضع الطبيعة للخيال، والفن التمثيلي للفن الزخرفي.
ولقد كان من شأن الروح الهلنستية القديمة أن تجد هذا كله غريباً عنها لا تطيقه، ولكن بلاد اليونان نفسها  كانت وقتئذ جزءاً من الشرق لذلك قلنا ونؤكد ماقلنه في مقدمتناعن الامبراطورية الرومية الشرقية والكنيسة الرومية. 
( عن الايقونة الارثوذكسية عن قصة الحضارة لول ديورانت  بتصرف واضافات د.جوزيف زيتون)
حاشية (1) الكاتدرائية هي كنيسة البطريرك او مطران الابرشية وهي الكنيسة الكبرى كالكاتدرائية المريمية بدمشق وكاتدرائية القديس جاورجيوس في بيروت وكاتدرائية القديسين الاربعين في حمص…