ثقافة القطيع

ثقافة القطيع…

ثقافة القطيع…

الفرد والجماعة

الإنسان كائن اجتماعيّ، يعيش ضمن جماعات يرتبط وإياها بعلاقات متبادلة متعدّدة، مما يوفر له سبل العيش، وكافة الاحتياجات، والمتطلّبات التي لا يستطيع الاستمرار في الحياة دونها، وهو بدوره يقدم أيضاً لجماعته خدمات عديدة، بحسب موقعه، وبحسب المسؤوليّات المناطة به أيضاً. في الواقع إنّ الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل ما هو أعمق، وأهمّ أي الأفكار؛ ذلك أنّ الفرد يستمد العديد من أفكاره ممن حوله، وهو في الوقت ذاته يزوّد من حوله بها أيضاً في علاقة متبادلة لا تنتهي، والأفكار التي تحتوي عليها عقولنا عليها هي التي تحدد شكل الحياة، ومغزاها، ومن هنا فقد اهتم المختصّون بدراسة هذه العلاقة المتبادلة بين الفرد، والجماعة، خاصة من الناحية الفكريّة، فخرجوا بالعديد من الاستنتاجات الهامة والحسّاسة، والتي تصف ما يجري فعلياً على أرض الواقع.

ثقافة القطيع

من المصطلحات شائعة الاستعمال في وصف العلاقة الفكرية بين الفرد بالجماعة مصطلح ثقافة القطيع، حيث يطلق هذا المصطلح على السلوك الذي يتبعه الأفراد عند انضمامهم إلى جماعة ما، حيث تتحول تصرفاتهم من تصرفات مبنيّة على التخطيط، والعقلانيّة إلى تصرفات متأثرة بسلوك هذه الجماعة، وقد استمد هذا المصطلح تسميته هذه من سلوك الحيوانات في قطعانها، أو أسرابها، أو جماعاتها التي تلتحق بها. إن انصهار شخصية الفرد ضمن جماعة يعني أن هذه الجماعة سوف تمنحه إحساساً بالقوة والمنعة، مما يجعله يتحوَّل عن صفاته الأولى إلى صفات أخرى متماهية تماماً مع صفات الجماعة، الأمر الذي يؤدي إلى إيجاد أفراد متشابهين إلى حدٍّ بعيد يكوّنون فيما بينهم قطيعاً يُمكِّنهم من القيام بأي فعل كان حتى لو وصل الأمر إلى إسقاط الدول كما يجري في المظاهرات، وحركات التحرر،

ثقافة القطيع
ثقافة القطيع

وما إلى ذلك. لثقافة القطيع العديد من المخاطر، خاصة إن تعلق الأمر بمسائل حساسة كمسائل الحياة والموت، فمثلاً نجد أن شخصاً ما قد يكون مقتنعاً بفكرة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأنه قد عقد النية على تقديم المساعدة لبعض الأشخاص الذين يراهم يستحقون هذه المساعدة من وجهة نظره، ولكنه وعندما ينضم إلى جماعة ما تتحول مواقفه الأولى إلى مواقف تتشابه إلى حدٍّ بعيد مع مواقف الجماعة، فيستحيل كائناً لاإنسانياً، يُغيِّب العقل، والمنطق، والضمير لأجل إرضاء قطيعه، وبالتالي الحصول على بعض المنافع. الأشخاص الذين استطاعوا إحداث التغييرات الجوهريّة عبر التاريخ الإنساني، هم أولئك الأشخاص الذين تمردوا على جماعاتهم، واحتفظوا بهويتهم الفردية، وبقدرتهم على التفكير المنطقي، والعقلاني، فصاروا بذلك قادرين على توجيه الجماهير وإدارتها، وقيادتها نحو تحقيق أهدافهم سلبية كانت أم إيجابية.

ثقافة القطيع

” دَع التفكير لنا واستمتع بالتبعية”! يقوله الناس سواء كان خطأً أو صواباً.

التبعية في التقاليد

قد تكون بعض الأعراف الاجتماعية قد جاءت استجابة لظرف تاريخي معين، أو أن بعض التقاليد كانت مناسبة في زمن مضى، لكن هذه الأعراف والتقاليد ما زالت حاضرة لليوم وتواصل تأثيرها رغم تغير الظروف والمعطيات. ومن النادر أن يسأل أحد نفسه لماذا نفعل هذا، ولا نفعل ذاك ؟ باختصار، ما زال الماضي يحكم تفكيرنا ونحن نمشي على خطاه دون إدراك  ودون إرادة حقيقية واعية “إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مهتدون”.

والمشكلة أن كل فرد يعتقد أنه على صواب وأن جماعته هي التي تمثل الحق، ويعتقد أنه توصل لهذا الاستنتاج بعبقريته وذكائه، لكن في حقيقة الأمر أن الصدفة البحتة هي التي أوجدته في هذا المكان وهذا الزمان، وجعلته يحمل في عقله الباطن كل الموروثات الثقافية والأعراف والمعايير التي تحكم تفكيره حتى بات يظن أنها كل الحقيقة.

في الواقع إن هذه العقلية بقيت كإرث وكتراث ثقافي في معظم مجتمعاتنا رغم التعليم ونمو الثقافة وتطور الوعي العام، فالناس وخاصة المتعلمين قد يرفضون بعض السلوكيات التي يحددها الأغلبية (القطيع)، لكنهم في معظم الأحوال لا يجرؤون على التصدي لها حتى لا يتهموا بالخروج عن الجماعة أو المألوف!

لنُقرب الصورة 

ثقافة القطيع
ثقافة القطيع

في تجربة علمية، وضع أحد العلماء خمسة قرود في قفص، ووضع قرب السقف قطفا من الموز، وصار كلما اقترب أحد القردة من السقف لالتقاط موزة يقوم بمعاقبة جميع القرود برش الماء البارد عليهم. ومع الوقت امتنعت القرود عن محاولة التسلق والاقتراب من السقف، فقام العالِم بإخراج قرد واحد وإدخال قرد جديد مكانه، على الفور حاول القرد الجديد تسلق السقف، فقامت بقية القردة بمنعه من ذلك خشية العقاب، ثم أخذ العالِم بإخراج قرد وإدخال آخر مكانه وهكذا إلى أن انتهت جميع القرود القديمة وحلت محلها مجموعة جديدة، ولم يعد العالِم يعاقب القردة بالماء البارد، لكنها واصلت الالتزام بقانون منع الاقتراب من السقف دون أن تعلم السبب والعلة لهذا المنع!

في التجربة لم يكن هناك أحد من الخارج يمنع القردة الاقتراب من السقف، ولكن الذين أجريت عليهم التجربة وجدوا أنفسهم يفعلون أشياء غير منطقية ويمتثلون لقوانين وهمية ترسخت في عقلهم الباطن، ببساطة، لأنهم إنما يفعلون ما يفعل الآخرين.

وكل ما سبق هو واقع نعيش فيه لكن بأيدينا يمكن أن نخرج من ثقافة القطيع إلي ثقافة الرأي القائم على المنطق والمعرفة والتفكير السليم، فالأشخاص الذين استطاعوا إحداث التغييرات الجوهريّة عبر التاريخ الإنساني، هم أولئك الأشخاص الذين تمردوا على الأغلبية واحتفظوا بهويتهم الفردية، وبقدرتهم على التفكير المنطقي والعقلاني، فصاروا بذلك قادرين على توجيه الجماهير وإدارتها وقيادتها. فليس دائما الأغلبية تعني الصواب، ولعلّي أذكر هنا أن غاليلو كان على حق عندما قال أن الأرض دائرية وتدور حول الشمس وكاد أن يُقطع رأسه من قبل الكنيسة بسبب آرائه ومعتقداته التي ثبت أنها صحيحة في نهاية الأمر!

لو تأملنا في ما حولنا برهة، لرأينا الكثير من المشاهد في حياتنا اليومية التي تؤكد أن الإنسان يتأثر بالمجتمع الذي يعيش فيه، حيث نرى أن الفرد يستمد العديد من قراراته الشخصية والروتينية بناء على التصرف الذي يراه من الآخرين دون وعي أو تفكير، وهو في الوقت ذاته يزوّد من حوله بها أيضاً في علاقة متبادلة لا تنتهي.

إذ نرى الشخص يتأثر تأثراً شديداً بالآخرين بلا منهجيه واضحة، وبعقائد مزيفة، فيتشبه بهم في الملبس والمشرب والعادات والمفاهيم، ويعتقد أنه امتلك منزلة عالية ونجاحا باهراً، ولم يع أنه يحاول تعويض النقص بالتقليد ويتحقق لديه درجة من الرضى والاطمئنان النسبي. لكن في الحقيقة كل ذلك يدل على الانهزامية والتبعية المقيتة، إذ يصبح الانسان مجرد رقم تابع يكمل العدد ويكثر السواد ويتلقف كل شيء بلا تدقيق ولا عرض على العقل الذي وهبه الله إياه.

في الواقع إن هذا السلوك يجعلنا نقف أمام مصطلح “ثقافة القطيع” الذي يفسر ما يحدث في سوق الأسهم (البورصة)، حيث يلجأ الأشخاص إلى إجراء الصفقات بشكل غير عقلاني وتُحركه العاطفة، فيدخلون للسوق بسبب إقبال الناس عليه، ويخرجون منه إن رأوا الناس فروا منه دون تخطيط أو رأي شخصي لهم. فيستعمل هذا المصطلح في وصف العلاقة الفكرية بين الفرد بالجماعة، إذ يطلق على السلوك الذي يتبعه الأفراد عند انضمامهم إلى جماعة ما، حيث تتحول تصرفاتهم من تصرفات مبنيّة على التخطيط, والعقلانيّة إلى تصرفات متأثرة بسلوك هذه الجماعة، وقد استمد هذا المصطلح تسميته هذه من سلوك الحيوانات في قطعانها، أو أسرابها، أو جماعاتها التي تلتحق بها. وكم هو صحيح في حياتنا، فمعظم الأفكار والعادات والمعايير التي تحكم ممارساتنا اليومية إنما هي تطبيق حرفي لثقافة القطيع، ذلك لأن الفرد يرتاح نفسيا إذا كان منسجما مع الجماعة التي يعيش في وسطها، ونادرا ما يرغب أو يمتلك الجرأة لمخالفة ما هو سائد. 

لا ضير من التذكير بما يُعرف بـ”ثقافة القطيع”، أو قدرة الجماهير على التكيّف مع أحكام خاطئة. برهن على ذلك اختبارا ميلغرام وآش السيكولوجيان. الأول: جَعلْ متطوعين متنوعين يقومون بتعذيب شخص يراد منه أن يتعلم مفردات لغوية. يطلب من المتطوع أن بطلق شحنات كهربائية تتزايد باطراد (إلى أن تبلغ قوتها 450 فولت المميتة) في كل مرة يخطئ فيها المتعلم، بناء على أوامر من أحدهم. والهدف من الدراسة قياس استعداد المشاركين في إطاعة سلطة تأمر بتنفيذ ما يتناقض مع ضمائرهم.
ولقد نفذ 65 في المئة من المشاركين تجربة التعذيب تلك حتى النهاية. ولم يرفض تنفيذها أكثر من 24 في المائة. لذا نفهم لماذا أطاع الألمان هتلر! ولماذا خضع العراقيون لحكم صدام؟ ولماذا تخضع الجماهير  لأنظمتها والطوائف لزعمائها. 
ذلك أن عدد الأشخاص الذين لديهم الاستعداد لمقاومة السلطة أقل بكثير ممن هم على استعداد لطاعتها العمياء.
والأمر هنا يتعلق بمدى القدرة على تحمل المسؤولية الفردية أو عدمها. لقد برهنت هذه التجربة وغيرها أن المسؤولية الفردية تنتفي عندما يكون الشخص منفذا لأوامر شخص أو جهة أخرى، حينها يقل تأنيب الضمير. فهو غير مسؤول، لأنه ليس من قرر القيام بهذا العمل، بل قرر الآخرون عنه.
أما في تجربة آش فقدمت صورا فيها خطوط غير متساوية وكان على المفحوص أن يقارن مع صور أخرى ويقرر تشابه طول الخطوط فيما بينها. والهدف من هذه التجربة معرفة ما إذا كان الفرد يتكيف مع الجماعة ذات الأحكام الخاطئة. وفعلا عندما كانت تُجمِع المجموعة على الخطأ كانت غالبية المفحوصين يتبعونها.
أظهرت التجارب أن الرغبة في التكيّف تتعارض مع الرغبة في التغيير.
لماذا تتم الأمور بهذه الطريقة؟ ما الذي يفسر الانصياع للسلطة؟
إنها التنشئة الاجتماعية التي تدربنا على الطاعة، كما النقص في التعاطف مع الآخرين وعدم القدرة على إحلال أنفسنا مكانهم. ولأن المرجعية تمتلك سلطة تعتبر شرعية وذات مكانة: مرجع ديني، مرجع حكومي، منصب أكاديمي… أو أي سلطة رمزية.
فما سر التكيف الزائد دون أي تمييز؟
بعض العوامل الشخصية: رغبة الفرد بأن يكون محبوباً من قبل أعضاء الجماعة وغير منبوذ. الرغبة في أن يكون على صواب، والخجل الاجتماعي أو ألفة العمل والمحيط. لكن هناك أيضا حجم المجموعة والدعم الاجتماعي الذي توفره.
ويلاحظ أنه إذا كان هناك شخص واحد فقط يوافقك الرأي سيدفعك ذلك إلى الثبات على موقفك.
ولقد ثبت أن الأشخاص الذين يفضلون أن يكونوا على صواب على أن يكونوا محبوبين في الجماعة، هم أقلية وأقل تكيفا مع ضغوط المجتمع.
الأشخاص الذين لديهم الاستعداد لمقاومة السلطة أقل بكثير ممن هم على استعداد لطاعتها العمياء…
صحيح أن الانتماء إلى حضن حام وجالب للأمن، هو من الحاجات الأساسية لدى الإنسان كالحاجة إلى الطعام أو التناسل. لكن هناك ظروف تجعل حاجة الانتماء هذه أكثر إلحاحاً وتستعيد قوة أكثرية بسبب الخوف الأولي الذي يجتاح الفرد في ظروف معينة، فيصبح كالطفل الخائف الذي يبحث عن الطمأنينة في حضن الأم.
وفي ظل الانقسام الاجتماعي الحاد والصراع المذهبي المتفاقم والمرعي من الطبقة السياسية، إضافة إلى التهديدات العدوانية الخارجية وتفكك أجهزة الدولة ومؤسساتها، ناهيك عن التهديد بالانهيار الاقتصادي، يعيش المواطن في ظل الخوف والقلق على المصير.
تصبح الجماعة هي الملاذ الآمن للفرد والجهة التي تتحمل عنه المسؤولية وتقيه من الشرور. يسلّم الفرد قيادته في هذه الحالة إلى قائد موثوق يعفيه من المسؤولية. فيضعف إحساسه بمسؤوليته الفردية. ومع الوقت يعتاد التبعية المفرطة، لأي سلطة بديلة تأخذ على عاتقها مسؤولية القرار. وكلما ازداد الجهل تعمقت التبعية والخضوع، ما يجعل الفرد كالمدمن بحاجة إلى التوجيه الإجباري. فبعض الناس لا يتمتع بطبيعة تكفي لتخوله اتخاذ مواقف مستقلة أو ليفهم لماذا يرغم نفسه على القيام بما يقوم به!
يؤدي ذلك إلى جعل الجماهير غير قادرة على الحرية لأنها اعتادت الخضوع والطاعة السلبية للسلطة.