انسحاب القوات الاميركية من سورية

خربشات سياسية 31/1/2019 (تداعيات الانسحاب الاميركي من سورية)

خربشات سياسية 31/1/2019 (تداعيات الانسحاب الاميركي من سورية)

يحتدم الصراع بضراوة بين الرئيس الأميركي ترامب ومفاصل الادارة الاميركية وخاصة المخابرات المركزية الاميركية وفق قوله ان عليهم ان يعودوا الى مقاعد الدراسة متهما اياهم بعدم توخي الحقيقة تجاه الشرق الاوسط لجهة سورية وايران…
والخلاف مع الكونغرس ومجلس الشيوخ حول قراره بالانسحاب من سورية واليوم على مايبدو نجح الكونغرس باقرار تعطيل لقرار الرئيس بالانسحاب والنية تتجه الى تعطيل هذا الانسحاب…وترامب كان صادقاً في تنفيذ وعوده التي اطلقها في حملاته الانتخابية بسحب قوات بلاده من سورية…

على الرغم من الفوضى التي تعم العاصمة الأميركية واشنطن، نتيجة احتدام الصراع بين الرئيس ترامب وخصومه الديموقراطيين وحتى صقور الجمهوريين وصقور الادارة الاميركية وفي مقدمهم ماتيس وزير الدفاع المستقيل كرد فعل فوري على اعلان ترامب سحب قواته من سورية وذلك بشكل منفرد ، خصوصا مع تزايد التسريبات عن التحقيقات الجارية بشأن علاقة حملة ترامب مع روسيا، وعلى الرغم من التصريحات المتضاربة بين مسؤولي الإدارة بشأن توجهات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط تحديداً، إلا أنه بات واضحا أن قرارا بالانسحاب من صراعات المنطقة قد تم اتخاذه بالفعل، وأن واشنطن فقدت الرغبة في الاستمرار بلعب دور الشرطي فيها، وعلى قول ترامب ان اميركا تتكلف كثيرا في سورية كما استقر عليه الحال منذ حرب تحرير الكويت عام 1991. وقد بات هذا الأمر يلقى إجماعا في واشنطن، ويكاد يكون الوحيد الذي يحظى بهذه الصفة بين كل ألوان الطيف السياسي الأميركي، من جماعة حزب الشاي (Tea Party) في أقصى يمين الحزب الجمهوري إلى متشددي اليسار الذين يمثلهم بيرني ساندرز في الحزب الديموقراطي، وأن تنفيذه يجري على كل المستويات، ولا يلقى اعتراضا من أي جهة، بما فيها الإعلام، ولو من باب المناكفة أو المصالح الحزبية الضيقة، فالجيش الأميركي بدأ فعليا إجراءات الانسحاب من شرق سورية، وإنْ بوتيرةٍ أبطأ مما أعلن عنه سابقا، على أمل التوصل إلى اتفاق تضمن بموجبه واشنطن عدم حصول صدام بين قسد والاكراد وتركيا اردوغان (والاخيرة باتت لاعبا اقليميا له وزنه بالقضية السورية) وعدم استفادة معسكر خصومها من خروجها لملء الفراغ. وقد ذهب الرئيس ترامب إلى أبعد من ذلك، عندما تساءل عما إذا كانت واشنطن تخدم معسكر الأعداء بقتالها تنظيم داعش، العدو الرئيس لروسيا وإيران.
في أفغانستان أيضاً، بات واضحا مقدار الاستعجال الأميركي للخروج وإنهاء الحرب الأطول في تاريخ الولايات المتحدة (منذ العام 2001). وقد تبين من تسريبات اليومين الماضيين أن اختراقا كبيرا تحقق في المحادثات التي استضافتها الدوحة أخيرا بين واشنطن وممثلين عن حركة طالبان،( وطالبان مصنفة اميركياً وفي الامم المتحدة انها منظمة ارهابية فكيف يتم هذا التواصل؟؟؟) لا بل بات هناك على ما يبدو مسودة اتفاق، تظهر حجم التنازلات الكبيرة التي قدمتها واشنطن، في سبيل الخروج من المستنقع الأفغاني، إلى درجة تثير شكوكا بشأن قدرة واشنطن على تسويقها لدى حكومة كابول.
سياسة الانسحاب من المنطقة بدأها الرئيس السابق أوباما بقراره الخروج من العراق، ولو بدون اتفاق، وهو ما حصل فعليا في نهاية عام 2011، كما وعد بسحب كامل القوات الأميركية من أفغانستان بحلول نهاية العام 2014، لكنه لم يستطع الوفاء بتعهّده ذاك بسبب تدهور الوضع الأمني هناك، واعتراض المؤسسة العسكرية التي خشيت من تكرار سيناريو العراق، وعودة الجماعات الجهادية إلى السيطرة، كما حصل مع تنظيم الدولة الإسلامية. وفي مقابلته أخيرا، بصفته رئيسا مع مجلة الأتلانتيك في إبريل/ نيسان 2016، أبدى أوباما ندمه على التدخل في ليبيا، ودافع عن موقفه الرافض التدخل في سورية. وعلى الرغم من الخصومة الشخصية التي تطبع علاقته مع أوباما، إلا ان ترامب في هذا الأمر ينفذ بأمانة رؤية سلفه وسياساته بخصوص الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط.
هل يُحدث الانسحاب الأميركي مشكلة؟ نعم إذا حصل من دون ترتيبات فالاتراك يسعون لتحقيق حلم الخلافة العثمانية بحلب والشمال السوري والعراقي وتدعي ان الحلفاء ظلموها في معاهدة سيفر، والفرصة الآن متاحة فالتعنت الكردي الذي طعن الدولة السورية ويترك المنطقة تحت الاطماع التركية كما حصل في عفرين ومنبج…، ومن دون ضمان عدم حصول فراغ يفتح باباً للاتراك والاكراد  لوراثة النفوذ الأميركي مع الاخذ بعين الاعتبار ان قسد تلقت هذا النبأ كالصاعقة وقال مسؤولون فيها ان ترامب طعننا في الظهر لأن ذلك يعني صداماً مع الاتراك لامحالة خاصة وتركيا تعلن عن مشروع عملية ضخمة شرق الفرات لطرد الارهاب الكردي…
 ما حصل في العراق بعد عام 2011 يؤكد أن الانسحاب الأميركي لم يحل المشكلة التي نتجت، في المقام الأول، عن الغزو والاحتلال، بل زادها سوءاً مع محاولة إيران تكريس نفوذها في العراق، ورد الفعل على ذلك، والمتمثل بصعودداعش المحمي بالاميركي. وفي سورية، بدأ التنافس على ملء الفراغ في مناطق شرق الفرات وهي خزان سورية الاقتصادي بالغلال والنفط والغاز والماء والسدود والكهرباء المتولدةمنه وفي المقدمة سد الفرات… حتى قبل أن ينفذ الأميركيون انسحابهم، وإذا تم الانسحاب من دون اتفاق، ووفق مبدأ “دعها تحترق”، فالأرجح أن الصراع الذي ستشهده المنطقة لن يقلّ حدة عن الذي نشب ضد تنظيم داعش. وينطبق الشيء نفسه على أفغانستان، حيث تتهيأ القوى الإقليمية المتنافسة للحصول على حصتها من مخلفات الأميركيين. ولن يؤدي الخروج الأميركي فقط إلى احتدام التنافس في ساحات الصراع المفتوحة على امتداد المنطقة، بل قد يؤدي أيضا إلى بروز صراعاتٍ جديدة، لا يمنع تفجرها حاليا إلا الوجود الأميركي. والتوافق مع روسيا صاحبة الكلمة الأقوى اليوم في سورية، مع الدور الايراني الداعم لموقف روسيا وسورية بسورية دولة واحدة…
هكذا هي أميركا، وجودها مشكلة، وخروجها مشكلة أكبر، ولا حل لها إلا أن نتراضى على التعايش مع بعضنا، من دون الحاجة إلى العصا الأميركية لتفصل بيننا.
اليوم مع المحاذير الخطيرة المحتملة من تطبيق قانون قيصر الاميركي والمقصود فيه كسر سورية المنتصرة على الارهاب ورعاته وفي مقدمهم اميركا اولا واوربة والاعداء الاقليميين لسورية والعربان وعدم تمكينها من قطف ثمرة النصر باعادة اعمار سورية  ان العنوان العريض لهذه العقوبات الافدح بعد خمسة عقود من العقوبات الاميركية على سورية ونقصد بها قانون قيصر هو التضييق على الشعب السوري بلقمة عيشه وسائر مقومات الحياة اليومية من تدفئة وكهرباء وماء وغذاء واسقاط الدولة السورية…
اليوم مع هذه المخاطر مامن شك ان التحديات كبيرة جدا ولكنها ليست مستحيلة فالعقوبات التي اوقعت على سورية في العقود الثلاثة الاخيرة من القرن الماضي كانت اصعب…
ولكن تحتاج الى تضحية اكبر وتكليف مختصين بادارة هذه الحرب ويسميهم المختصون ” الجيش الاقتصادي” ولجم الفساد واقصاء الفاسدين  وتسلطهم …وتقوية الجيش وقوى الامن للحفاظ على مكتسبات تحرير الاراضي السورية الذي تم من الارهاب والاحتلالات كافة.