شعار روسيا النسر ذو الرأسين

لمحة سريعة عن تاريخ روسيا

لمحة سريعة عن تاريخ روسيا

من الصعب جدا التجول في روسيا من دون معرفة تاريخها. نحن نعلم أنه ليس بالإمكان كتابة تاريخ البلاد الذي بدأ منذ آلاف السنين بصورة موجزة.

لذلك حاولنا أن نذكر المراحل البارزة وخصوصا تاريخ العلاقات بين روسيا وبلدان الشرق.

الشعوب السلافية الشرقية يعود أول ذكر لدولة «روس» (الروسيا) الى النصف الأول من القرن التاسع. ولكن مختلف المؤرخين ومن ضمنهم اسكندينافيون وبيزنطيون وعرب وفرس، لا يعطون صورة واضحة عن حدود وطبيعة هذه الدولة. ونجد في المصادر العربية ما يشير الى وجود شعب «روسي» ابتداء من القرن التاسع، كما جاء في مؤلفات الثعالبي والجغرافي العربي ابن خرداذبة وغيرهم.

ومنذ بداية القرن العاشر بدأت تظهر في الأدبيات العربية والفارسية قصص وأخبار وافية عن الروس القاطنين في جزيرة، وعن علاقاتهم مع الشعوب والأقوام الأخرى في شرق أوربة. وقد أصبحت هذه القصص ذات شعبية واسعة لدرجة أنه بات من الممكن مطالعتها بصيغ متباينة لدى كثير من الكتاب في الفترة ما بين القرنين العاشر والسابع عشر مثل ابن رسته ومطهر المقدسي والبكري والمروزي ونجيب همداني وزكريا القزويني وشمس الدين الدمشقي وغيرهم الذين كتبوها بأشكال مختلفة.

والمؤلفون العرب يتحدثون عن الموقف الودي للروس من الأجانب وكذلك عن شدتهم وبأسهم.

إن مساحة الأرض التي تشكل اليوم قلب روسيا كانت، قبل مجيء القبائل السلافية، موطنا للقبائل الفينية الأوغرية خلال فترة زمنية طويلة. وقد انسلخت القبائل السلافية الشرقية عن المجتمع السلافي في القرن السادس، خلال فترة الهجرة الكبرى للشعوب في (القرنين 4-7) من جبال الكربات واحتلالها سهوب شرق أوروبا. فاستيطان الأراضي الجديدة من قبل هذه القبائل لم يكن احتلالا، بل توغلا.

وكانت تمر عبر هذه الأراضي طرق تجارية معروفة، منها مثلا الطريق الذي كان يربط بين البلدان الاسكندينافية والقسطنطينية.

وكانت القبائل السلافية وثنية وتعبد الظواهر الطبيعية وتحترم الأجداد.

دولة روس كييف «كييفسكايا روس» تربط الأسطورة ظهور دولة روس باسم الأمير ريوريك. واستنادا الى السجلات التاريخية، توجهت القبائل السلافية في عام 862، نتيجة معاناتها الطويلة من الصراعات الداخلية في الشمال حيث انهكتها الصراعات والخلافات المستمرة، بالطلب الى ثلاثة أخوة  وأمراء اسكندينافيين هم ريوريك وسينيوس وتروفور، ليديروا شؤونهم. ووحد ريوريك بعد وفاة أخويه جميع مناطق الشمال والشمال الغربي التي تقيم فيها القبائل السلافية الشرقية والقبائل الفنلندية الأوغرية. وكانت العاصمة في نوفغورود. بهذا الشكل أصبح روريك مؤسس سلالة ريوريك التي حكمت روسيا حتى القرن السادس عشر.

الامير فلاديمير
الامير فلاديمير

وظهر مركز آخر لدولة قوية على الضفاف الوسطى لنهر الدنيبر بزعامة كييف. وقد كان أمراء كييف مقاتلين أشداء، حيث هاجموا ممتلكات بيزنطية في القرم، حتى أنهم هاجموا القسطنطينية.

بعد وفاة روريك استلم السلطة قريبه أوليغ، الذي ترأس الدولة الفتية الى أن شب إيغور ولي العهد ابن روريك.

تمكن إيغور من قتل أمراء كييف غدرا، ومن توحيد الدولتين. وهكذا بدأ تاريخ دولة روس، التي يطلق عليها البحاثة تسمية دولة كييفسكايا روس «روس كييف» نسبة الى عاصمتها مدينة كييف.

وكان فلاديمير أحد أشهر أمراء هذه الدولة، إذ كان قويا وحكيما، وبذل جهودا كبيرة من أجل تعزيز حدود الدولة وحمايتها، كما أنه اشتهر بوصفه معمِّد روس (حوالي 988-991)، وبعد ذلك وضعته الكنيسة في خانة القديسين الروس.

وحسب المعطيات المتوفرة، فإن أول مطران ارسلته كنيسة القسطنطينية الى روس كان ميخائيل وهو من أصل سوري وهو الذي قام ومعه البعثة الكنسية باجراء المعمودية للروس عام 988مسيحية.

بعد ذلك  استقلت الكنيسة الروسية رسميا عن القسطنطينية، لكن رئيسها لم يحمل لقب البطريرك قبل عام 1589 أي بعد اكثر من 100 عام على سيطرة الاتراك على  القسطنطينية. وكان ذلك باقتراح ودعم بطريركية انطاكية لدى البطريرك المسكوني.

وكان أمير كييف يحمل لقب «الأمير المعظم» وكان هذا اللقب ينتقل من أخ الى أخيه  حسب العمر. أما المدن الأخرى التي أصبحت مراكز للإمارات المحلية فإن الإمارة فيها كانت تنتقل من الأخ الكبير الى الأخ الصغير. وبنتيجة ذلك انقسمت أراضي روس تدريجيا ونشبت فيما بينها الحروب.

النير المغولي

ظهرت القوات المغولية بقيادة جنكيزخان على تخوم روسيا في بداية العقد الثاني من القرن الثالث عشر، وكانت تهاجم قبائل الكومان الرحل التي كانت روسيا تحاربهم تارة وتتحالف معهم تارة اخرى.

فطلب رئيس الكومان المساعدة من الأمراء الروس، لكن الطرفين لم يتوصلا الى اتفاق على حملة موحدة. ونتيجة لهذا خسرا المعركة التي جرت على ضفاف نهر كالكا عام 1223 وكانت خسائر الطرفين كبيرة جدا، حيث كان ضمن القتلى 12 أميرا من مجموع 21 شاركوا في المعركة.

بدأ الغزو المغولي لروسيا عام 1237 بقيادة باتو خان (ابن جنكيز خان)، الذي واجه مقاومة عنيفة، ولكنه تمكن من احتلال الإمارات الروسية الواحدة تلو الأخرى. قد نهبت المدن المحتلة وفرض على سكانها دفع الجزية وكان الخان المغولي هو من يسمح للأمير الروسي بحمل اللقب. فأصبح الروس يسمون الغزاة المغول بالتتر. وانتشر هؤلاء في مناطق واسعة من وسط وجنوب حوض الفولغا، حيث أسسوا دولتهم، التي أطلق عليها الروس اسم «الأورطة الذهبية». وفي أواسط القرن الثالث عشر  استقلت هذه الدولة عن الإمبراطورية المغولية. وشكلت الأقوام التركية والفينية – الأوغارية النسبة الأكبر من سكانها. ومنذ عام 1312 أصبح الإسلام السني دينا رسميا لدولة الأورطة الذهبية. وبهذا غدا الإسلام تاريخيا احدى الديانات التقليدية في روسيا.

بروز موسكو على مسرح الاحداث 

شارف النير المغولي على نهايته عمليا في النصف الثاني من القرن الرابع عشر. وفي عام 1380 وجه الأمير دميتري دونسكوي ضربة شديدة الى المغول في معركة كوليكوفو. ولكن استمر الروس بدفع جزية بسيطة مدة 100 سنة أخرى، أي لغاية عام 1480.

خلال هذه الفترة ازدهرت إمارة موسكو وأصبحت قوية، وبدأ توحيد الأراضي الروسية تدريجيا حول موسكو. انتهت هذه العملية في عهد الأمير إيفان الثالث الذي منح لقب «الأمير المعظم لعموم روسيا». ولأول مرة ظهرت في وثائق تلك الفترة كلمة روسيا واعتمد لها شعار نسر برأسين وهو رمز الإمبراطورية البيزنطية. وإن فكرة روسيا كوريثة لبيزنطة التي سقطت تحت وطأة الهجمات التركية الشرسة، ثبتت بزواج الأمير إيفان الثالث من صوفيا باليولوغ ابنة أخت آخر أباطرة بيزنطة.

إيفان الرهيب

وصلت قوة روسيا الى أوج عظمتها في عهد إيفان الرابع الملقب بـ (الرهيب). وكان هدف السياسة الخارجية لإيفان الرهيب هو تحطيم بقايا الأورطة الذهبية التي كانت قد انقسمت الى عدد من الخانيات.

وفي عام 1552 تم إخضاع قازان ومن بعدها أستراخان وتوغل الروس في سيبيريا وتقدموا نحو الشرق. وفي هذه الأثناء أعلن إيفان الرهيب نفسه قيصرا على روسيا وهو الذي عرف بأنه أحد أقسى حكام روسيا.

الفترة المظلمة

كان فيودور، ابن إيفان الرابع حاكما ضعيفا ومريضا، وتوفي دون أن يكون لديه وريث للعرش. وبوفاته تكون فترة حكم سلالة ريوريك قد انتهت. بعد هذا استلم السلطة بوريس غودونوف شقيق زوجة القيصر المتوفي. وقد اتهم كثيرون القيصر بوريس بأنه من خطط لقتل ديمتري الابن الأصغر لإيفان الرهيب. فاستغل البولنديون هذا الأمر وأعلنوا الحرب ثانية على روسيا، بحجة إعادة السلطة الى صاحبها الشرعي، الذي قالوا عنه، إنه نجا بإعجوبة من عملية الاغتيال، وأعلنوه وريثا للعرش في روسيا. توفي القيصر بوريس غودونوف في عام 1605، وحصل في البلاد عصيان شعبي ضد ابنه، استغله المحتال دميتري المنتحل صفة الوريث الشرعي ليجلس على العرش في موسكو. ولكن حكمه استمر أقل من سنة، حيث دفع تعسف البولنديين الذين جاؤوا معه  الناس إلى الانتفاضة التي أدت في نهاية المطاف الى قتل القيصر دميتري الكذاب أو المحتال. ومع ذلك ظهر محتال آخر باسم دميتري أيضا. وسميت هذه الفترة من تاريخ روسيا بـ «الفترة المظلمة»، حيث تخللها تغير رأس السلطة باستمرار وانتفاضات شعبية وظهور محتالين، إضافة الى الغزو البولندي والسويدي، مما أدى الى توجيه ضربة شديدة الى الاقتصاد والى تقلص عدد السكان كثيرا. وبعد أن وضعت المقاومة الشعبية بقيادة كوزما مينين والأمير دميتري بوجارسكي، نهاية لهذه الفترة المظلمة عام 1612، وتم طرد الغزاة البولنديين، اجتمع الأعيان وممثلون كافة طبقات الشعب وانتخبوا ميخائيل رومانوف قيصرا على روسيا، الذي كانت تربطه علاقة قربى بالقيصر إيفان الرهيب من جهة الام.

حكم سلالة رومانوف اعتلت عرش روسيا سلالة جديدة هي سلالة رومانوف التي استمر حكمها لروسيا ثلاثة قرون.

فاستعادت روسيا هيبتها وقوتها في عهد القيصر أليكسي ابن ميخائيل رومانوف والذي بدأت الكنيسة خلال فترة حكمه تلعب دورا مهما في إدارة الدولة.

زار روسيا خلال سنتي (1654-1655) بطريرك أنطاكية الأرثوذوكسي مكاريوس الثالث، وهو والد بولس الحلبي رئيس الشمامسة، الذي ترك وصفا جميلا عن روسيا باللغة العربية. كان الهدف الأساسي للزيارة هو جمع التبرعات والهبات لدعم الكنيسة الأنطاكية. وتوسعت الحدود الروسية خلال هذه الفترة مجددا توسعا كبيرا، واندلعت في روسيا الصغرى (أوكرانيا) انتفاضة شعبية ضد المحتل البولندي، انتهت بانضمام أوكرانيا الى روسيا عام 1654. كما ضمت موسكو بنتيجة الحرب مع تركيا وإمارة خانية القرم خلال اعوام 1676-1678 أراضي جديدة، هي اليوم ضمن حدود أوكرانيا. وانتهت في هذه الفترة عمليات ضم سيبيريا والشرق الأقصى الى روسيا.

فترة حكم بطرس الأكبرتميزت فترة حكم بطرس الأكبر بحدوث تغيرات جذرية في روسيا. فقد كان بطرس الأكبر منذ طفولته مولعا بالقضايا العسكرية، حيث سعى الى تشكيل جيش وبناء أسطول بحري على غرار الأساطيل الأوروبية. كما أنه عمل تدريجيا على إجراء اصلاحات في إدارة الدولة حسب النموذج الأوروبي وغرس عاداتِ وتقاليدَ الطبقات الاجتماعية الأوروبية الراقية في المجتمع الروسي. وقد أدت الانتصارات المحققة على القوات التركية والسويدية، الى توسع حدود الدولة الروسية وتوطيد مواقع روسيا في المحافل الدولية. كما أبعد البطريركية واخضعها لسلطة الدولة المركزية. وبعد انتصاره على القوات السويدية أعلن عن قيام الإمبراطورية الروسية.

بنى بطرس الأكبر مدينة سانكت – بطرسبورغ التي أصبحت عاصمة روسيا الجديدة.

روسيا – امبراطوريةب

دأت بعد سلطة بطرس الأكبر القوية، مرحلة جديدة عرفت بمرحلة انقلابات القصر. وبنتيجة أحد هذه الانقلابات الذي دبرته ضد زوجها، اعتلت العرش الإمبراطورة يكاترينا الثانية، ذات الأصل الالماني، والتي امتد حكمها من عام 1762  ولغاية 1796. وخلال هذه الفترة استمرت يكاترينا في تثبيت مركزية السلطة في روسيا.

وبنتيجة انقلاب حدث عام 1801 اعتلى العرش حفيد يكاترينا الثانية الكسندر الأول، الذي تميز حكمه بالليبرالية، حيث اتخذ أولى الخطوات لتحرير الفلاحين ودرس مشروع تأسيس برلمان في روسيا (مجلس الدوما).

ولكن توقفت اصلاحاته عند هذه الحدود بسبب الحروب التي خاضتها روسيا.

استمر توسع حدود الدولة الروسية في القرن التاسع عشر. حيث تم عام 1783 التوقيع على  اتفاق انضمام جورجيا الى الإمبراطورية الروسية. وبنتيجة الحرب الروسية – الإيرانية 1804-1813، اعترفت إيران بانضمام داغستان وشمال أذربيجان الى روسيا. واستمرت الحروب مع تركيا. إضافة إلى ذلك بدأت روسيا تشارك في الأحداث الأوروبية، ففي عام 1805 دخلت موسكو في تحالف مع إنجلترا والنمسا ضد نابليون. فاجتاحت قوات نابليون الأراضي الروسية في يونيو/حزيران عام 1812، ولكن حرب الأنصار التي نظمها الروس وقسوة الشتاء الروسي انهكتا قوات نابليون كثيرا، بحيث لم يبق منها إلا القليل (دخل الأراضي الروسية 550 ألف مقاتل فرنسي وفي ديسمبر/كانون الأول لم يبق منهم غير 1600 مقاتل). وبموجب قرارات مؤتمر فيينا عام 1814 تم تقسيم بولندا، حيث أصبح الجزء الأكبر منها وبضمنه العاصمة وارسو تابعا للإمبراطورية الروسية.

بعد انتهاء الحرب ضد القوات الفرنسية المحتلة والتي سميت بالحرب الوطنية، ظهرت في المجتمع الروسي قوى جديدة تدعو الى تكوين دولة ديموقراطية. وبعد وفاة القيصر الكسندر الاول في ديسمبر/كانون الاول عام 1825 قام عدد من الضباط بتوجيه القوات العسكرية الموالية لهم الى احدى ساحات بطرسبورغ. وكان هدفهم منع القوات ومجلس الاعيان من اعلان ولائهم للقيصر الجديد. وتلا ذلك احتلال القصر واعتقال القيصر وعائلته.

وكان مخططاً لنشر بيان شعبي يتضمن الاعلان عن «القضاء على الادارة القديمة» وتشكيل حكومة ثورية مؤقتة، والغاء نظام القنانة. وسميت هذه الحركة بـ «انتفاضة الديسمبريين» لكن قضي عليها بقساوة شديدة من جانب القوات الموالية للقيصر الجديد نيقولاي الاول. وقد تم في عهد القيصر الكسندر الثاني ابن نيقولاي الاول، الغاء نظام القنانة واجراء اصلاحات في الادارات المحلية والمحاكم، حيث اصبح النظام القضائي في روسيا احد اكثر الانظمة ليبرالية في اوربة.

الثورات والحرب الأهلية في روسيا

تعقدت الأحوال الاجتماعية في روسيا بصورة حادة مع بداية القرن العشرين، وذلك بسبب ازدياد عدد الفلاحين وقلة الأراضي الزراعية، إضافة الى الركود الصناعي والحرب الفاشلة مع اليابان التي استنزفت خزينة الدولة. وخلال أعوام 1905-1907 حدثت في روسيا مجموعة من الاضرابات والمظاهرات شكلت في مجملها الثورة الروسية الأولى.

 فرضت هذه الأوضاع على حكومة القيصر اتخاذ بعض الاجراءات مثل سن دستور للبلاد وتأسيس برلمان من مجلسين. وانتشرت خلال هذه الفترة الافكار اليسارية وخاصة الماركسية، وعزز الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي (الحزب الشيوعي الروسي لاحقا) الذي كان قد تأسس عام 1898 مواقعه في البلاد.

احتفلت الإمبراطورية الروسية عام 1913 بمرور 300 سنة على اعتلاء عائلة رومانوف العرش الروسي برئاسة البطريرك الانطاكي غريغوريوس الرابع.

 وشهدت روسيا هذه السنة قمة التطور الاجتماعي – الاقتصادي. ولكن بعد سنة دخلت البلاد الحرب العالمية الأولى الى جانب كتلة الوفاق (تحالف إنجلترا وفرنسا وروسيا) ضد الحلف الثلاثي (المانيا والنمسا والمجر وإيطاليا التي خرجت من هذا الحلف مع بداية الحرب ودخلت الحرب الى جانب كتلة الوفاق. مقابل انضمام تركيا وبلغاريا  الى الحلف الثلاثي).

بدأت المعارك على الجبهة الشرقية بين القوات الروسية من جهة والألمانية من جهة أخرى، فتخللها كر وفر، وتمكنت القوات الروسية من تحقيق انتصارات كبيرة على القوات التركية في منطقة القوقاز. ولكن حين أصبحت كتلة الوفاق في هذه الأثناء قاب قوسين من الانتصار في الحرب، استلم البلاشفة في أكتوبر 1917 السلطة في روسيا واعلنوا خروج روسيا من الحرب ووقعوا اتفاق الصلح مع ألمانيا.

وقبل ذلك أي في فبراير/شباط عام 1917، ونتيجة للنقص في المواد الغذائية والخبز، بدأت الاضطرابات في بتروغراد (بطرسبورغ)، وتحولت فيما بعد الى انتفاضة مسلحة للتشكيلات العسكرية المرابطة في المدينة، فيما كانت القوات الموالية للقيصر تقاتل على الجبهة. وتحت ضغط حاشيته قرر القيصر نيقولاي الثاني، آخر قيصر من سلالة رومانوف، التنحي عن العرش في شهر مارس/آذار (اعدم القيصر وعائلته بأمر من البلاشفة عام 1918). وأصبحت السلطة في يد الحكومة المؤقتة التي شكلها الاشتراكيون والليبراليون.

سقطت الحكومة المؤقتة في شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه نتيجة الانتفاضة المسلحة التي قادها البلاشفة تحت قيادة لينين وتروتسكي. وأصبحت تلك الأحداث معروفة بثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى، على الرغم من أن هناك من يعتبرها انقلابا عسكريا.

وكانت أول خطوة اتخذها البلاشفة بعد استلامهم السلطة هي اعلان وقف العمليات العسكرية ومن ثم توقيع اتفاق صلح مع ألمانيا، فقدت روسيا بموجبه حوالي مليون كيلومتر مربع من أراضيها.

بعد ذلك نشبت الحرب الأهلية التي استمرت لغاية عام 1922. فأودت بحياة ما بين 8-13 مليون شخص (حسب معطيات مختلفة) بسبب الجوع والمرض والمعارك.

انتهت الحرب الأهلية باستيلاء البلاشفة على الجزء الأكبر من أراضي الإمبراطورية الروسية، والاعتراف باستقلال بولندا وليتوانيا ولاتفيا واستونيا وفنلندا، وكذلك الاعلان عن تاسيس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية من جمهوريات (روسيا، أوكرانيا، بيلاروسيا والقوقاز) في المناطق الخاضعة لسلطة البلاشفة في 30 ديسمبر/كانون الأول عام 1922 . عاما أنه لم يتفق حوالي مليوني مواطن مع وجهات نظر السلطة الجديدة فقرروا مغادرة البلاد. واستقر قسم من المهاجرين في أوروبا وأمريكا، وقسم في البلدان العربية مثل تونس ومصر والمغرب وقسم صغير في سورية ولبنان.

عصر الاشتراكية 

أصبح الحزب الشيوعي أساس السلطة الجديدة، حيث بنتيجة الارهاب الذي اتبعته السلطة الجديدة قضي على الأحزاب الأخرى. وكان الأمين العام للحزب يترأس اللجنة المركزية ويقف على رأس الهرم الحزبي. وكانت القرارت المهمة تتخذ في مؤتمرات الحزب. وأول أمين عام للحزب بعد وفاة لينين عام 1922 كان يوسف ستالين، الذي عمل من أجل تعزيز سلطته الشخصية.

استمرت حدود الاتحاد السوفيتي بالتوسع وأصبحت قريبة من حدود الإمبراطورية الروسية السابقة. ففي عام 1939 تم التوقيع على اتفاق بين روسيا وألمانيا يتضمن تقسيم أوربة بينهما، وبموجب هذه الاتفاقية أصبحت منطقة أوروبا الشرقية تحت نفوذ الاتحاد السوفيتي، وبنتيجة ذلك اعيدت إليه كافة أراضي غرب أوكرانيا  وغرب بيلاروسيا وبلدان البلطيق.

الاتحاد السوفيتي في سنوات الحرب العالمية الثانية (1941–1945)

لم يدخل الاتحاد السوفيتي، الذي وقع اتفاقية سرية مع ألمانيا، الحرب العالمية الثانية خلال ثلاث سنوات. ولكن في 22 يونيو/حزيران 1941 هاجمت قوات ألمانيا النازية الاتحاد السوفيتي منتهكة اتفاقية عدم الاعتداء الموقعة بين البلدين. وتمكنت القوات السوفيتية من إيقاف تقدم القوات الألمانية في خريف عام 1941، وبدأت في ديسمبر/كانون الأول 1941 هجومها المعاكس، حيث شكلت معركة موسكو علامة مميزة لهذا الهجوم ولمجريات الحرب العالمية الثانية عموما.

 ولكن خلال صيف وخريف عام 1942 تمكنت القوات الألمانية من التقدم نحو حوض الفولغا واحتلت مساحات شاسعة من الاتحاد السوفيتي. ومنذ ديسمبر/كانون الأول 1942 وفي عام 1943 حدث انعطاف حاسم في مجرى الحرب العالمية الثانية، نتيجة انتصار القوات السوفيتية في معركتي ستالينغراد وقوس كورسك. لقد انتهت الحرب العالمية الثانية بانتصار الاتحاد السوفيتي وبريطانيا وجيش التحرير الفرنسي والولايات المتحدة الأمريكية على ألمانيا وإيطاليا واليابان ورومانيا وفنلندا. وحررت القوات السوفيتية في أثناء تقدمها من عام 1944 ولغاية مايو/أيار 1945 جميع الأراضي السوفيتية التي كانت تحت الاحتلال الألماني وكذلك حررت بلدان أوربة الشرقية، حيث انتهت الحرب بتوقيع المانيا على وثيقة استسلامها دون قيد أو شرط.

 الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية

تفيد الاحصائيات المتوفرة، بأن الاتحاد السوفيتي فقد نتيجة الحرب 26,6 مليون شخص، إضافة الى الدمار الذي حصل في المؤسسات الصناعية التي كانت منتشرة في المناطق التي وقعت تحت نير الاحتلال الألماني. ومن جانب آخر حصل نمو وازدهار في المناطق التي أجليت إليها بعض المصانع. وقد حصلت طفرة كبيرة في الصناعات الحربية خلال سنوات الحرب، وهذا أدى الى حدوث تقدم في مجال البحوث العلمية وقطاع الصناعة. كما كان للانتصار فوائد سياسية مهمة. ومن نتائج الحرب ضم مدينة كونيغسبرغ الألمانية الى أراضي الاتحاد السوفيتي (أصبح اسمها بعد ذلك كالينينغراد).وبموجب اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا فرض الاتحاد السوفيتي سيطرته على مناطق محتلة في ألمانيا والنمسا خلال أعوام 1945-1949. وأقيمت في بلدان أوروبا الشرقية، انظمة شيوعية موالية لموسكو، وتم إنشاء حلف وارسو العسكري، ردا على تأسيس حلف الناتو.ولكن بعد انتهاء الحرب العالمية، بدأت مرحلة المواجهات الفكرية والسياسية بين الاتحاد السوفيتي وبلدان المعسكر الاشتراكي من جانب وبين البلدان الغربية من جانب آخر، والتي سميت بـ «الحرب الباردة» رافقها سباق التسلح. بعد الحرب العالمية الثانية تكون الاتحاد السوفيتي من 15 جمهوريات اتحادية وأصبحت مساحته تعادل سدس مساحة اليابسة على الكرة الأرضية، أي احتل المرتبة الأولى في العالم من حيث المساحة. ثم توفي ستالين عام 1953 واختير نيكيتا خروشوف لمنصب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفيتي.

تسمى فترة حكم خروشوف بفترة «الدفء»، حيث أطلق سراح العديد من المعتقلين السياسيين، وخف الاضطهاد قياسا لما كان عليه إبان حكم ستالين، كما انخفض تاثير الرقابة الفكرية.

لقد حقق الاتحاد السوفيتي نجاحات باهرة في مجال الفضاء وغيره من المجالات الانتاجية والعلمية خلال هذه الفترة، حيث أنشئت أول محطة كهرذرية في العالم (1954)، وأطلق أول قمر صناعي الى الفضاء (1957)، وأطلقت أول مركبة فضائية وعلى متنها انسان (1961) وغير ذلك. كما ترتبط باسم خروشوف اخفاقات في قطاع الزراعة وفي السياسة الخارجية للدولة، حيث اشتدت الحرب الباردة في عهده. في عام 1964 قررت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي، إعفاء خروشوف من منصب السكرتير الأول للحزب (لأسباب صحية)، فيما كان يقضي اجازته السنوية. وانتخبت ليونيد بريجنيف لهذا المنصب. ومع استلام بريجنيف السلطة تم القضاء على علامات «الدفء». وإن عدم رغبة بريجنيف في إجراء اصلاحات اقتصادية جدية، كان الاتحاد السوفيتي بأمس الحاجة لها، وكذلك كون أكثر قادة الحزب من كبار السن، أدت الى اطلاق مصطلح «زاستوي» أي “الركود” على هذه المرحلة.

وبالمقابل كرست السياسة الخارجية في زمن بريجنيف خلال سبعينيات القرن الماضي لعملية الانفراج في التوتر الدولي، حيث تم التوقيع على اتفاقيات مع الولايات المتحدة الأمريكية للحد من انتشار الاسلحة الاستراتيجية الهجومية.

الحرب في أفغانستان

 بطلب من حكومة محمد أمين، دخلت وحدات من القوات السوفيتية الى أفغانستان. فواجهت هذه القوات مقاومة عنيفة من جانب المعارضة الإسلامية إضافة الى حالات التمرد التي كانت تحدث في الجيش الأفغاني. لم يكن هدف القوات السوفيتية حماية نظام أمين، بل اسقاطه. حيث قتل أمين في اثناء عملية اقتحام القصر الرئاسي وتم تعيين ببراك كرمال رئيسا للبلاد. كانت القيادة السوفيتية تنوي إنهاء العمليات العسكرية في أفغانستان خلال فترة قصيرة، إلا أنها استمرت عشرة أعوام. وخلال هذه الفترة حاربت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، الاتحاد السوفيتي بصورة سرية من خلال تزويد المجاهدين الأفغان بالاسلحة. انسحبت القوات السوفيتية من أفغانستان عام 1989 بصورة كاملة.

التعاون مع بلدان آسيا وأفريقيا

منذ السنوات الأولى لاستلام الحزب الشيوعي للسلطة، أولت القيادة السوفيتية العلاقات مع بلدان آسيا وأفريقيا اهتماما خاصا، وساندت الحركات العمالية فيها على أمل قيام الثورة العالمية. فدعم الاتحاد السوفيتي في المراحل الأولى من خلال الكومنترن الحركات الماركسية في الشرق الأوسط، ومن ضمنها الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم العرب واليهود على حد سواء. وافق الاتحاد السوفيتي عام 1947على قرار الجمعية العمومية للامم المتحدة المرقم 181 والقاضي بتقسيم فلسطين، واعترف بدولة إسرائيل وأقام معها علاقات دبلوماسية. ولكن لم تنتهج دولة إسرائيل سياسة موالية للاتحاد السوفيتي، بل سياسة موالية للغرب والولايات المتحدة. مقابل ذلك ركز الاتحاد السوفيتي جهوده على دعم ومساندة البلدان العربية. فخلال العدوان الثلاثي على مصر وقف الاتحاد السوفيتي الى جانب مصر ضد العدوان ووجه إنذارا شديد اللهجة الى الدول الثلاث المعتدية. وبعد نشوب حرب الأيام الستة عام 1967، قطع الاتحاد السوفيتي الذي كان يصدر الأسلحة الى البلدان العربية، علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل. ومع ذلك لم تكن علاقات الاتحاد السوفيتي على ما يرام مع بعض البلدان العربية. فمنذ نهاية خمسينات القرن الماضي قدم الاتحاد السوفيتي الى جمهورية مصر مساعدات اقتصادية وقروضا ملائمة وشيد سد أسوان (السد العالي)، إضافة الى تزويد مصر بالأسلحة. وشارك المئات من الخبراء والأخصائيين السوفيت في تنفيذ المشاريع الكبيرة في مصر. كما منح عبد الناصر لقب بطل الاتحاد السوفيتي، على الرغم من مطاردته لأعضاء الحزب الشيوعي المصري. ولكن في عهد أنور السادات تأزمت العلاقات الروسية – المصرية حتى وصل الأمر الى قطعها عام 1981، ولم تعد إلا في عهد حسني مبارك.

واستمرت علاقات الصداقة بين موسكو وسورية والعراق، على الرغم من استيلاء حزب البعث الذي طارد واضطهد الشيوعيين، على السلطة في البلدين.

وساند الاتحاد السوفيتي حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية، من خلال علاقاته مع مختلف الفصائل الفلسطينية.

بدأ الدبلوماسيون السوفيت في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، اجراء مفاوضات سرية مع إسرائيل لتطبيع العلاقات الدبلوماسية التي أستؤنفت عام 1991. وكثف الاتحاد السوفيتي جهوده من أجل التسوية السلمية لمشكلة الشرق الأوسط. وفي عام 1991 انعقد مؤتمر مدريد، وأصبح الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة راعيين للعملية السلمية.

إعادة البناء (البيريسترويكا)استلم ميخائيل غورباتشوف السلطة في البلاد، 1985 وأعلن عن بدء عملية البيريسترويكا «إعادة البناء» والتي تعني إجراء اصلاحات اقتصادية وسياسية ترمي الى تكييف الاتحاد السوفيتي ليجاري التغيرات الاقتصادية في العالم وكذلك في منظومة العلاقات الدولية. ونتيجة لهذه الإصلاحات توترت العلاقات بصورة شديدة بين القوى السياسية التي تدعو الى الاستمرار في نمط التطور الاشتراكي من جانب وبين القوى والحركات السياسية التي تدعو الى اعتماد مبادئ النمط الرأسمالي في تطور البلاد اللاحق من جانب آخر، إضافة الى الصراع بين الطرفين حول مصير الاتحاد السوفيتي في المستقبل، من حيث العلاقة بين الجمهوريات السوفيتية وأجهزة إدارة الدولة. ومع بداية تسعينيات القرن الماضي وصلت عملية «إعادة البناء” الى طريق مسدود، ولم تتمكن السلطات من إيقاف تفكك الاتحاد السوفيتي.

تفكك الاتحاد السوفيتي (1990-1991)في آب 1991 حاولت مجموعة من ضباط لجنة أمن الدولة (KGB) القيام بمحاولة انقلابية وعزل ميخائيل غورباتشوف، الذي أصبح رئيسا للاتحاد السوفيتي. ففشلت المحاولة الانقلابية وأصبح تفكك الاتحاد السوفيتي أمرا محتوما. وفي ايلول 1991 اعترف مجلس الدولة بانفصال جمهوريات البلطيق (استونيا وليتوانيا ولاتفيا) عن الاتحاد السوفيتي.

 وفي بدايةكانون الأول عام 1991 وقع رؤساء كل من روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا على وثيقة تفكيك الاتحاد السوفيتي وإنشاء رابطة الدول المستقلة التي انضمت اليها الجمهوريات السوفيتية السابقة باستثناء جمهوريات البلطيق.

انتهى وجود الاتحاد السوفيتي رسميا كدولة في 26 ديسمبر/كانون الأول عام 1991. ونتيجة لذلك تقلصت مساحة روسيا (الدولة الوريثة للاتحاد السوفيتي) بنسبة 24 بالمائة (من 22,4 الى 17 مليون كيلومتر مربع)، وانخفض عدد السكان بنسبة 49 بالمائة (من 290 الى 148 مليون نسمة). وبدأ تاريخ روسيا الحديث من يوم 12 حزيران عام 1991، حيث أعلنت روسيا في هذا اليوم استقلالها على غرار ما أعلنته الجمهوريات السوفيتية الأخرى. وانتخب بوريس يلتسين كأول رئيس لروسيا، حيث بقي في هذا المنصب لغاية تنازله عنه في شهركانون الأول عام 1999.

بعد تنازل يلتسين، أصبح فلاديمير بوتين يمارس مهام رئيس الدولة مؤقتا الى أن انتخب في شهر مارس/آذار رئيسا لروسيا حيث شغل هذا المنصب مدة فترتين انتهتا عام 2008. وبعد انتهاء الفترة الدستورية لرئاسة بوتين انتخب دميتري مدفيديف عام 2008 رئيسا للبلاد لمدة اربع سنوات، وخلال هذه الفترة شغل بوتين منصب رئيس الوزراء. في شهر مارس/آذار عام 2012 أعيد انتخاب بوتين رئيسا لروسيا لمدة 6 سنوات بدلا من 4 بموجب التعديلات التي أدخلت على دستور الدولة.

مصدر البحثRT بتصرف واضافات