بشارة الملاك لمريم

مريم ويوسف

مريم ويوسف

“لما خُطبت مريم امه ليوسف وُجدتْ من قبل أن يجتمعا حبلى من الروح القدس” (متى19:1)

لقد ولد سيدنا يسوع المسيح من العذراء مريم بدون رجل. ولكن الانجيلي متى في ايراده جدول نسب يسوع المسيح ينتهي بيوسف مع أنه أب وهمي ليسوع ولا علاقة له بهذه الولادة العجيبة فكان الأجدر به ان ينتهي بالعذراء مريم التي هي الوالدة الحقيقية ليسوع المسيح بحلول الروح القدس عليها.

هذا سؤال يتبادر لأي مؤمن ليس لأنه يشك في صدق الانجيلي بل” لكي يكون مستعداً لاعطاء الجواب لكل من يسأل عن سبب الرجاء الذي فينا بوداعة وخوف” (ا بطرس15:3).

التقليد الكنسي يخبرنا بأن يواكيم وحنة والدي العذراء مريم كانا عاقرين. فكانا يصليان الى الله لينزع عنهما عار العقر. ونذرا أنه إذا رزقهما الله ولدا يكرسانه لخدمة الرب في الهيكل. فاستجاب الله صلاتهما وولدت لهما ابنة هي مريم. ولما صار لها من العمر ثلاث سنين قدمها ابواها الى الهيكل وفاء لنذرهما. وبعد يسير من الزمان توفي والداها. وكانت تقضي وقتها في الصلاة ومطالعة الكتاب المقدس والخدمة. ونذرت على نفسها وهي في الهيكل أن تبقى عذراء طول حياتها. ولما بلغت الابنة الرابعة عشرة من عمرها قال لها الكهنة الموكلون بتربيتها ان من الواجب عليها ان تغادر الهيكل وتتزوج. فأخبرتهم بنذرها. عندئذ سلموها الى رجل شيخ من أقاربها اسمه يوسف بصفة خطيبة ليعتني بأمرها.

جاء في سفر العدد اصحاح 30 عدد3 ومابعده

” إن نذر الابنة في بيت أبيها والزوجة في بيت زوجها لايثبت الا اذا سمع به أبوها أو زوجها ولم ينهها عنه أنا إن نهاها عنه (لم يوافق عليه) فإنه يُلغى والرب يصفح عنه”. 

ويظهر من سياق الكلام أن نذر العذراء عرفه يوسف ووافق عليه وخطبها لكي يحافظ على بتوليتها تحت اسم الزواج. ولم تكن العذراء مخطوبة ليوسف أو لو كانت تعيش لوحدها في الهيكل أو خارجة في بيتها وظهر عليها الحبل ثم الولادة لكانت الشريعة تدينها كزانية وتعدمها رجماً بالحجارة.(لاويين 10:20 وتثنية 22:22).

مريم خطيبة يوسف

تتم الخطبة عند اليهود بموجب الاتفاق بين والد الخطيبة، أو أقرب الناس اليها بالوكالة إذا كان والداها قد توفيا. ويمكن أن تستمر الخطبة عدة شهور وأن تبقى المخطوبة في بيت ذويها ولكنها تدعى زوجة للخاطب حالا بعد عقد الخطبة. والانجيلي متى يسمي يوسف رجل مريم بالاستناد الى هذه العادة. ( انظر في تكوين 21:29) حيث يقول يعقوب لخاله لابان” اعطني امرأتي لأن ايامي قد كملت فأدخل عليها.”

والملاك يقول ليوسف في الحلم: “لاتخف أن تاخذ مريم امرأتك مريم”(متى 20:1) والانجيلي يقول: “فلما نهض يوسف من النوم صنع كما أمره  ملاك الرب، فأخذ امراته  ولم يعرفها…الخ”(عدد24). ولما صدر أمر من اوغسطوس قيصر بأن يكتتب جميع المسكونة يقول الانجيلي: “وصعد يوسف من الجليل من مدينة الناصرة الى اليهودية الى مدينة داوود التي تدعى بيت لحم…ليكتتب مع مريم امرأته المخطوبة وهي حبلى، (لوقا2 5:4). والناموس الموسوي يامر بإعدام المخطوبة رجماً بالحجارة اذا ظهرت حاملاً من غير خاطبها (تثنية24-23-22). ويخول الرجل حق ترك زوجته باعطائها كتاب طلاق (تثنية1:24).

وكانت عادة، ان يذكر في كتاب الطلاق الاسباب الموجبة ويقدم شهوداً ويذكر اسماءهم. فيوسف اذ كان باراً لم يشأ ان يشهرها ويعرض مريم مخطوبته لقصاص الاعدام بتهمة الزنى ولا ان يسلمها كتاب طلاق مع ذكر الأسباب وأسماء الشهود فعزم على إبعادها سراً لأنه لم يكن يعلم شيئاً عن بشارة الملاك في الحلم”لاتخف ان تأخذ امرأتك مريم فان المولود انما هو من الروح القدس”.

بعدما بسطنا هذه المعلومات الضرورية للاحاطة بالموضوع والوقوف على أهميته نعود الى جدول النسب. قال الانجيلي قبلاً:”ابراهيم ولد اسحق واسحق ولد يعقوب ويعقوب ولد يهوذا…الخ.

أما هنا فلم يقل يعقوب ولد يوسف ويوسف يسوع المسيح بل قال يعقوب ولد يوسف ويوسف يسوع المدعو المسيح. لأن يوسف لم يكن أباً للمسيح بل خطيب أمه العذراء مريم ولهذا السبب ينسب الانجيلي ولادة يسوع الى العذراء مريم وحدها بقوله” التي منها ولد المسيح”.

يوجد أيضاً ناموس الوراثة (عدد26:9-8 وأخبار الأيام الأول2:22-21 ونحميا 63:7) وبموجبه يفرض على من تزوج من ابنة المائت التي أخذت الارض والميراث ان يكتب في جدول نسله ولعل يوسف بسبب خطبته لمريم كتب اسمه عوضا عن اسمها. وقد أجمع المحققون على أن الانجيلي متى  يورد نسب يوسف من سليمان بن داود ولوقا يذكر نسب العذراء مريم  من ناتان بن داود ولكن لايذكر العذراء مريم باسمها بل ينتقل رأساً من يسوع المسيح الى جده هالي أو ايلي ( ايلي ايليا كيم ايواكيم كلها تعني اسماً واحداً) لأن ذكر الأم في سلسلة الأنساب كاحدى حلقاته أمر غير مألوف وغير لائق. وعند اليونان كان الابن يُعرفْ باسم ابيه لا امه  ومثل ذلك عند اليهود. وأما نسبة الحفيد الى جده فامر مألوف. لذلك يقول الانجيلي لوقا في مطلع جدوله:” ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة وهو على ماكان يُظن ابن يوسف بن هالي او ايلي”والد العذراء مريم(لوقا 23:3).

ولما ولد يسوع وانتهت مهمة يوسف كحارس لبتولية العذراء مريم لم يعد يُذكر اسم يوسف الا كخادم لهذا السر العظيم. مثلاً في خبر زيارة المجوس يقول الانجيلي:”وأتوا الى البيت فوجدوا الصبي مع مريم أمه، ثم ولما انصرف المجوساذا بملاك الرب تراءى ليوسف في الحلم قائلاً قم فخذ الصبي وأمه واهرب الى مصر” ثم يقول أيضاً ” ولما مات هيرودس اذ بملاك الرب تراءى ليوسف في الحلم بمصر قائلاً قم فخذ الصبي وامه واذهب الى ارض اسرائيل، ولم يقل قم فخذ امرأتك.