احد القديس غريغوريوس بالاماس

الأحد الثاني من الصوم الكبير المقدس … أحد القدّيس غريغوريوس بالاماس

الأحد الثاني من الصوم الكبير المقدس … أحد القدّيس غريغوريوس بالاماس

مدخل…

ينتهي الأحد الأول من الصوم بتلميح إلى خدمة الملائكة. فالنص المقدس يقارن بين خدمة الملائكة وخدمة المخلِّص نفسه التي تفوقها. إذا كان العصيان التي تبلغنا إياها الملائكة هو معاقب حقاً، فكم تكون معاقبة الإنسان الذي يهمل خلاصاً بشَّر به المسيح وأتى به، إذ “لمن من الملائكة قال قط: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك”
إنجيل اليوم…

هذا اليوم قصة شفاء مخلع كفرناحوم. لقد غفر يسوع خطاياه، إذ تعجب الكتبة من أن أحداً غير الله يستطيع غفران الخطايا. فالموضوع الرئيسي لهذا الحادث هو القدرة على الغفران والشفاء معاً التي يمتلكها الرب يسوع. فلا يجب الفصل بين الغفران والشفاء. لكن لم تكن أول كلمة ليسوع: ” إشفِ ” بل “غفرت خطاياك”. فعلينا, في أوجاعنا الجسدية، أن نصلي من أجل تطهيرنا الداخلي، من أجل غفران زلاتنا، حتى قبل التماس النجاة المادية، وأخيراً أمر يسوع المشفى أن يحمل سريره إلى البيت. فعلى من غُفر له، وتغير داخلياً على يد يسوع، أن يبين لأهله (ليس بحمل السرير بل بالأقوال والأفعال) أنه إنسان جديد. إِنَّ تذكار بالاماس لم يدخل إلا في القرن الرابع عشر، في حين كانت فيه بنية هذا الأحد الليتورجية قد سبق إقرارها في مخطوط سابق. فقد عرض القديس غريغوريوس بالاماس العقيدة اللاهوتية المتعلقة بالنور الإلهي ودافع عنها دفاعاً جباراً، فالخدمة تتكلم بصورة عامة عن النور وعن الذي قال “أنا نور العالم”. تجمع نصوص السحر ثلاثة أفكار: فكرة المسيح الذي ينير الخاطئين، فكرة إمساك الصوم، وفكرة كلمة “قم” التي وجهها المخلص إلى المخلع والتي نوجهها نحن الآن إليه.
 القدِّيس غريغوريوس بالاماس

إنّ تثبيت القدّيس غريغوريوس بالاماس لتعاليم الكنيسة المقدّسة في القرن 14 ٱعتُبر ٱنتصارًا ثانيًا للأرثوذكسية بعد ٱنتصارها على محاربي الأيقونات. لهذا خصّصت الأحد الثاني من الصوم لذكراه إلى جانب عيده في 27 تشرين الثّاني الّذي هو تذكار رقاده، رغم أنّ البنية الليتورجية لهذا الأحد قد سبق إقرارها قبل القرن 14 بموجب خطوط أخرى.
”كان يمكن أن تُبتلَع الأرثوذكسيّة، ومعها الرّوحانيّة التّراثيّة، ممّا تفشّى في الوجدان الغربيّ. لكنْ، بعناية العليّ ووعي الكنيسة الأرثوذكسيّة، تأكّد لهذه الرّوحانيّة الثّباتُ واستعلتْ خبرةُ الرّهبان والمؤمنين، بعامة، يومذاك، على المخاطر والهجمة الوجدانيّة الفكريّة الشّرسة الّتي تهدّدتها، وكان القدّيس غريغوريوس بالاماس كنز الرّوح التّراثيّة بامتياز وكلمة الكنيسة الفصل منذ أوّل تاريخها إلى ذلك الحين. فقالت الكنيسة، في مجمعَين انعقدا في القسطنطينية في حزيران وآب سنة 1341 وتمّوز سنة 1351: ما خبره غريغوريوس والرّهبان وما قاله وكتب عنه، في شأن المعاينة الإلهيّة، هو ما خبرته وتختبره الكنيسة الجامعة منذ البدء وهو تعليم آبائها، بلا منازع، جيلاً بعد جيل.
من ذا أهمّية القدّيس غريغوريوس وتعظيم الكنيسة له!“ إن هذا الجليل ابن النور الذي لا يشوبهُ مساءٌ إنسان الله بالحقيقة وخادم الإلهيات العجيب قد كان منشأهُ من بلاد آسيا ابناً لوالدَيْن شريفي الحسب والنسب واجتهد أن يزيّن بالفضيلة والأدب ليس فقط الإنسان الخارجي المحسوس بل بالأحرى الداخلي الغير المنظور. فلمّا توفي أبوهُ ربّته والدته من صغر سنهُ مع إخوتِه وشقائقِه وأدّبتهُ بأدب الرب وبالنصائح الإلهيّة والعلوم الشريفة واعتنت بوضعِهِ عند معلمين ليتروض جيداً بالحكمة الخارجية فمذ مزج الجهد اللائق مع ذكاوته وحذاقته الطبيعية حصل في برهة يسيرة على علوم وفنون مختلفة. ولما بلغ إلى سن العشرين سنة احتسب كل الأشياء باطلة أرضية وأخدع من الأحلام. وطلب أن يبادر نحو الإله المسبب الواهب كل حكمة ويفرز ذاته بجملته له بواسطة سيرة فضلى كاملة فمن ثم كشف لوالدته قصده المرضي لله وشوقه وعشقه الحار نحو الله الكائن في قلبه منذ زمان طويل فوجدها مشتاقة وهي أيضاً لمثل ذلك ومبتهجة معه بالسوية لأجل ما عزم عليه. فجمعت الأم حالاً بنيها حولها وقالت بحبور ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم الله وجربت عزمهم نحو الأشياء الصالحة وكشفت لهم قصد أخيهم الأكبر وهو أيضاً تكلم معهم بأقوال نصحيّة فأقنعهم حالاً جميعهم ووجدهم تابعين بنشاط لعزمه وشوقه الحاصل عنده لترك الحياة والهرب منها. ففرّق موجوداته على البائسين حسب قول الإنجيل وغادر بشهامة الأنظار الملوكية والكرامات ومجد البلاط الملوكي وتبع المسيح. فبعد أن رتب والدته وشقائقه في دير العذارى أخذ أخوته وذهب إلى جبل آثوس المنسوب إلى القداسة. فأما أخوته فأقنعهم أن يلبثوا مقيمين في غير أديرة ويستسير كل منهم بالسيرة المرضية لله أن لم يسمح لهم الوقت بأنهم يجتمعون ويكونون متحدين مع بعضهم. وأما هو فسلم ذاته لطاعة رجل عجيب عائش بالهدو لله وحده يُدعى نيكوديموس الذي منه تعلم كل وصية وكل فضيلة بواسطة الأعمال بتواضع نفس وإذ اقتبل في ذلك المحل باستعلان سري معاضدة والدة الإله الكلية الطهارة وعونها للجميع الذي لا يُحارب بعد أن انتقل ذاك إلى الرب توجه إلى سيق سابا العظيم وأقام به مدة من السنين وبعد ذلك باهتمام عظيم وعزم يضاهي عزم الشيوخ انتزح عن السيق لأجل محبة الهدوء واعتنق الفقر. وإذا كان دائماً يزداد هيامه هياماً ويُؤثر أن يكون مع الله على الدوام دفع ذاته لتقشفٍ عظيم واستسار بغاية الزهد والتنسك فأصرف الحواس عن الأمور الأرضية وجمعها من كل ناحية بصلاة خشوعية ورفع العقل نحو الله وجعل الوقت جميعه لاهتمام الصلاة ودراسة الأمور الإلهية وثقف سيرته حسناً. فبموازرة الله دحض الجن بالكلية وقهرهم ببسالة وطهر نفسه بانسجام ينابيع العبرات مدى الليالي فحصل إناءً منتخباً لمواهب الروح الإلهي، واستحق لمعاينة المناظر الإلهية بتواثر. ثم والأعجب من ذلك أنه وبعد انتقاله إلى تسالونيكية بسبب غارات الاسماعيليين وإذ كان يعمل الاسقيطة (القلاية الرهبانية) التي في باريا وكان مضطراً أن يتردد ويقيم في بعض المدن ما ترك ولا بسبب ذلك أيضاً ما قد كان عليه من كمال السيرة والتصرف.
فلما نقى وطهر نفسه وجسده تطهيراً كاملاً في مدة من السنين ليست بيسيرة انتُخب من الله لقبول موهبة الكهنوت العظيمة وكان كفاقد الهيولى وخارج عن ذاته يكمل جميع أسرار هذه الخدمة حتى أنه كان بالنظر إليه فقط يُخشع نفوس الناظرين. فحصل عظيماً بالحقيقة وعُرف لدى المستسيرين بحسب ما يرضي الله أنه إناءٌ للروح وبما أنه هكذا كان يظهر أيضاً للذين ينظرون ظواهره أنه له قوة على الشياطين وينقذ من كان قد اقتُنص من حيلهم وخداعهم وينقل محل الأشجار إلى خصب ويسبق فينظر المستقبلات وكان مزيناً بباقي مواهب الروح الإلهي وأثماره. فبحيث أن فعل الفضيلة هو متعلق في إرادتنا إلا أن السقوط في التجارب ليس هو منوط بسلطتنا ولكون أيضاً بدون هذه لا يحصل كمال ولا إظهار الإيمان بالله (لأنه يقال أن العمل والشوق الصالح متى اجتمعا يكملان الإنسان المتصرف بما يرضي الله) فلذلك حصل السماح بأن يسقط هذا المعظم بتجارب ومحن مختلفة ومتواترة لكي بالجميع يظهر كاملاً بالحقيقة. فأي عقل يستطيع أن يتصور ما حدث له من ذلك وأي قول يمكنه أن يصف حيل المحارب الشديدة التي حصلت أعظم من التي سبقت قديماً وثلب محاربي الله المحدثين واتهامهم إياه والأضرار والأحزان المتنوعة التي احتملها منهم في مدة ثلاث وعشرين سنة التي ما كفّ محارباً فيها ومناضلاً عن حسن العبادة. لأن الوحش الإيطالي أعني برلام الكالافري إذ كان يتباهى ويترفع بالحكمة الخارجية وبباطل أفكاره وآرائه يحستب أنه خبير بكل شيءٍ أثار حرباً شديدة على كنيسة المسيح وعلى إيماننا المستقيم وجميع المعتصمين به اعتصاماً وثيقاً. لأنه كان يعتقد بجنون أن نعمة الآب والابن والروح القدس ونور الدهر العتيد الذي به سيلمع الصديقون كالشمس كما سبق المسيح فأظهره بإشراقه على الجبل وبالجملة كل قوة وفعل اللاهوت المثلث الأقانيم وكل ما يفرق قليلاً عن الطبيعة الإلهية هو مخلوق. وأما الذين بحسن عبادة يعتقدون أن ذاك النور الإلهي كما وكل قوة وفعل للاهوت هو غير مخلوق بما أن ولا خاصة من الخواص الطبيعية الإلهية هي محدثة لله فبأقوال وتأليفات مطنية كان يدعوهم برلام ذوي إِلَهَيْـنِ وكثيري الآلهة كما يسمينا اليهود وصاباليوس وآريوس. فلأجل ذلك استُدعي غريغوريوس من الكنيسة وحضر إلى القسطنطينية كمناضل ومجاهد شهير عن حسن العبادة ومحارب أشد بأساً وقابل كل ثلب ومذمة من أجلها وكان المحامي إذ ذاك عن حسن العبادة اندرونيكوس الملك الباليوغوس الرابع فعُقد مجمع شريف فلما حضر برلام وأظهر معتقداته السيئة الرأي ومثالبه للحسني العبادة امتلأ غريغوريوس العظيم روحاً إلهياً وتسربل من العلا قوةً لا تحارب فأبكم ذاك الفم المفتوح على الله وأخزاه للغاية وبأقوال وتأليفات نارية أحرق قش بُدعه وأحالها إلى رماد. فلما لم يحتمل الخزي هذا المحارب لحسن العبادة هرب نحو اللاتينيين من حيث وافى وأقام هناك وبعد ذلك حالاً هذا الأب غريغوريوس وبخ وفضح بوليكيندينوس بواسطة مجمع وبأقوال مضادة لتعاليمه الكاذبة أفرز مصنفاته. إلا أن المشاركين فساد أولئك ولا بذلك كفوا عن محاربة كنيسة الله. فلذا بإلزام المجمع الشريف والملك ذاته وبالأحرى بانتخاب من الله أذعن غريغوريوس وارتقى على سدّة رئاسة الكهنوت وحصل راعياً لكنيسة ثصالونيكية الشريفة. فتكبد جهادات أكثر جداً مما سبق من أجل الإيمان القويم الرأي بشجاعة وتجلدٍ لأنه بأقوال ومصنفات ملهج بها من الله بأشكال متنوعة نقض وقلب معتقدات وتأليفات خلفاء برلام واكيندينوس الأشرار لما ظهروا كثيرين وأشداء كنتائج ردية من وحوش ردية. وذلك ليس مرة أو مرتين أو ثلاث مرات فقط بل مرات عديدة وليس على عهد ملك وبطريرك واحد بل على عهد ثلاثة ملوك متقلدين صولجان الملك بتتابع ثلاثة بطاركة ومجامع يعسر إحصاءها وقهرهم بالكلية وحطم قوتهم للغاية. مع ذلك قد بقي بعض منهم على هذه الصورة لما لم ينعكفوا ولا انثنت عزائمهم ولا احتسبوا القضاء العلوي شيئاً. لأن ومن جميع الهرطقات يوجد أيضاً للآن بقايا تتواقح على القديسين الذين ضمحلوها لكي لا أقول جنس اليهود الكلي الجسارة والقحة الذي وللآن أيضاً هو مصرٌ على جنونه ضد المسيح. فهذه هي كمية وكيفية ظفر المعظم وانتصاره على الملحدين بوجه الاختصار إلا أن الله بطرائق لا يُلفظ بها أرسله معلماً للمشارق فأرسل كسفير من ثسالونيكية إلى القسطنطينية ليصالح الملوك بما أنه كان بينهم خصومة فقُبض عليه من الهاجريين وضُبط عاماً كاملاً جائلاَ من مكان إلى مكان ومن بلدة إلى بلدة ومعلماً بإنجيل يسوع بشهامة. فأما للثابتين في الإيمان فكان يوطد بالأكثر ويقوي وينصحهم أن يلبثوا مقيمين على الإيمان. وأما للمتقلقلين به الذين كانوا يوردون بعض مشكلات وأبحاث عما كان يصير في ذاك الوقت فكان يثبت بحكمة إلهية مانحاً إياهم العلاج الكافي والحل لما كانوا يعترضون به. وأما لباقي الكفرة والذين انشقوا بشقاوة عن المسيحيين ولاذوا بأولئك الثالبين اعتقاداتنا في تديبر تجسد ربنا وإلهنا وسجودنا للصليب الكريم والإيقونات المقدسة كان يخاطب أحياناً كثيرة بمجاهرة. وكان أيضاً يتكلم عن محمد وعن مباحث أخرى كثيرة مقدمة منهم. فالبعض كانوا يتعجبون منه وآخرون كانوا يزأرون ويمدون أياديهم عليه الذين لولا أملهم بأخذ أمواله لكانوا أماتوه شهيداً. إلا أن العناية الإلهية حفظته كما ذكرنا فبعد أن جرى ذلك نُجي المعظم وأنقذ من محبي المسيح ورجع ثانياً إلى رعيته سالماً كشاهد بغير سفك دمه فمع المواهب والمزايا الأخرى العظيمة التي كانت له تزين أيضاً وهو بعلامات المسيح حاوياً في ذاته كما يقول بولس أعواز المسيح. ولكي نُظهر بعض من خاصياته نذكر أخص ما يكون وهي هذه الوادعة والتواضع بما يفوق الحد حيث لم يكن قول عن الله وعن الأمور الإلهية لأن في مثل ذلك كان محارباً شديداً. عدم الحقد وفقدان الشر. الاهتمام بقدر الاستطاعة. بأن يجازي بالحسنات للذين كانوا يظهرون أردياء في بعض أشياء نحوه. عدم تصديق السعاية والأقوال ضد الآخرين بسهولة. الثبات والتجلد بإزاء المحن الصعبة الواردة عليه. التنزه عن كل لذة ومجد فارغ. التذلل والاقتصاد في جميع مقتضيات الجسد مع أنه كان ضعيفاً جداً من جراء الوقت. التجلد بهدوء وعدم اضطراب. البشاشة دائماً التي كانت بهذا الحد مطبوعة فيه حتى أنه من ظواهره كان يُعلم للناظرين. ثم التعقل والإصغاء في كل شيء. عدم خلو عينيه من الدموع تقريباً على ما كان يحدث بل توجّعهُ دائماً لذلك بينابيع دموع. فعلى هذا المنوال جاهد مكافحاً بإزاء الآلام والشياطين من الابتداء إلى الانتهاء وطرد الأراتقة بعيداً عن كنيسة المسيح وجاهر بالإيمان القويم الرأي بأقوال ومصنفات التي بواسطتها ختم كل كتاب ملهج به من الله بما أن سيرته وقوله حصل كخاتمة وختمٍ لسيرة القديسين وقولهم ورعى أيضاً رعيته رعاية رسولية ومرضية لله مدة ثلاث عشرة سنة وزينها بأقوال أدبية وقادها إلى صيرة سماوية وحصل كفاعل عمومي للأرثوذكسيين الذين كانوا إذ ذاك أحياءً وللصائرين من بعدهم. ثم انتقل إلى حياة فائقة العالم في سنة ألف وثلاثمائة واثنتين وستين من المسيح بعد أن عاش ثلاث وستين سنة فأما روحه فأسلمها بيد الله وأما جسمه الشريف فتركه للرعية الذي هو باقٍ لحد الآن في مدينة ثسالونيكية متلألئاً وممجداً في النهاية بحالة بديعة كميراث وكنز فائق الثمن. لأنه يجود بالعجائب دائماً على كل من اقترب إليه بإيمان ويمنح العتق من أسقام مختلفة التي تاريخه قد يصف منها جانباً ليس بيسير.