ظاهرة الستيجماتا stigmata

ظاهرة ال “ستيجماتا” تحت المجهر

ظاهرة ال “ستيجماتا” تحت المجهر

هي من أكثر الظواهرالغريبة والنادرة في عالم ما وراء الطبيعة، وتتمثل بحدوث متكرّر لآثار جروح ونزيف دم يخرج من أنحاء مختلفة من جسم الانسان، وتحديداً في المواضع الناتجة عن آثار صلب السيد المسيح (اليدين، الرجلين، الجنب، الرأس) ولكن بدون أي إشارة لوجود ضَرر مرئيّ على الجسد، على الرغم من أنه يُسبّب معاناة قوية !
ارتبطت تلك الظاهرة بما يؤمن به الكثيرون من أتباع الكثلكة البابوية، حيث يرون أنها معجزة، وتجسيدٌ حيّ لآلام وصلب السيد المسيح، وبأنها نعمةٌ من الله، وتجعل من الشخص الذي تحدث له إنساناً يختبر آلام المسيح، إلى درجةٍ يُمكن معها أن يُصبح قديساً في اعتقادهم، عندما تقوم الدوائر المختصة في الفاتيكان بتطويبه !
والستيجماتا στίγματα هي كلمة يونانية وردت في العهد الجديد على لسان القديس بولس الرسول في رسالته إلى كنيسة غلاطية 6: 17 حيث يسألهم الرسول ألّا يُضايقه أحد، لأنه يحمل في جسده “سِمَات” (στίγματα) ربنا يسوع المسيح. فقد حمل القديس بولس في جسده علامات عبودية ربنا يسوع المسيح، حيث لاقى بسبب ايمانه بالمسيح والتبشير به، الكثير من الاضطهادات والسجن والجَلد والضرب بالعِصيّ والرَجم بالحجارة (راجع 2 كورنثوس، فصل 11). لذلك فهو يقول أنه يحمل في جسده من الآلام ما يُشبه ما حمله السيد المسيح نفسه، وبولس الرسول يُشبه إنسانًا يعتزّ برايات النصر الملوكية، بهذه “السِمَات المَلَكية” وكأني به من خلالها يقول لكنيسة غلاطية ” إنني خاصّتُه وأنتمي إليه”، لأنّ الكلمة اليونانية المستخدمة Stigma في معناها الأصيل تعني وَسمًا أو علامة خاصّة بالعبيد أو الجنود، والتي تتمثّل بحرقٍ في الوجه أو في الجسد أو على الذراع لتدلّ على انتمائهم وتَبَعيّتهم، فهو يُشير هنا بوضوح إلى علامات آلامه الرسولية من الاضطهادات التي كابدها في سبيل الانجيل (2 كو 6: 4- 10؛ 11: 23-29).
وبناءً على ذلك من الخطأ أن يُفسّر أتباع البابوية أن بولس الرسول هو أول شخص حدثت له هذه الظاهرة، لأن التقليد الرسوليّ المقدس لا يُخبرنا ولا يُفيدنا بأيّ شيئ عن هذه الظاهرة أو أن بولس قد اختبر تفتّح جروح نازفة من يديه ورجليه وجنبه أو رأسه!! ولا أحد من كبار مفسّري الكتاب المقدس، أمثال: القديس يوحنا الذهبي الفم أو القديس ايرونيموس أو المغبوط أوغسطينوس أو اوريجينيس وغيرهم… لا أحد مُطلقاً في معرض تفسيره لهذا النص، قال بأن ظاهرة جروح نازفة قد ظهرت في يديّ بولس ورجليه وجنبه ورأسه! كما أنه لا أحد من الآباء القديسين، ولا أحد من عمالقة الرهبنة والنُسك العظماء في الشرق والغرب (قبل العام 1054 انشقاق الغربيين!)، ولا أحد من الآباء القديسين المعاصرين، أو من آباء الجبل المقدس آثوس، لا أحد مُطلقاً اختبر هذه الظاهرة أو ذكر أيّ شيء عنها، مما يعني أنها غريبة كليّاً عن التقليد الأرثوذكسيّ.

أين ومتى بدأت الظاهرة؟

أول تسجيل تاريخي لحالة إستجماتا كان في إنجلترا سنة 1222م لرجل أسمه ستيفن لانجتون Stephen Langton ويذكر المؤرّخون الغربيون أن “سانت كاترين سيينا” St. Catherine of Siena (القرن الرابع عشر) هي من أشهر النساء التي كانت الدماء تنضح من جسدها ولا يظهر منها أي أثر لجروح، بالإضافة الى الراهب الايطالي فرنسيس الأسيزي، والراهب الكبوشي الايطالي بادري بيو، والألمانية تيريز نيومان وآخرون…. وقد تمّ حصر أعداد من الناس الذين تُصيبهم هذه الحالة، ووصل عددهم إلى حوالي 345 حالة من جميع أنحاء العالم. ومما يدعو الى الاستغراب أن جميع الحالات التي تمّ تسجيلها حصلت مع أشخاص هم من أتباع البابوية !! وفي عصرنا الحديث وفي المشرق تحديداً، اختبر الظاهرة عدّة أشخاص كانت أشهرهم على الاطلاق السيدة السورية ميرنا الأخرس (دمشق – حيّ الصوفانية ).

ماذا يقول الطبّ وعلم النفس؟

أشارت الأبحاث الحديثة ان هذه الندبات التي يُسميها الغربيون بظاهرة “ستيجماتا” لا تعدوا أن تكون في غالب الاحيان ذات أصلٍ مرضيّ ينجُم عن التجويع الذاتي، أو حالات كثيرة تُعرف في علم النفس بحالات الفِصام المرضيّ التشويهي (هالات تشويه الجسد) أو تشويه الذات الارادي أو غير الارادي، وكذلك أمراض الوسواس القهري. وقد سُجّلت عبر التاريخ كثير من الحالات بين الاسرى خلال الحرب العالمية الثانية، تُفيد بالعلاقة القوية بين الجوع وتشويه الجسد، وكذلك خلال المجاعات الكبرى.
وقد أشارت سجلّات الطب النفسي للمدعوّة (تريزا نيومان) من ألمانيا، التي ادّعت أنها تعاني من هذه الندوب والجروح، أن تلك الجروح والندبات ناتجة عن أعراض ما بعد الصدمة لمرض تشويه الذات المرضيّ، من خلال ما يُعرف بالايحاء الذاتي غير الطبيعي.
ويقول الدكتور أدوار هارتونغ Dr. Edward Hartung “ان من مضاعفات مرض الملاريا الذي يُصيب الكبد والطّحال والمعدة، هي أنه تظهر على جسد المريض نُزوفات دموية أرجوانية مشابهة لتلك التي تظهر على أجساد من يدّعون أن ظاهرة ستيغماتا الاعجازية قد حلّت بهم”. واذا أمعنّا البحث حول هذه الظاهرة سنلاحظ أن (ستيغماتا) ليست محصورة بالعقيدة البابوية الغربية، بل انها تتخطّاها، فقد أُبلغَ عن جروحٍ جسدية لأشخاص في كثيرٍ من المجتمعات الوثنية القديمة مثل العقيدة البوذية.
أُعطيت عدة تفسيرات لحدوث ظاهرة ستيغماتا وهي تتراوح بين الخداع إلى تلك الناتجة عن تأثيرات الأمراض النفسية. وما يثير في تلك الظاهرة أنها على الأغلب مخصّصة لأتباع الكثلكة كما أسلفنا، ولكنها حدثت أيضاً لرجل هندوسيّ اسمه تشايتانيا ماهابرابو (1486 – 1534) حيث قيل أنه ينزف دماً بشكل ذاتيّ من أنحاء مختلفة في جسمه، ممّا يؤكد أن هذه الظاهرة لا علاقة لها بعقيدة الكثلكة حصرياً. كما لوحظ أن ظاهرة ستيغماتا تترافق مع ظاهرة أخرى تُدعى أنيديا (Inedia) وهي الامتناع عن تناول الطعام والشراب ما عدا الزاد اليوميّ من الخمر والخبز ( وهو ما يُسمى ب “البُرشانة” لدى الغربيين) لمدة طويلة من الزمن، كما حدث مع بادري بيو الذي امتنع عن تناول الطعام والشراب وكذلك النوم لفترة من الوقت. أيضاً حدثت ظاهرة ستيغماتا لـ تيريزا نيومان التي تقدّم ذكرها، حيث قيل أنها لم تكن تأكل شيئاً سوى (برشانة) في كل يوم منذ عام 1922 وحتى وفاتها في عام 1962.

الاستيجماتا في تراث البابويين:

شهد القرن العشرين إحدى أهم حالات الحدوث لتلك الظاهرة وهو الكاهن الإيطالي بادري بيو، الذي تحمّل آثار النزيف لعشرات السنين واعتبرته الكثلكة قديساً ! بدأت تلك الظاهرة تحدث له منذ نعومة أظفاره، حيث اعتقد في ذلك السنّ أنه كان قادراً على رؤية تجلّيات العذراء والمسيح، وذهب إلى أبعد من ذلك عندما افترض أنّ كل انسان يستطيع رؤيتهم… ويدّعي انه استمرّت عنده الرؤى حتى سنّ البلوغ وإلى أن أصبح راهباً كبوشياً، كانت الرؤى تزداد قوّة وظلاماً، حيث ادّعى أن الشيطان ظهر له في غرفته في إحدى المرّات بشكل كلبٍ ضخمٍ أسود، يُزمجر، بعينين حمراوين متوهّجتين، وكان أول حدوث لظاهرة الاستيغماتا لديه في أوائل عام 1911 حيث كتب في رسالة أنها كانت بشكل علامات حمراء على يديه وقدميه تسبب ألماً مبرّحاً..! وبدأت الجروح تظهر أكثر فأكثر للعيان حيث أن بعضها استمرّ بالنزيف لبقية حياته، وبشكلٍ عام ادّعى أن هذه الظاهرة لم تختفي واستمرّت في الظهور، واستمرت كذلك رؤيته للشيطان بأشكالٍ مختلفة تراوحت بين فتاةٍ راقصة عارية، وبين البابا بيوس العاشر والقديس فرانسيس إلى السيدة العذراء نفسها كما يقول هو نفسه في رسالته. وتوفي بادري بيو في العام 1968.
يقول الغربيون أنه خلال الألفي سنة الماضية لم تُسجّل إلا 345 حالة ستيغماتا، وكان بولس الرسول أول من يزعمون مدّعين حدوثها له كما ذكرنا أعلاه، كما حدث ذلك للراهب الكاثوليكي فرانسيس الأسيزي من إيطاليا في القرن الثالث عشر، وما زالت تلك الأحداث مستمرّة إلى يومنا هذا، بما أصبح شبه تُراثٍ يختصّ به البابويين لظاهرة جروح ودماء نازفة لا تحدث ولم تُسجّل الاّ لأتباع العقيدة البابوية أو بعض البوذيين والهندوس !

ما هي حقيقة الظاهرة وهل هناك خدعة؟

على مدى 50 سنة حمل الإيطاليّ السالف الذكر بادري بيو علامات ستيغماتا بشكل نزيف، والآن يتجمّع عدد غفير من الناس ليحجّ إلى صومعته التي عاش فيها في الجنوب الأقصى لإيطاليا، ويبدو أن شهرته ستستمرّ منذ أن قام يوحنا بولس الثاني في بتطويبه قديساً عام 1999 .لكن تبيّن لاحقاً، وبعد خمس سنوات من تطويبه قديساً من قبل الفاتيكان، أنه قام بخداع الناس بظاهرة الـ ستيغماتا عبر سكب الأسيد (حامض الكاربوليك الحارق Carbolic acid )على راحتيّ يديه، حيث تم الكشف عن وثائق تُبيّن أن ذلك القديس المُلتحي قام بافتعال هذه الجروح في جسده !! كما نشر كتابٌ جديد أثار جدلاً واسعاً يُبين أنه لا يمكن وصف ظاهرة ستيغماتا بـ “المعجزة” على الإطلاق، بل هي حالة تعذيب ذاتيّ. وأظهر رسمٌ على وثيقة من أرشيف الفاتيكان، يقول فيها المؤرخ (سيرجيو لوزاتو) أن الراهب بادري بيو استخدم حمض الكاربوليك النقيّ لافتعال الجروح طيلة حياته، ولكن كثيرين من اللاتين الغربيين اعتبروا ذلك الكتاب متحاملاً على بادري بيو.
علاقة بادري بيو مع الفاتيكان سادها كثيرٌ من الشائعات والروايات حول حقيقة هذا الرجل، وكثيرٌ من هذه الروايات تنتقص من طهارته وعفّته، حيث تمّ الادّعاء عليه بأنه حاول إغواء امرأة عندما كانت معه في كرسيّ الاعتراف، ولكن ما زال له أتباعٌ أوفياء في أوساط الكثلكة. وفيما يخصّ خبرة فرنسيس الأسيزي مع الاستيجماتا والرؤى، فانّ القديس الشيخ باييسوس الآثوسيّ يذكر عنه أنه كان واهماً ومخدوعاً من الشياطين الذين ضلَّلوه وخدعوه وأوقعوه في حبائلهم، كما حصل لكثير من الرهبان الذين سقطوا في فخاخ ابليس، على ما يروي الآباء القديسون في خبراتهم وكتاباتهم وتذكره كتب الأدب الرهباني النُسكيّ الأرثوذكسيّ، مثل كتاب “السُلّم الى الله” وكتاب “بستان الرهبان” وغيرها… مما يضع الاحتمالات القوية جداً أن يكون سبب الظاهرة الى جانب كونها ناتجة عن سيكولوجية مرضيّة، أن تكون أيضاً مصحوبة بتأثيرات شيطانية، تؤدّي الى خداع المؤمنين البُسطاء وتضليلهم.

كلمة أخيرة

نحن ندعو أبناءنا الأرثوذكسيين الى توخّي الحذر لدى تداولهم كُتباً أو صوراً أو فيديوهات حول هذه الظاهرة المشبوهه والغريبة كل الغرابة عن تقليدنا الأرثوذكسي، والتحلّي بروح الحكمة والتمييز الروحيين، فليست كل الظواهر العجيبة الخارقة للطبيعة سببها الله أو مصدرها سماوي! لأن الشيطان يمتلك قدرات روحية خارقة يستخدمها لتضليل المؤمنين وخداعهم، وكثيراً ما يتّخذ الأشكال النورانية، ويستخدم الأُطُر الدينية ليخدع المؤمنين ويضرب الأرثوذكسية، وهذا ما يؤكده القديس بولس الرسول قائلاً: “لا عَجَب أن الشيطان نفسه يُغيّر شكله إلى شبه ملاك نور” (2 كورنثوس 11: 14). كما أن الرب نفسه يُحذّرنا من الانخداع بالظواهر الخارقة المُضلّلة حيث يقول: “لأنه سيقومُ مسحاءُ كذبة وأنبياء كذبة ويُعطون آياتٍ عظيمة وعجائب حتى يُضلُّوا لو أمكن المختارين أيضاً، ها أنا قد سبقتُ وأخبرتكُم” (متى 24:24). والرسول يوحنا اللاهوتيّ يطلب منا تمييز الأرواح وتوخّي الحذر من الأنبياء الكذبة، قائلاً: “أيها الأحبّاء لا تُصدّقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله، لأنّ أنبياءَ كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم” (1يوحنا 1:4).

الكتاب المقدس يُعلّمنا أن السيد المسيح جاء لكي يشفي جراحنا ويحمل أوجاعنا وعاهاتنا، لا لكيّ يفتح في أجسادنا جراحاً مؤلمة وسيولاً من الدم! “إنه أخذَ عاهاتنا وحملَ أوجاعنا” (أشعيا 53: 4) وأيضاً “بجراحه شُفينا” (أشعيا 5:53). لذلك فانّ هذه الظاهرة وما يُصاحبها يبقى مُستهجناً وغريباً عن تقليد الرسل والآباء القديسين الذين لم يعرفوها ولم يختبروها ولم يُحدّثونا عنها! لذلك يُنبّهنا الرسول بولس قائلاً: ” لو بشّرناكم نحنُ أو بشّركم ملاكٌ من السماء بخلافِ ما بشّرناكم به فليكن أناثيما (أي ملعوناً) ” (غلاطية 8:1).

الايمان المسيحي القويم

(الأب رومانوس حداد)

المراجع
– التصوّف في الكاثوليكية الرومانية
– العقل والمجتمع – دانيال فيسلر
– موقع ماوراء الطبيعة
– موقع ويكيبيديا الانجليزي
– خوسيه توبياس – تشويه الذات والوسواس القهري ( المجلة الدولية لاضطرابات الطعام 1995) ( مقال )
– هاريسون تيد (1994-1910). الندبات طفرة في العصور الوسطى و في العصر الحديث