يارب القوات كن معنا...

مذهبي…

مذهبي…

للفلسفة عظمة تتصاغر عندها الهمم وتملأ الصدور هيبة واجلالاً. ولرجالها مهابة في صدري تخشع امامها العيون وتعنو لها الجباه. واني لأجِّل الفلاسفة واحترمهم وأُفخمهمْ. ولا القاهم الا متهيباً، ويلذ لي كثيراً أن أقرأ مايكتبون وان أتأثرهم في انضباطهم العقلي.

ولكني لا اقول  بمذهب فلسفي معين لأن استنتاجات الفلاسفة لاتزال مبنية على افتراضات علمية لا على حقائق فلسفية تصح في كل زمان ومكان. تراهم يتخذون من التاريخ أدلة على صحة مايفترضون ومعظمهم يجهل التاريخ. والتاريخ نفسه لايزال قاصرا مكفوفاً لايمكنه ان يعينهم بشيء.

والحقائق التاريخية لاتثبت الا بعد جمع جميع الاصول ونقدها والتثبت من عدالة رواتها وضبطهم وبعد الاجتهاد في مايثبت منها اجتهادا تؤيده قواعد المنطق. واذا استثنينا جهود المؤرخين الالمان في القرنين الماضيين والمؤرخين الروس لقلنا ان تاريخ سائر الشعوب لايزال مجرد روايات نقلها الرواة على علاتها ولم تخضع بعد الى النقد والتجريح. ولما كان الأصل في التاريخ هو الاتهام لا براءة الذمة وافتراض الصدق بدون غاية وهوى، فإن كل مايبنى على الروايات الضعيفة يظل ضعيفاً.

واذا كان مؤرخو فرنسا وبريطانيا وايطاليا واميركا لايزالون يجمعون المصادر لينقدوها فإن مؤرخي غيرهم من الشعوب لايزالون غائصون في نوم الخمول. فكيف يلجأ الفيلسوف الى تواريخ من هذا النوع ليؤيد صحة مايذهب اليه من افتراض؟ وهل نسي ان كل مايبنى على الباطل باطل؟! وكيف يجوز لنا أن نقول بفلسفة معينة للتاريخ وحقائق التاريخ لاتزال غير ثابتة!

ان مذهبي هو ديني، وديني هو مذهبي وديني لايقتصر على مايثبته العقل بدليل منه. ولو اقتصر على ذلك لما شعرت بحاجة اليه ولكنه لايعلم مايراه العقل محالاً. ولوفعل لكان ضرباً من الضلال والتضليل. وليس كل معقول  قابلاً للاثبات بحجج العقل، فحقائق الوجود أعمق من أن يسبر غورها  عقل محدود، وحقائق الوحي كالشمس تبهر ولكنها تنير السبيل.

الرب يسوع
الرب يسوع

اقام الفلاسفة المؤمنون حُججاً كثيرة على وجود الله. منها حجة الحركة والقول ان للكون سلسلة أحداث، وان كل حادث مفعول، وكل مفعول يفترض فاعلاً. ومنها الاستثناء الى قضية الامكان والوجوب، والقول ان في الموجودات حاجات وكمالات، وان الله وحده كامل بذاته، لايتأتى له الكمال من غيره، وانما هو كامل بحكم طبعه.

ولكن أهم من هذا كله وأشد أثراً في النفس دليل الخبرة الشخصية بعد النضوج، فالرسل والقديسون والمؤمنون جميعهم خبروا الله يوماً بعد يوم ولمسوا عنايته لمساً. قعلموا انه عالم بكل معلوم. ” ولكم دجا ليل الخطوب وأظلمت سبل الخلاص فصلوا مع داود: “الى الرب صرخت في ضيقي: يارب أنقذ نفسي، اني ولو سلكت في وادي ظلال الموت لا اخاف سوءاً لأنك أنت معي، عصاك وعكازك هما قد عزياني” فأتاهم من الطافه فرج لم يحتسبوه، وكم اثقلت الذنوب ظهورهم وسودت العيوب صحفهم فصرخوا مع باسيليوس: ” يارب يارب يامن انقذتنا من كل سهم يطير في النهار أنقذنا أيضاً من عائق يسري في الدجى”. فستر عفوه وشمل لطفه. فكانت صلاتهم نورا لهم وبرهاناً!

وميزة ديني ومذهبي ان الكلمة صار جسدا فكان الهاً كاملاً في انسان كامل، فالشرقي كان قد أذعن لله ولكنه لم يكن حراً طليقاً فجاء اذعانه سلبياً، وكان اليوناني الغربي قد نشط وتحرر وحاول جهد المستطاع ان يصل بالانسان الى درجة الكمال ولكنه كان لايزال يجهل الله، فأخفق.!!!

فجاء المسيح الها كاملاً في انسان كامل. فأوجد للشرق ضالته واعطى الغرب ماطلب واستقصى. واظهر الحقيقة فأبان للشرق الاله الكامل متحدا بالانسان الكامل. واكد للغرب ان الانسان الكامل انما هو مظهر من مظاهر الاله الكامل. ومن هنا سجود مجوس “للاله المولود”ز ومن هنا قول ممثل الغرب بلاطس البنطي”هاهوذا الرجل”. ولم يبق بعد هذا اي مجال لثقافة شرقية وثقافة غربية. فالمولود الجديد أوجد ثقافة انسانية شاملة، ثقافة الشرق والغرب معاً، وأوجب على الخلق أجمعين أن يجعلوا من انفسهم بشرا أقوياء طلقاء كاملين قدر المستطاع لينصرفوا الى تطبيق مشيئة الله على اكمل وجه.

والكنيسة في العالم هي جماعة المقدسين في المسيح المدعوين ليكونوا قديسين قدر المستطاع، والكنيسة فوق العالم هي سر الله المكنون، ولولا هذا لما عاشت في العالم والصور المقدسة في الكنائس تذكر المؤمنين أن القديسين لا يزالون مشتركين معنا في كنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية.

الرب يسوع هو الالف والياء
الرب يسوع هو الالف والياء

والكنيسة تتألف من عنصرين الهي وبشري، من الحقيقة الالهية المعطاة لها، ومن سعيها البشري لتنفيذ المشيئة. وقد يسهو البعض عن ان النعمة الالهية لاتقسر الناس قسراً ولاتجعل منهم قديسين، وانما تعمل فيهم عمل النور في الهواء فتخترق نفوسهم لتعطيهم حرارة واشعاعاً.

ولم يخل حقل الرب في فرعيه الغربي والشرقي من الزؤان، من حب السيطرة والمجد الفارغ ومن الطمع والحسد وسوء الظن والحقد فكان انشقاق مؤلم مخيف.

ويتوجب على المؤمنين والحالة هذه ان يصلوا بحرارة لأجل زوال هذا الانشقاق. وان يبتهلوا بقلب منكسر ونفس منسحقة لأجل التقارب والوحدة، والا ينسوا قول الذهبي الفم: ” ان الذي يشق كنيسة الله يعمل عملاً افظع من انكار الايمان. لأن الذي ينكر الايمان يهلك نفساً واحدة، واما الذي يشق الكنيسة فإنه يهلك نفوساً كثيرة. وعلى كل مؤمن ان يراقب هؤلاء الذين يحدثون الشكوك والشقاق وان يعرض عنهم لأنهم على حد قول بولس الرسول:” لايخدمون المسيح بل بطونهم”. واذا ماصلينا وابتهلنا لوحدة الصفوف فانما نفعل ذلك لأجل متابعة العمل في حقل الرب بعد جمود دام طويلاً. وحقل الرب واسع جداً يشمل العالم بأسره، والعمل فيه لايثمر الا اذا اقترن بظروف صالحة معينة، وأهم هذه الظروف التجدد الداخلي الذي يتحلى بانكار الذات. وانكار الذات يبدأ باعتراف داخلي بالعيوب والنقص  ويفرض تنازلاً حقيقياً عما نسميه الكرامة الشخصية. وهو يتطلب استعداداً للتعاون مع الغير في سبيل مبدأ  صحيح عام كلي المفعول. والمبادىء الأدبية الروحية كثيرة لايخلو منها فؤاد، ولكن المقصودة هنا هي تلك التي يعترف جمهور المؤمنين بصحتها، وتوجب الكنيسة الجامعة تطبيقها. واذا كان الشرقيون منا قد أخطأوا في مجرد التمادى في التأمل والتعبد والمحافظة على قدسية الايمان، فالغربيون قد أخطأوا في التشديد على نواح معينة من العمل واعطائها المرتبة الأولى.

وهكذا فإنه يحق للأرثوذكسي الشرقي  أن يفاخر بشدة حرصه على استقامة الايمان، لكنه ينسى في بعض الأحيان قول الرسول بولس:”ولو كانت لي النبوة وكنت أعلم جميع الاسرار والعلم كله، ولو كان الايمان كله لأنقل الجبال، ولم تكن في المحبة فلست بشيء.”

ويحق للكاثوليكي أن يفاخر بدوره بأعماله الكثيرة، ولكنه ينسى هو أيضاً بعض الأحيان قول هذا الرسول نفسه:” ولو بذلت جميع أموالي احسانا، ولو اسلمت جسدي لأحرق ولم تكن في المحبة فلا انتفع شيئاً.”

والواقع أن عيب الغربيين والشرقيين كان ولايزال اغفال المحبة والمحبة تتأنى وترفق ولاتحسد ولاتتباهى ولاتنتفخ ولاتطلب ما لنفسها ولاتحتد ولاتظن السوء ولاتفرح بالظلم. تتغاضى عن كل شيء وتصدق كل شيء وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء.