الطاعون يحصد الارواح

الطاعون …كارثة البشرية

الطاعون …كارثة البشرية
مقدمة
– إذا أردنا الحديث عن أعتى الكوارث المرضية الي أصابت البشرية، سنجد أن الموت الأسود – الطاعون – هو أكثر ما تسبب في قتل الملايين في واحدة من أحلك الأوقات سواداً في التاريخ البشري.
بدأ أول انتشار لمرض الطاعون الدبلي في منتصف القرن الثالث عشر، ووصل إلى أوربة في عام 1347.
الحقيقة أن هذا المرض اللعين قد انتشر في اوربة عن طريق السفن التي جاءت محملة بالموت والموتى، فأولئك الذين تجمعوا على الموانيء منتظرين لقاء ذويهم، إلتقوا بمشهد مرعب بدلاً من اللقاء الحار المفعم بسعادة العودة للوطن…
كان معظم أفراد طواقم السفن قد ماتوا، ومن بقي على قيد الحياة، قد تشوه جسده برداء بشع من الدمامل الموبوءة، وعلى الرغم من إعادة العديد من السفن إلى البحر مرة أخرى، إلا أن الضرر كان قد وقع بالفعل وانتشر!

انتشار الوباء
اكتشف الأروربيون بسرعة أن الطاعون مرض شديد العدوى، ومميت بشكل غير عادي، وعلى الرغم من انتهاء التفشي الأول لهذا الوباء عام 1350، إلا أنه ضرب بقوة مرة أخرى بعد بضع مئات من السنين.
هذه المرة التي أقبل فيها الطاعون برداءه الأسود مرة أخرى، أطلّ على قارة آسيا ثم انتشر إلى أوربة.
تعرضت لندن لأول مرة لمرض الطاعون عام 1665، وانتشر الموت الأسود مرة أخرى، ومرة أخرى .. قتل الآلاف…بينما رأى أخرون تلك الدمامل وهي تأكل من أجسامهم الهزيلة شيئاً فشيئاً …وعرفوا أن أيامهم كانت معدودة…وينتظرهم ذلك المصير الذي طال أقاربهم وجيرانهم…
قد تعتقد عزيز القاريء أن ذلك هو أسوأ جزء في تلك الأوقات العصيبة… ولكنه ليس كذلك على الإطلاق كما سترى في الفقرات التالية! 

كيف يقتل الطاعون ؟

الحقيقة أن المسبب لمرض الطاعون هو نوع من البكتيريا المسمى بـ  إنتروبكتريسا يرسينية طاعونية، تحاكي تلك البكتريا عمل جسيم آخر شائعاً في الجسم، وهذا الجسيم لا يهاجمه بالطبع جهاز المناعة، لذا عندما تصل تلك البكتريا المخادعة إلى العقد الليمفاوية، يكون الآوان قد فات على مiاجمتها على الرغم من إدراك الجسم أخيراً أن هناك شيئاً خاطئاً , فتنتشر البكتيريا في الجسم بسرعة كبيرة مما يؤدي إلى حدوث صدمة إنتانية , وفي النهاية يحدث فشل في الجهاز المصاب .
 يقول المؤرخ ” مايك إغبيجي ” عن الموت الأسود – أنه كان على الأرجح من سلالات الطاعون: الدبلي bubonic والهوائي pneumonic (الذي يصيب الرئة)، وأن هذه السلالة التي تنتقل عن طريق الرذاذ المتطاير في الهواء تسبب معدل قتل يصل إلى 100% تقريباً، وأن أولئك الذين يستنشقون هذا الهواء الملوث بالمرض يموتون عادةً خلال 24 ساعة من الإصابة .
أما الطاعون الدبلي- والذي ينتشر عن طريق البراغيث – فيتبع نمطاً مختلفاً، فبمجرد أن يُصيب الشخص فإن الأمر يستغرق ما بين ثلاثة إلى خمسة أيام قبل أن تظهر على المريض أي علامات للمرض، ومن ثلاثة إلى خمسة أيام أخرى قبل أن يقضي عليه الموت.
بالطبع هذه طريقة مروعة للموت، ولكن الوقت القصير بين الصحة والموت هو السبب في أن هذا الأمر لم يكن أسوأ ما في مرض الطاعون ، فعلى الرغم من كل ذلك…فالموت السريع ليس سيئاً للغاية، بدلاً من تحمل الألم والمرض لأشهر طويلة أو حتى سنوات.

انتشار مرض الطاعون في اوربة

– لم يكن انتشار الطاعون مجرد مصادفة مشؤومة، ولم يكن انتشاره أيضاً عقاباً إلهياً، ولكن نحن البشر من أهلكنا أنفسنا بما كسبت أيدينا، فالحرب البيولوجية لم تكن وليدة العصر الحديث، ولكنها قد بدأت منذ زمن بعيد. 
وفقاً لمراكز مكافحة الأمراض CDC، فإن مصدر المعلومات المتوفرة لدينا عن فترة انتشار الطاعون في أوربة هي سجلات كتبها كاتب عدل إيطالي يُدعى “غابرييل دي موسي”، حيث قال أن الأوروبيين عام 1340 كانوا على علم بأن هناك مرضاً فتّاكاً قد قضى على ممالك التتار والمسلمين في بلدان عدة، بينما فر التّجار المسيحيون الذي كانوا موجودين في ذلك الوقت في تلك البلاد إلى مدينة تُسمى”كافا”.
ولكن لم يمض وقت طويل قبل أن يحاصر التتار مدينة “كابا” لمدة ثلاثة سنوات، وعندما هاجم الطاعون جيش التتار، أمر قادة الجيش بتحميل المقاليع بجثث قتلى الطاعون ورميها نحو أسوار المدينة…جبال من الموتى نُصبت هناك، بينما لم يستطع المسيحيون الفرار أو الإختباء من الموت الأسود القادم إليهم.
ولكن بعضاً منهم قد استطاع الفرار من كافا والعودة إلى أوربة، استطاعوا الفرار، ولكن ليس وحدهم، فقد حل الطاعون ضيفاً معهم عندما عادوا للوطن. 

انهيار الإيمان أمام الطاعون

قبل أن يكتسح الطاعون أوربة، كان الدين هو أساس حياة الشعب الأوربي، حتى أن معظم الناس قد دُفنوا في أرض الكنيسة، فلم تكن الكنائس مخصصة فقط للصلاة، إنما كانت القلب النابض للمجتمع.
بالنسبة للكثيريين كان الموت شيئاً حتمياً، ولم يكن أمراً يجب الخوف منه، فعدد كبير من المسيحيين المؤمنين كانوا على اعتقاد أن الموت ما هو إلا بوابة لعالم آخر أفضل كي يعيشوا أخيراً حياة كريمة وطيبة، لكن جاء ذلك الطاعون فجأة وانتشر كالطوفان الكاسح، فبدا الأمر لهم وكأن الله قد تخلى عنهم فجأة!
كان هذا الأمر مرعباً خاصة عندما رأى الشخص العادي أن رجال الدين قد فقدوا السيطرة أيضاً أمام هذا البلاء،  حتى أن رجال الدين قد عانوا أيضاً من خسائر على نفس مستوى ما عانت منه جماهير الشعب… فالطاعون لم يكن شيئاً جميلاً كمكافأة إلهية للورع والتقوى، بل كان قبيحاً، مجنوناً، عشوائياً، وكان في كل مكان…
أسوأ من الموت على يد الطاعون!
عندما ضرب الموت الأسود أوربة مرة أخرى في القرن السابع عشر، اتخذت البلاد تدابير مروعة على أمل وقف انتشار المرض.
أولاً كان على الباحثين – من النساء المسنات المرسلات من الرئيس  الروحي وهو أسقف المدينة – أن يقمن بزيارة العائلات وفحص الموتى، وتقديم تقارير حول من أُصيب، ثم بعد ذلك يتم إغلاق المنزل على الأسرة، ورسم الصليب الأحمر على الباب وذلك لتحذير الجيران.
أيضاً تم تعيين مراقب لكل منزل مصاب، وذلك للتأكد من عدم خروج أي شخص، وكذلك عدم دخول أي شخص، وعدم تمرير سلع إلى الداخل أو إلى الخارج…
اعتقد أن الأكثر مرارة من الإصابة بالطاعون، هو تلك التدابير المجحفة في حق المرضى!
يأكلك المرض وأنت تتضور جوعاً وعطشاً انت وأطفالك، في سجن انفرادي لما تبقى من حياتك البائسة، موصومون بالموت الأسود، فلا مساس، ولا كلام، فيحكم عليك البشر بالموت قبل المرض…يا لقساوة البشر وأحكامهم الشيطانية .
ولكن في القرن السابع عشر كان الأمر أقل وطأة من ذلك.
فهذه هي المهمة الاولى فكان حتماً على القرى المصابة بالطاعون أن تعزل نفسها في حجر صحي، فلا كائناً يدخل أو يخرج منها، وكان على من لم يصبه المرض أن يدفن البقية سواء من أسرته او جيرانه .
المهمة الثانية: كانت لحاملي الجثث – وكانوا يعملون ليلاً فقط – يجمعون الجثث من المنازل أو الشوارع عن طريق ربطهم بوتد طويل وقذفهم في عربة.

يجب أن يكون هناك كبش فداء!

– من عادة الطبيعة البشرية وقت حدوث مأساة، محاولة العثور على تفسير- أي تفسير، وعندما لا يكون هناك واحداً، فمن الأفضل أن تسير الأمور من سيء إلى أسوأ في ومضة، من الواجب وقتها…البحث عن كبش فداء 
– في القرن الرابع عشر، كان الناس في جميع أنحاء أوربة يبجثون عن تفسير لما يحدث، لماذا هناك الكثير من الموت والأمراض؟ 
وفكرة عدم وجود سبب لذلك، كانت أمراً مرعباً في حد ذاته، فكان على الناس أن يخلقوا سبباً لتلك المعاناه!
وبحلول خريف عام 1348، انتشرت شائعات على نطاق واسع في كل أرجاء اوربة تفيد بان الطاعون كان في الواقع مؤامرة يهودية ضد المسيحية، هذه الأقاويل أطلقت العنان للمسيحيين في اوربة لتدمير عقيدة كاملة، فتم اعتقال وتعذيب الكثير من اليهود، وبدأت حملات الإنتقام الجماعي، فأُحرقت مئات من المدن وتجمعات اليهود… وتم إعدام الآلاف منهم على يد الجماهير الغاضبة، كان الأمر كمذبحة اجتاحت مشارق أوربة ومغاربها، لدرجة أن الأمر استغرق من اليهود ثلاثة قرون لإعادة بناء معتقداتهم ونشر ثقافتهم من جديد في البلدان التي يعيشون فيها.
المقابر الجماعية في زمن الطاعون

ربما سمع معظمكم عن حُفر الطاعون، وعن المقابر الجماعية – حيث انتهى المطاف بجثث ضحايا الطاعون- , كان هناك الكثير من الجثث، ولكن ربما تم التعامل مع الجثث بطريقة مراعية بعض الشيء للياقة الانسانية، ففي عام 2016 تم اكتشاف مقبرة لموتى الطاعون في لينكولنشاير تحت أرضية دير قديم من القرون الوسطى ويعود تاريخ المقبرة إلى عام 1349 وتضم 48 جثة، سبعة وعشرون منها كانت لأطفال، وقد وضعوا جميعهم بعناية جنباً إلى جنب في صفوف. وقد وجد علماء الآثار أيضاً أن العديد من الجثث تم دفنها مع حليها ومصوغاتها، و حتى أن أحدهم قد وضع تميمة على شكل رمز وقائي على إحدى الجثث.
خاتمة
كتب أحد المؤرخين من فلورنسا عن نقل الموتى ودفنهم في الكنيسة، فقال: أنه كان يتم حفر الحفر، وكان يتم تكديس الفقراء فوق بعضهم البعض خلال الليل ثم يتم تغطيتهم بالتراب في الصباح…
وصف الأمر بأنه مثلما يتم عمل اللازنيا بطبقات المعكرونة بالجبن !
أما في أيرلندا فتبقت واحدة من السجلات التاريخية التي تحدثت عن فترة الطاعون، حيث كتب الراهب” جون كلين”عن الفظائع التي شاهدها وكتب في نهاية سجلاته “أنا،… من بين الموتى…أنتظر الموت قادماً، وألتزم بكتابة ما سمعته، وعايشته جيداً،وأترك الأمر لمن بعدي ليتابع العمل، في حال بقى أي شخص على قيد الحياة في المستقبل “…
وتنتهي كتاباته عند هذه النقطة باستثناء سطر واحد كُتب بخطٍ مختلف .. يقول ” هنا .. على ما يبدو .. مات المؤلف ” !
من المصادر: عالم المعرفة