قيامة الرب يسوع

قيامة المسيح…وقيامة لعازر

قيامة المسيح…وقيامة لعازر

كانت قيامة لعازر، كما وصفها يوحنا الانجيلي سبيلاً الى الاحتفالات بدخول الرب يسوع الى اورشليم (يوحنا18،12)، هذا الدخول الذي هو مقدمة آلامه الطوعية.

يبين لنا هذا الحدث بصلواته الخشوعية أن قيامة لعازر قد تمت يوم السبت قبيل دخول الرب الى اورشليم، إن الارتباط بين الحدثين قوي، و الليتورجيا في كلا الحدثين قريبة بعضها من بعض، فإن الطروبارية واحدة، كما وان صلوات هذين العيدين هي العتبة التي ندخل عبرها الى صلوات الاسبوع العظيم التي تبشر بقرب القصح المقدس.

أراد الرب بقيامة لعازر أن يؤكد حقيقة القيامة العامة (كما نفول في الطروبارية:” حققت القيامة العامة…”)، التي تأخذ بدايتها من قيامة الرب يسوع من القبر، وكان الرب قد أكدَّ لتلاميذه على جبل ثابور عظمته حتى عندما يعاينوه مصلوباً، لاتضطرب قلوبهم ويساورهم الشك بألوهيته. واراد الرب الآن أن يُظهر لتلاميذه قدرته وسلطته على ملك الموت كي لايصبحوا عبيداً لسلطان الشك عند ساعات الآلام وموت الصليب، الذي سيعقبه الانتصار على الموت والقيامة من بين الاموات.

يجب الا يغيب عن البال ذلك الفرق الشاسع بين قيامة لعازر وقيامة الرب يسوع رغم وجود الارتباط التاريخي والفكري بين الحدثين.

لعازر هلم خارجاً
لعازر هلم خارجاً

أقام الرب يسوع صديقه المائت الذي انتن من بين الاموات. كي يعيش بقية حياته الأرضية، بنفس الشروط التي كان يعيشها فبل رقاده، قام بنفس الجسد الذي هو معرض للانحلال لأنه عاد ومات ثانية وتعرض جسده للانحلال كبقية الاجساد البشرية.

وصف يوحنا الانجيلي حدث قيامة لعازر بأدق التفاصيل: “إزاحة الحجر عن باب القبر، خروج لعازر عندما ناداه الرب يسوع قائلاً: “لعازر هلمَّ خارجاً”، خرج لعازر من القبر مربوطاً بالأكفان”.

صارت قيامة لعازر موضوعاً في حياة الكنيسة إذ أُلفت الصلوات والتراتيل والأناشيد الملائمة وصورت اللوحات الكثيرة التي تعبَّر عن هذا الحدث، وخاصة تلك اللوحة التي تعبِّر عن اضطراب الجحيم وسلطان الموت، الذي تلقى أمراً بإعتاق لعازر من براثنه، إذ شعر أن انعتاق لعازر سيعقبه انعتاق أمواتَ آخرين.

وبالمقارنة مع قيامة السيد له المجد لايُلاحظ هذا التفصيل والوصف الواسع لها عند الانجيليين.

يخبرنا متى الانجيلي في بشارته عن حدوث زلزلة عظيمة ونزول ملاك الرب ليدحرج الحجر ويجلس عليه(متى4-2:28-4) وأعطى هذا الوصف امكانية للفنانين كي يرسموا قيامة المخلص، غير أنهم أضافوا اليها شيئاً من خيالهم.

لقد دحرج الملاك الحجر عن باب القبر، ليس من أجل إعطاء الناهض إمكانية الخروج، بل كي يبرهن للنسوة اللواتي  اتين لينظرن القبر بأن يسوع غير موجود داخله” ليس هو ههنا، قد قام” وقد أكد لمن “يطلبن يسوع المصلوب” اللواتي شاهدن بأم أعينهن القبر فارغاً. وذلك انظرن الموضع الذي كان مضطجعاً فيه”.

لقد تمت  قيامة الرب قبل دحرجة الحجر عن باب القبر وذلك بأعجوبة لايدركها العقل البشري وان الحراس صاروا كالأموات ولم يستطيعوا مشاهدة الناهض. كما وان حاملات الطيب ايضاً لم يستطعن مشاهدة الناهض.

عندما شاهد قائد المائة الحوادث التي رافقت الصلب قال:” في الحقيقة كان هذا ابن الله”.

وهنا ليس من المعقول أن يبقى الحراس غير مبالين لو شاهدوا حدث القيامة العجيب.

لقد بقيت الكنيسة الأرثوذكسية محافظة على جوهر النص الانجيلي فيما يتعلق بقيامة المسيح وقد عبرت عن هذا في الترانيم الفصحية

 نقرأ في الطروبارية الأولى من الأودية السادسة لقانون الفصح مايلي:

“ايها المسيح يامن لم يفسد أغلاق البتولية في مولده، لقد نهضت من الرمس حافظاً ختومه سالمة”.

كذلك نقرأ في صلاة أخرى:

“لقد برزتَ من القبر المختوم كما وُلدتَ من العذراء، الملائكة غير المتجسدين لم يعرفوا كيف تَجَّسدتَ، والجنود الحارسون جسدك لم يشعروا متى قمت ناهضاً، لأن هذين الأمرين قد أُغلقا على الباحثين.”

كذلك فإن ايقونة القيامة يُلاحظ فيها أن الفنان لايهتم كثيراً بخروج  المخلص من القبر انما يسلط الأضواء على النواحي الروحية التي لها علاقة مباشرة بحدث القيامة: كالنور المنبعث من القبر الفارغ أو نزول المخلص الى الجحيم ليعتق المقيدين في سلاسله.

يتكلم الانجيليون باسهاب عن ظهورات الرب بعد القيامة، هذا الفارق بين قيامة المسيح وقيامة لعازر التي شاهدها الكثيرون وشاهدوا ابن بيت عنيا الذي أقامه الرب من بين الاموات.

اما عن مشاهدة وظهور المسيح القائم من بين الاموات فاننا نقرأفي اعمال الرسل ماقاله بطرس الرسول:” هذا الذي اقامه الله في اليوم الثالث واعطى أن يصير ظاهراً، ليس لجميع الشعب بل لشهود سبق الله فانتخبهم، لنا نحن الذين اكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الاموات”. (اعمال41،10-40).

لقد كان جسد الرب الناهض من بين الاموات ذا صفات غير هيولية، فقد استطاع أن يدخل الى حيث كان التلاميذ والابواب مغلقة. تماما كما خرج من القبر وهو مختوم . هذه الخاصة التي تمتع بها يسوع المسيح الناهض من بين الاموات أخافت التلاميذ الذين ظنوا أنهم ينظرون روحاً (لوقا37،24) وقد اراهم يسوع المسيح يديه ورجليه وقال لهم: ان الروح لا عظم له ولا لحم، كذلك أنه تناول معهم طعاماً من سمك مشوي وشهد عسل (لوقا 42،39:24).

ان جسد المسيح القائم من بين الاموات هو نفسه الجسد الذي كان يحمله قبل الموت والقيامة بكل مظاهره وصفاته ( الصوت، آثار المسامير، الجنب المطعون بالحربة)، هو نفسه جسد المسيح المتجلي والمملوء روحانية وقداسة.

لقد عاش آدم الأول على الارض وبقي مرتبطاً بها، لم يرتفع فوقها، حُكم عليه بالموت وبالعودة الى التراب. أما آدم الثاني، المسيح الناهض من القبر فهو متحرر بطبيعته البشريةمن كل ماهو عضوي وأرضي، انه ليس عبدا للأرض بل هو رب السماء والارض. ليس الجسد الروحاني خلقاً جديداً بل ان الجسد الترابي الفاسد والمائت عينه يصبح روحانياً غير قابل للفساد والموت لأن الموت سيغلب والانتصار عليه سيكون ابدياً، وذلك لأن قيامة المسيح غلبت الموت ومنعت كل من يؤمن به الخلود ويهتف المسيحيون يوم القيامة هتاف النصر والظفر:” أين شوكتك ايها الموت، أين غلبتك ايها الجحيم”(1كورنثوس 55،15).

لم يكن جسد المسيح القائم من الموت خاضعاً لقوانين هذا العالم الأرضي. أما جسد لعازر الذي أقامه الرب يسوع من الموت فكان جسداً ترابياً ولم يستطع بالتالي الخروج من القبر الا بعد ان ازيح الحجر عن باب القبر، وكذلك أيضاً بقي جسده ملفوفاً بالأكفان وكان يحتاج الى من يفكها له.

أما جسد المسيح القائم من الموت، فقد خرج من القبر دون أكفان لأنها من عالم الأرضيات ولقد بقيت في الأرض، غير قادرة أن تقيد الاله الناهض.

من الخطأ أن نتصور بأن المسيح كان قد طرح عنه هذه الأربطة كما يخلع الانسان ثيابه أو كما فكت اربطة لعازر.

ان هذا يفسر لنا لماذا التلميذ الآخر الذي جاء الى القبر ورأى فآمن .(يوحنا 8/20).

لقد رأى ما لم تره مريم المجدلية التي نظرت الحجر مرفوعاً عن القبر فركضت وقالت: ” أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم اين وضعوه.” (يوحنا 2/20).

كان من غير الممكن أخذ المدفون وترك الأكفان ملفوفة حسب قوانين الطبيعة، اذ لابد لها الا أن تتمزق لأنها ملتصقة بالجسد وممزوجة بالمرّ والأطياب.

لقد قام المسيح من القبر لقيامة حياة (يوحنا39/5). ولم يعد بإمكان الأكفان ان تلف الجسد المتجلي والناهض الى حياة جديدة وعالم جديد.

لقد كان المسيح القائم من الأموات يظهر لأناس مختارين فقط، لشهود سبق الله فانتخبهم” (أعمال 41/10)، للذين يعيشون بجسد مائت انما بأرواحهم يعيشون حياة القيامة في الدهر الآتي، وكانوا يشاهدون الرب الناهض بفعل النعمة الروحية المعطاة لهم، وتصلي الكنيسة المقدسة في قانون الفصح قائلة:

” لننق حواسنا حتى نعاين المسيح ساطعاً كالبرق”. لننق حواسنا من كل اباطيل العالم وعند ذلك نعاين المسيح روحياً وفكرياً ساطعاً بنور غير مدرك، ونسمعه عند ذلك قائلاً علانية:

” افرحوا”

ترتل الكنيسة في الأودية الثامنة من قانون الفصح” هلموا بنا في يوم القيامة نشارك المسيح ملكوته…”

اننا نشارك المسيح ملكوته ولانزال عاشين بالجسد الترابي، يجسد لعازر، المائت، أجل ان كل فرح روحي نشارك به المسيح في ملكوته ونحن على الارض انما هو فجر اليوم الآتي:” مذاق بسيط للغبطة القادمة”.

وينتهي قانون الفصح المقدس بالترنيمة القائلة:” ايها المسيح الفصح الأجل الأمثل… أنعم علينا أن نساهمك بأوفر حقيقة في نهار ملكك الذي لايغرب ابداً”، لأنه شمس ساطعة وغبطة ابدية.