الكتاب المقدس

الكتاب المقدس الجزء الاول

الكتاب المقدس الجزء الاول

تمهيد

الكتاب المقدس هو اعلان الله للبشر، يزداد تألقاً ولمعاناً كلما تعرّض للبحث والدرس. ولقد تعرض الكتاب المقدس منذ فجر المسيحية الى موجات متتالية من النقد، بلغت ذروتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، في ما عرف بالنقد الكتابي. ووقف الكتاب شامخاً أمام كافة درجات النقد. ومازالت الاكتشافات الحديثة تقدم مزيداً من الأدلة على صحته ومصداقيته.

ولا غرو فهو كتاب الكتب، الذي يضم بين دفتيه أدلة صدقه وبراهين صحته ومصداقيته، وهو صادق ولسنا بمعرض الدفاع عن صحته…

ان الهنا الذي نؤمن به، هو الإله الذي أعلن نفسه للانسان، فكلم الآباء بالأنبياء قديماً بطرق وأنواع كثيرة، ثم كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في المسيح يسوع” الكلمة المتجسد” (عب2:1،1). والكتاب المقدس هو سجل هذا الاعلان وموضوعه الأساس هو الخلاص الذي يقدمه الله في محبته ونعمته للإنسان.

الكتاب المقدس لم يقصد به أن يكون مرجعاً علمياً، مع غزارة المادة العلمية فيه. كما انه لم يقصد به أن يكون أحد كتب الأدب، رغم الروائع الشعرية والنثرية التي يتضمنها. وهو ليس  كتاباً فلسفياً يناقش قضايا العقل من هذه الزاوية أو تلك، رغم مافيه من عمق الفكر، وسائر الموضوعات التي يتناولها. لكن الكتاب المقدس من أوله الى آخره يقدم قصة الخلاص، فيوضح كيف يتنازل الله في نعمته للانسان ليسلك سبيل التوبة أي الرجوع الى الله، وكيف يقدم له الله صفحة جديدة، بل حياة جديدة، يعيشها في علاقة مباركة معه، بل ويتطلع أيضاً الى مستقبل مجيد كامتداد طبيعي لمثل هذه الحياة.

الكتاب المقدس مكتبة لا كتاب

انه مكتبة تشمل كتباً كثيرة كتبت بأقلام كتَّاب كثيرين على مر عصور طويلة، ولكن هذه الكتب يكمل بعضها بعضاً ويفسر بعضها بعضاً، في وحدة عجيبة متميزة وجميلة، وذلك لأن هذه الكتب كتبها أناس الله مسوقين من الروح القدس الواحد، من أجل ذلك هي كتاب واحد هو الكتاب المقدس.

العهد القديم والعهد الجديد

يتكون الكتاب المقدس من جزئين هما العهد القديم والعهد الجديد. وكلمة عهد تعني اتفاقاً أو ارتباطاً. والكتاب المقدس يروي لنا قصة العهد بين الله وشعبه. وهذا العهد ليس عهداً بين شخصين متساويين، لكنه عهد يأخذ الله فيه زمام المبادرة. فالأساس هو محبة الله ونعمته، وقد  يختلف الاطار في العهد الجديد لكن الأساس واحد والجوهر واحد. ففي العهد القديم تنازل الرب بأن يرتبط بإبراهيم وبنسله، بل ان الله وعد بأن يبارك العالم كله من خلال نسل ابراهيم. وكان على ابراهيم ونسله واجب الطاعة والايمان. ورتب الله للإانسان الشرائع والذبائح المختلفة لتجبر نقص طاعته وضعف ايمانه. وتتجلى النعمة في أكمل صورها في العهد الجديد إذ دبر الله بنفسه الذبيحة الكاملة التي يحتاجها الانسان سواء كان من نسل ابراهيم او من غيره لينجو من العقاب ويحيا في علاقة معه، فقدم المسيح نفسه مرة واحدة والى الابد فأبطل ذبائح العهد القديم وطقوسه، وفي نفس الوقت وبنفس الوسيلة تحقق عهد الله مع ابراهيم بأن يصبح نسل ابراهيم اي المسيح بركة للعالم بأسره. فاذا كان العهد القديم يقدم لنا وعد الله، فالعهد الجديد يقدم لنا تحقيق هذا الوعد.

محتويات الكتاب المقدس

اولاً: قصة الخليقة، التاريخ القديم والشريعة: ونجد هذه في اسفار التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية.

ثانياً: تاريخ العهد القديم: ويشمل سفر يشوع ومابعده الى نهاية سفر استير.

ثالثاً: كتب الحكمة: وهذه نجدها في سفر ايوب ومايليه من الكتابات حتى سفرنشيد الأنشاد، وكلها أسفار شعرية.

رابعاً: أنبياء العهد القديم: ويشمل سفر أشعياء الى نهاية نبوات ملاخي.

خامساً: تاريخ العهد الجديد: ويشمل البشائر الأربع وسفر أعمال الرسل.

سادساً: الرسائل: وتشمل من الرسالة الى كنيسة رومة حتى رسالة يهوذا.

سابعاً: سفر الرؤيا.

 الأول العهد القديم

العهد القديم
العهد القديم

1- الاسفار الخمسة الأولى

التكوين: كتاب البداءات: خلق الكون، خطيئة الانسان، بداية الاعداد للخلاص، تاريخ الآباء الأولين: ابراهيم واسحق ويعقوب ويوسف.

الخروج: قصة خروج بني اسرائيل من أرض مصر، عهد الله معهم في سيناء. إقامة خيمة الاجتماع.

اللاويين: تنظيم العبادة وطقوسها المختلفة كالذبائح والكهنة وشرائع التطهير والتقديس والأعياد والنذور.

العدد: إحصاء الشعب وقوانين عقيدية واجتماعية ورحلات بني اسرائيل من سيناء الى قادش ثم موآب وتشمل أربعين عاماً من التجوال.

التثنية: إعادة ثانية للحديث عن شرائع الرب واختبارات الآباء.

2- الأسفار التاريخية

يشوع: الدخول الى كنعان بقيادة يشوع، تقسيم الأرض. تحذير من كسر عهد الرب.

القضاة: قصة تهاون الشعب بوعود الله وابتعادهم عنه مما جعل الرب يؤدبهمن وإذ يصرخون اليه يقيم لهم قائداً (قاضياً) يخلصهم.

راعوث: قصة فتاة مآبية، غير يهودية، تزوجت من واحد من شعب الرب ثم ترملت. لكنها أحبت حماتها جداً وذهبت معها لتعيش وسط شعب الله القديم، وجاء من نسلها داود الملك وكذلك يسوع المسيح.

صموئيل الأول: سيرة صموئيل النبي الذي لم يكف عن الصلاة لأجل الشعب، والانتقال من حكم القضاة الى تاسيس المملكة وسيرة الملك شاول وجانباص من سيرة الملك داود.

صموئيل الثاني: بقية سيرة داود، وسقوطه، ثم ثباته على العرش بعد توبته.

الملوك الأول: سيرة الملك سليمان وحكمته وبناء الهيكل في اورشليم (القدس) ثن تاريخ انقسام مملكة سليمان الى مملكتين: الشمالية ( اسرائيل) وعاصمتها السامرة، والجنوبية (يهوذا) وعاصمتها أورشليم. ويشمل هذا السفر سيرة ايليا النبي وشجاعته وعمله على ردّ الشعب الى عبادة الرب.

الملوك الثاني: قصة الأمة المنقسمة على ذاتها بممكتليها والكوارث التي اصابتها كسقوط السامرة ومملكة اسرائيل(9:18 -12) وسقوط اورشليم ومملكة يهوذا والسبي الى بابل(25: 1-21). ويقدم السفر سيرة أليشع النبي وهو يوضح للشعب مقاصد الله من نحوهم.

أخبار الأيام الأول: إعادة سرد الأحداث التي عنيت أسفار صموئيل والملوك بالحديث عنها، وذلك من وجهة نظر مختلفة وفيه سرد مفصل للأنساي. ويُعنى هذا السفر بالحديث عن العبادة في زمن صموئيل وداود.

أخبار الأيام الثاني: إعادة لسيرة سليمان الملك وبناء الهيكل في اورشليم ثم انقسام المملكة وتأديب الرب لشعبه وسقوط أورشليم والسبي الى بابل.

عزرا: العودة من بابل وإعادة بناء الهيكل.

نحميا: سيرة نحميا وقيادته للشعب وإعادة بناء سور أورشليم واكتشاف سفر الشريعة من جديد وعودة الشعب الى الرب.

أستير: قصة فتاة من شعب الرب تتزوج من ملك الفرس وتدبر عناية الله أن تنقذ هذه الفتاة بشجاعتها شعبها من الموت.

3- الأسفار الشعرية

أيوب: قصة رجل صالح تحل به المصائب الكثيرة ويحاول أصدقاؤه من خلال أحاديث متوالية معه أن يجدوا إجابة للسؤال الذي طالما حيَّر البشر: لماذا يتألم الأبرار؟

المزامير: قصائد دينية منها الأناشيد والتسابيح والصلوات والنصائح والنبوات.

الأمثال: مجموعة من التعاليم الدينية والأخلاقية في قالب من الأمثال والحكم.

الجامعة: بعض الأفكار الفلسفية التي يقف أمامها الانسان حائراً وهو يتأمل متناقضات الحياة، وينتهي بالحث على التقوى ومخافة الله.

نشيد الانشاد: قصائد متبادلة بين حبيب ومحبوبته ويرى المفسرون أنها قصائد رمزية عن الرب وشعبه أو المسيح والكنيسة.

4- الأسفار النبوية

إشعياء: نبير يرسله الله لشعبه ليدعوهم لحياة الاستقامة والعدل. ويقدم نبوات كثيرة عن ميلاد المسيح ولاهوته وخدمته وآلامه وقيامته وملكوته.

إرميا: نبي يرسله الله ليدعو شعبه للرجوع اليه وعبادته وحده وينذر بدمار أورشليم، الكارثة التي وقعت فعلاً سنة 586 ق.م. بسبب خطية الشعب وعبادة الأوثان. لكنه يتضمن أيضاً نبوّات مشجعة ويتحدث عن عهد جديد ويرتبط فيه الله بشعبه.

مراثي إرميا: قصائد رثاء ينوح فيها الكاتب على ماحلّ بأورشليم من خراب بعد تدميرها سنة 586ق.م.

حزقيال: رسائل تحذير بتدمير وخراب شاملين لأورشليم وزوال مجد الرب منها، ونبوّات تتعلق بشعوب مختلفة مجاورة لفلسطين، ثم نبوّات مشجعة  ويتحدث عن عهد جديد يرتبط فيه الله بشعبه.

مراثي ارميا: قصائد رثاء ينوح فيها الكاتب على ماحل بأورشليم من خراب بعد تدميرها سنة 586 ق.م

حزقيال: رسائل تحذير بتدمير وخراب شاملين لأورشليم وزوال مجد الرب منها، ونبوات تتعلق بشعوب مختلفة مجاورة لفلسطين، ثم نبوات مشجعة عن عهد جديد وقلب جديد وروح جديدة يمنحها الله لشعبه.

دانيال: يقدم صورة لشعب الرب زمن الاضطهاد وثبات الأمناء وحفظ الرب لهم وعنايته بهم. أما تفسير الأحلام والرؤى فيرى بعض المفسرين أنها توضح سقوط الوثنية وسيادة المسيح كما يرى آخرون أنها نبوّات تتعلق بالمستقبل البعيد لشعب الرب القديم.

هوشع: اختبارات من الحياة الشخصية لأحد لانبياء يقّدم من خلالها مثلاً لمحبة الله ونعمته. فيرى ان خيانة الشعب لعهدهم  مع الرب مثل خيانة الزوجة لعهودها مع زوجها. فيؤدب الرب شعبه ثم يفتح لهم طريق التوبة وثمارها وباب الرجاء والخلاص.

يوئيل: يوضح أن الكوارث مثل الجراد وجفاف الأرض هي علامة دينونة الله لشعبه، فيدعوهم للتوبة ويقدم لهم وعوداً مشجعة ومعزية ويتنبأ عن انسكاب الروح القدس.

عاموس: يقدم صرخة مدوية ضد المظالم في المجتمع، ودفاعاً عن الفقير والمظلوم ودعوة للتوبة.

عوبديا: تحذير لمملكة أأدوم المناوئة لشعب الرب، يوضح نهاية كل متكبر وكل شامت بسقوط الآخرين، مع كلمة تشجيع للأتقياء.

يونان: قصة نبي عصى الله لأنه لم يدرك أن محبة الله تشمل كل البشر فأدبه الله ووبّخه مظهراً، محبته للجميع.

ميخاً: نبوّات عن خراب السامرة وخراب أورشليم بسبب الخطيئة. ويتحدث أيضاً عن مجيء المسيح وعن وعود مشجعة.

ناحوم: قصيدة عن سقوط نينوى توضح نهاية الشر وتقدم الرجاء للمؤمنين.

حبقوق: حوار بين النبي والرب، يبدأ بحيرة النبي إزاء تسلط الظالمين والطغاة، ولكنه ينتهي بنغمة الثقة في الرب وحده، والفرح فيه رغم كل الظروف.

صفنيا: نبؤات عن دمار أورشليم ودعوة للتوبة، ثم وعود مشجعة عن الخلاص ومجيء السيد المسيح.

حجّاي: رسائل قصيرة فيها حثّْ على استكمال بناء الهيكل ووعد الرب بالبركة على أساس الحياة النقية.

زكريا: مجموعة من الرؤى عن إعادة بناء أورشليم ونبوّات متنوعة عن مجيء الرب يسوع المسيح وعمل الفداء وحلول الروح القدس على المؤمنين.

ملاخي: دعوة للكهنة وللشعب للتوبة والرجوع الى الرب ونبوّة عن مجيء الرب يسوع المسيح، شمس البر.

ثانيا العهد الجديد

العهد الجديد
العهد الجديد

1- البشائر الأربع

بشارة متى: نسب وحياة يسوع وكيف تحققت فيه نبوّات العهد القديم باعتباره المسيح، الملك، الذي ينتظره اليهود.

بشارة مرقس: حياة يسوع المسيح في صياغة مختصرة مع التنبير على اهتمام يسوع بسدّْ حاجات البشرية.

بشارة لوقا: حياة يسوع المسيح، في دراسة تاريخية مدققة، تقدم يسوع المخلص الذي جاء ليفتدي البشرية.

بشارة يوحنا: تقدم السيد المسيح في جلال لاهوته وعمق محبته.

2- أعمال الرسل

سجل لنمو الكنيسة الأولى من أورشليم الى اليهودية فالسامرة ثم الى أقصى بلاد العالم.

3- الرسائل الجامعة

رسائل بولس الرسول

– الرسالة الى كنيسة رومية: تقدم العقائد المسيحية الأساسية والتطبيق العملي في حياة المؤمنين.

-الرسالة الأولى الى كنيسة كورنثوس: يعالج فيها بولس الرسول بعض القضايا والمشاكل في كنيسة كورنثوس، كما يجيب على بعض تساؤلاتهم.

-الرسالة الثانية الى كنيسة كورنثوس: يتحدث فيها بولس الرسول عن سلطانه كرسول للمسيح ويحث على العطاء المسيحي.

-الرسالة الى كنائس غلاطية: ايضاح للايمان القويم ودحض التعاليم المضلة التي تدعو الى العودة الى الشرائع اليهودية.

-الرسالة الى كنيسة افسس: حديث عن سر الخلاص العظيم الذي اعلن في المسيح يسوع، ونيجة اختبار هذا السر في حياة المؤمنين العملية.

-الرسالة الى كنيسة فيليبي: رسالة كُتبت في السجن لكنها تفيض بالفرح والمحبة والسلام.

-الرسالة الى كنيسة كولوسي: تقدم الرب سوع المسيح باعتباره صورة الله، الابن الأزلي، ورأس الكنيسة الذي انتصر على الخطيئة، مع دعوة للسلوك المسيحي.

-الرسالة الأولى الى كنيسة تسالونيكي: رسالة تشجيع للمؤمنين المضطهدين، مع ايضاح بعض الحقائق المتعلقة بمجيء المسيح ثانية.

-الرسالة الثانية الى كنيسة تسالونيكي: رسالة تشجيع في مواجهة الضيقات، وحديث عن مجيء المسيح ثانية.

-الرسالة الأولى الى تيموثاوس: رسالة تشجيع لخادم شاب.

-الرسالة الثانية الى تيموثاوس: رسالة تشجيع وحث على المثابرة وحفظ الأمانة، كتبها بولس الرسول وهو يشعر باقتراب انطلاقه للمجد.

-الرسالة الى تيطس: رسالة لتشجيع تيطس وهو يعمل على تنظيم الكنائس في جزيرة كريت.

-الرسالة الى فيليمون: رسالة من بولس الرسول الى “السيد” فيليمون ليعفو عن “عبده” انسيموس الذي هرب من خدمته. ويرجوه أن يقبلهكأخ بعد أن آمن بالمسيح.

-الرسالة الى العبرانيين: دفاع عن المسيحية وشرح لرموز العهد القديم موضحاً ان كهنوت العهد القديم وذبائحه ترمز الى المسيح.

رسالة يعقوب

– رسالة يعقوب: تتناول النواحي العملية في الحياة المسيحية وكيف يجب ان تكون حياة المؤمنين كأفراد، وكذلك في المجتمع.

– رسالتا بطرس الرسول

رسالة بطرس الرسول الأولى: رسالة تشجيع للمسيحيين المتالمين.

رسالة بطرس الرسول الثانية: رسائل تحذير من المعلمين الكذبة وحث على الثبات في الايمان والسهر في انتظار مجيء المسيح ثانية.

– رسائل يوحنا الرسول

رسالة يوحنا الرسول الأولى: حديث عن ثبات المؤمنين وتحذير من المعلمين الكذبة.

رسالة يوحنا الرسول الثانية: رسالة ثناء لسيدة لأمانتها ووفائها للحق.

رسالة يوحنا الرسول الثالثة: ثناء لغايس لأمانته وحسن ضيافته للمبشرين المتجولين.

– رسالة يهوذا: دعوة للثبات في الايمان وتحذير من المعلمين الكذبة.

4- سفر الرؤيا

مجموعة من الرؤى فيها رموز كثيرة يرى بعض المفسّرين أنها تعبر عن نصرة المسيح وشعبه على جميع المقاومين وتحقيق السماء الجديدة والأرض الجديدة، كما يرى مفسرون آخرون أنها نبوّات عن أحداث المستقبل الى أن تتحقق السماء الجديدة والأرض الجديدة.

تدوين الكتاب المقدس

الكتاب المقدس
الكتاب المقدس

شارك أكثر من اربعين شخصاً في تدوين الكتاب المقدس. وقد جاء هؤلاء من خلفيات مختلفة، كما كانوا على درجات ثقافية متفاوتة جداً. فمنهم الملك ومنهم الطبيب ومنهم رجل السياسة، كما كان منهم راعي الغنم وصياد السمك! ومنهم من كان على درجة عالية من الثقافة في عصره، كما كان منهم من لم ينل قسطاً وافراً من التعليم.

والذي يتقن اللغات الأصلية التي كُتب بها الكتاب المقدس يُدرك الفارق الشاسع في اسلوب التعبير بين كل من هؤلاء الذين كتبوا الأسفار المختلفة.

وواضح ان بعض كتب العهد القديم لم يكتبها شخص واحد. فسفر المزامير مثلاً، هو مجموعة كبيرة من الأشعار التي تتضمن الكثير من التسابيح والصلوات والتعبير عن الخلجات الروحية للمؤمنين، شارك كثيرون في تدوينها ثم جمعت لتستخدم في العبادة في خيمة الاجتماع ثم في الهيكل. كما أن الكثير من الحكم والأمثال التي نجدها في سفر الأمثال تنسب للملك سليمان وان كان غيره قد شارك في الكتابة(مثلاً ام1:3 ومايليه1:31 ومايليه)

وقد استغرقت مراحل تدوين الكتاب المقدس مايزيد على الف عام.

الوحي

روح الله وكلمات البشر

الا اننا عندما نتحدث عن تدوين أسفار الكتاب المقدس نخطىء كثيراً اذا تناولنا الموضوع للحديث عن الاشخاص الذين دوّنوا الأسفار المختلفة دون التركيز على عمل روح الله القدوس الذي أوحى لأولئك بأن يدوّنوا لنا تلك الأسفار المقدسة. ويحدثنا الكتاب المقدس عن كونه” موحى به من الله” (2تي 16:3) كما يذكّرنا بأنه ” تأت نبوّة قط بمشيئة انسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (2ب21:1). فالمسيحيون لايؤمنون بأن الكتاب المقدس كتاب نزل من السماء بكل كلماته وحروفه، لكنهم يؤمنون بالوحي: فقد دوَّن “أناس الله القديسون” كلمات الكتاب المقدس، كل بأسلوبه المتميز ومفرداته الخاصة. الا انهم جميعاً كانوا “مسوقين من الروح القدس” أي محمولين أو مدفوعين بعمل الروح القدس فيهم تماماً كما تدفع الرياح السفن. وهذه هي الصورة التي يقدمها لنا بطرس الرسول في هذه الآية المباركة فالروح القدس هو الذي حمل هؤلاء، على أن يتكلموا بكلام الله.

كما أن بولس الرسول عندما يقول أن كل الكتاب،”موحى” به من الله، يستخدم تعبيراً مفاده أن كلمات الكتب المقدسة هي عينها” أنفاسالله” أو “نسمات الله”.

انها لمعجزة كبيرة أن يجتمع في الكتاب المقدس عمل روح الله مع تعبيرات البشر. ولهذا نجد تلك” المكتبة” الكبيرة تقدم لنا فكراً واحداً منسجماً، ومضموناً واحداً في توافق مبارك، رغم العدد الكبير من الذين شاركوا في تدوين الأسفار، وفارق مئات السنين بين كاتب وكاتب.

لغات الكتاب المقدس الأصلية

عندما دونت أسفار الكتاب المقدس المختلفة، استخدم روح الله اللغات السائدة بين الشعوب الذين وجه الرب رسالته اليهم. ان اللغات الأصلية التي كتب الكتاب المقدس بها هي:

اللغة العبرية

كانت هي اللغة السائدة بين العبرانيين، وكانوا يسمونها أحياناً ” لغة كنعان” ( أش18:19) وأحياناً ” اللسان اليهودي” (2مل28،26:18/نح24:13)ولذلك نجد أن الوحي دوّن لنا العهد القديم كله تقريباً باللغة العبرية.

اللغة الآرامية

كانت اللغة الآرامية هي اللغة السائدة في مناطق كثيرة فكانت اللغة الرسمية في المملكة الآرامية في سورية وبلاد النهرين (راجع 2مل 18: 17-37) كما انها كانت اللغة الرسمية للأمبراطورية الفارسية، وبعد سبي بابل حزن نحميا لأن الشعب نسي اللغة العبرية وأصبح اليهود يتكلمون بالآرامية الفلسطينية (راجع نح 24:13). وعندما قرأ للشعب من سفر الشريعة، بالعبرية، وكانت هناك حاجة لمن “يفسر المعنى” أي ان يوضحه أو يترجمه بالآرامية (نح 8:8-2)، وقد دونت بعض أجزاء العهد القديم باللغة الآرامية وجدير بالملاحظة أن الأجزاء الآرامية في سفر عزرا تشمل المراسلات الرسمية مع ملوك الفرس.

اللغة اليونانية

الترجمة لليونانية للكتاب المقدس المسماة السبعينية
الترجمة لليونانية للكتاب المقدس المسماة السبعينية

ظلت الآرامية اللغة الرسمية الى أن انتصر الاسكندر الأكبر على مملكة الفرس سنة 331ق.م. فأصبحت اللغة الرسمية وان كانت عامة الشعب قد استمروا في استخدام اللغة الآرامية. ويبدو أنه كانت هنالك لهجتان من اللغة الآرامية، إحداهما مستخدمة  في الجليل والأخرى في اليهودية ويظهر هذا واضحاً في قصة انكار بطرس للمسيح (مت 73:26). أما اللغة اليونانية فأصبحت اللغة السائدة التي يستخدمها رجل الشارع في روما والاسكندرية وأورشليم وأنطاكية وأفسس: بينما كانت اللاتينية لغة الحكام الرومان وجيوشهم.

الا ان اليونانية التي كتب بها العهد الجديد كله لم تكن اليونانية الكلاسيكية التي كتب بها هوميروس أشعاره، بل كانت اليونانية الشعبية التي يستخدمها رجل الشارع وان كانت قد امتزجت ببعض المفردات اللاتينية السائدة، وبعض قواعد النحو الخاصة باللغة العبرية، كما اتسعت لبعض مفاهيم المفردات التي انتقلت من العبرية لليونانية من خلال الترجمة السبعينية للعهد القديم كما سنرى.

واذ رأينا كيف استخدم الله اللغات العبرية والآرامية واليونانية لتصل رسالته للبشر، يمكننا أن ندرك أن الكتاب المقدس تخطى كل حواجز اللغة، فالمفردات في حد ذاتها  لاتحتل المكان المركزي، إن مايهم هو ان تصل رسالة محبته للبشر بلغة يفهمونها بسهولة ويسر. لذلك لم يكن غريباً أن يهتم المسيحيون على مر العصور والأجيال بترجمة الكتاب المقدس الى لغات البشر المختلفة.

مخطوط انجيلي تاريخي
مخطوط انجيلي تاريخي

المواد المستخدمة في تدوين أسفار الكتاب المقدس

صنع أقدم أنواع الورق من البردي، وهو نبات كان منتشراً في مصر. وكانوا يستخدمون الجزء الداخلي من سيقانه فيشققونه ويضعون الشرائح متجاورة أفقياً ومن فوقها طبقة من الشرائح متجاورة أفقيا ومن فوقها طبقة من الشرائح المتّراصة رأسياً رأسياً ثم يضغطونها، وعندما نجف تصبح صالحة للكتابة عليها.

وبمرور الزمن اكتشف قدماء المصريين أنه يمكن ضغط أوراق البردي متجاورة لتصبح شريطاً طويلاً اطلق عليه اسم ” الدرج” وكانوا يثبتون الناحية منه أو كلا من الناحيتين في قطعة خشبية يمكن ان يطوى الدرج عليها بينما  يبرز جزء من هذه القطعة على جانبي الدرج  من أعلى ومن أسفل. وكانوا يكتبون على الدرج من الداخل ولايكتبون شيئاً من الخارج في اغلب الأحيان. وكان طول الدرج حوالي تسعة امتار والكتابة على اعمدة متجاورة مثل صحف يتراوح عرضها بين خمسة وسبعة سنتيمترات تقريباً. ويمكن للقارىء أن يسحب من ناحية ليطوي الناحية الخرى. كما استخدم الأقدمون جلود الأغنام بعد تنظيفها جيداً ومعالجتها وتقطيعها لتصلح للكتابة عليها. وكذلك كانوا يلصقون القطع الجلدية جنباً ليصنعوا منها”درجاً”، تماماً كما فعلوا بورق البردي. الا أنه من الواضح طبعاً أن ورق البردي كان ارخص كثيراً من الجلود، ولكنه كان سريع التلف والاندثار وبصفة خاصة بعيداً عن جو مصر الجاف ولاسيما جو الصعيد.

وقد سجلت أسفار العهد القديم على مثل هذا الدرج في المجامع ، سواء من ورق البردي أو الجلود، وكانوا يحتفظون بها ليقرأوا منها بصفة خاصة أيام السبت. ونجد اشارة الى ذلك في لو4:20،17.

الا انه ما أن جاء القرن الثاني المسيحي حتى وجدوا أن الدرج يمَُّثل صعوبة في الاستخدام  سيما عندما يحاول القارىء أن يبحث عن كلمة أو عبارة معينة. ولذلك فسرعان ما فكّروا في وضع ثلاث أو اربع أوراق فوق بعضها، ثم ثنيها من الوسط لتصبح على شكل كراسات التلاميذ اليوم. أما في حالة الحاجة لتدوين نص طويل فكانوا يضعون مثل هذه المجموعات بعضها فوق بعض على شكل “الملازم” وعرفت باسم ” المجلدات” ( المفرد codex). وكانت هذه اقتصادية جداً إذا ما قورنت بالدرج، إذ امكنهم الكتابة على جانبي الأوراق بدلاً من الكتابة على جانب واحد فقط، كما أن تقليب الصفحات أيسر كثيراً من استخدام الدرج. ولعل المسيحيين فضلوا استخدام ” المجلدات” لتكون متميزة عن الدرج الذي ارتبط استخدامه بالديانة اليهودية. وبذلك بدأ دور الدرج في الانحسار وان كان استخدامه قد استمر بعد ذلك عدة قرون.

الا ان البعض كانوا يستخدمون ايضاً الفخار المكسور، وكذلك اللوحات المصنوعة من الطين للكتابة عليها. وقد اكتشفت على صعيد مصر بعض القطع الفخارية التي حفرت عليها بعض آيات الكتاب المقدس. ولربما كانت هذه تستخدم بمثابة تميمة أو تعويذة (حجاب). الا انها كانت ولاشك بالنسبة لبعض الناس هي كل مايمكن أن يمتلكوه من الكتاب المقدس.

وكانوا يستخدمون في الكتابة أقلاماً مصنوعة من نوع من نبات القصب (الغاب) وقد اخترع المصريون في القرن الثالث قبل الميلاد أسلوباً لبري هذا القلم وشق الجزء المدبب منه وكانوا يسمونه باليونانية ” قلموس” التي اشتقت منها كلمة “قلم” بالعربية. وقد استخدم اليونانيون ريش الطيور كأقلام للكتابة.

أما الحبر فكانوا ينتجونه من السناج (المادة الدقيقة السوداء التي تترسب من الدخان) بعد خلطه بشيء من المواد اللزجة. وكان الورق المصنوع من خرق القماش معروفاً في الصين وأواسط آسيا لقرون طويلة، وتقل تكلفة انتاجه كثيراً عن الجلود.  وأصبح هذا الورق معروفاً في مصر وسورية في القرن الثامن المسيحي، وسرعان ما استخدمه المسيحيون في الشرق في تدوين الترجمات العربية للكتاب المقدس، ومنها المخطوطات الموجودة في دير القديسة كاترينا في سيناء حتى اليوم.

أما الغرب فلم يستخدم الورق في تدوين نصوص الكتاب المقدس سوى في القرن الثالث عشر، بعد أن تردد المسيحيون في استخدامه لأنه جاءهم عن طريق غير المسيحيين!!! وتعود آخر المخطوطات التي تم نسخها على جلود الحيوانات الى القرن 15م، وانحسر تماماً دور ورق البردي وكذلك دور الجلود بعد ذلك.

الا أن أول كتاب طبع بأسلوب الطباعة ” الحديثة” بالحروف المتحركة كان هو الكتاب المقدس  بترجمة الفولغاتا اللاتينية وقد قام  الطباع الالماني يوحنا غوتنبرج بطباعة 120 نسخة منه على الورق، وحوالي 30 نسخة على الجلود، وكان ذلك في أواخر القرن الخامس عشر.

انتهى الجزء الأول