ايقونة القيامة

المسيح قام…حقاً قام

 

المسيح قام…حقاً قام

عبارة ولا اروع عبق بها جو المشرق لنيف والفين من السنين ابهجت وتبهج وستبهج كل نفوس المؤمنين بالقيامة…

كانت هذه العبارة وحدها في الكنيسة الأولى مجمل الايمان المسيحي موجزاً، لأنها تؤكد حقيقة المسيح يسوع وحقيقة قيامته من بين الموات، وبالتالي تؤكد حقيقة قيامة كل منا نحن البشر.

فكما ان نور الصباح، من المشرق ينتشر على البسيطة بكامل أرجائها، كذلك نور القيامة، من المشرق، ومن القدس ذاتها ينتشر على البسيطة بكامل أرجائها إيذاناً بأن الانسان، أنت وأنا، لم يخلق للموت بل للحياة، وبأنه ليس من انسان لاتشمله الحياة بعد الموت، وبأنه أخيراً: ” الله اله أحياء لا إله أموات.”

فقيامة الرب صرخة مدوية في مشرقنا، بل في شرق الدنيا بأسرها تبشر بفجر جديد تتلوه حياة جديدة، وزمن غابر يولَد مكانه زمن جديد وتاريخ جديد. العتيق قد مضى، وها أن كل شيء قد أصبح جديداً في المسيح أولاً ثم في سائر المؤمنين: لأننا لم نخلق للماضي بل خلقنا للحاضر والمستقبل. والاله ليس فقط الإله الذي كان بل الإله الكائن والذي سيكون، والذي ليس لملكه انقضاء.

القياميون يرتضون العيش ليس  لمجرد متعة او لهو بل لغد آت مطل بوجه لا تغطيه ظلمة القبر، وجه كل مافيه ينطق ويقول:

” لسنا للموت بل للحياة، لسنا للحفرة، بل لآفاق الله الواسعة، لسنا لضيق أو ضائقة بل لفضاء وفرج عظيم.

عيد القيامة في الشرق عيد الحياة التي تَحيا. سوانا يحتفل بالميلاد وحده أما نحن فلا نرى لميلاد بهجة أو مغزى إذا لم يكن مقدمة لقيامة وخلود. ومن هنا صليّنا في الشرق ونصلي لا لكي نُعطي قدوماً الى الدنيا فقط بل أن تكون لنا آخرة  حياة سلامية، وجواباً حسناً لدى منبر المسيح القائم من الأموات.

وقد حقَّ لنا في مشرقنا المجاهد أن نرى في القيامة عيد الأعياد وموسم المواسم لأن أحداثها ا لخلاصية كسائر الأحداث الخلاصية، اختارت أن تتم بيننا وفي هذا مافيه من الشرف لنا والخير علينا.

وها الملاك، من السماء، يحمل بشرى قيامة الرب يسوع بالقرب من القدس، كما حمل جبرائيل الملاك بشرى ولادة المسيح في الناصرة، ناصرة الجليل. ولنسمع الانجيل الطاهر يتكلم:

” لما انقضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة طيباً ليأتين ويطيبن يسوع. وعند الفجر جئن الى القبر…وكُّنَ يقلن بعضهن لبعض: من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر. فنظرن فرأين أن الحجر قد ذُحرج، وكان كبيراً جداً. فدخلن القبر فرأين شاباً جالساً عن اليمين لابساً حلة بيضاء فارتعبن. فقال لهن الشاب: لا ترتعبن. أنتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب. إنه قام / لننتبه الى فعل قام/ ليس هو ههنا وهذا هو المكان الذي كان قد وُضع فيه” (مر16).

وان هذه الصورة: حضور سماوي أمام حضور أنثوي ليست الوحيدة التي حصلت في هذا المشرق المسيحي المبارك.

في البشارة في الانجيل الطاهر أتى الملاك جبرائيل الى العذراء الطاهرة وقال لها:” لقد نلت حظوة عند الله فستحملين وتلدين ابنا تسمينه يسوع وسيكون عظيما وابن العلي يُدعى…والروح القدس يحل عليك، وقدة العليّ تظللك، لذلك فالمولود منك يدعى قدوساً، وابن الله يُدعى.

بعد ستمائة سنة على الأقل وفي هذا المشرق أيضاً، تتجدد الصورة ذاتها في القرآن اذ يقول:”اذ قالت الملائكة يامريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين.”

” وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس.” ويزيد البيان في النص القرآني ترسيخاً للايمان بالقيامة القول السامي:

” والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أُبعث حياً ذلك عيسى بن مريم.”

وأيضاً يقول النص القرآني: “إذ قال الله ياعيسى اني متوفيك ورافعك اليَّ.”

هذا في القرآن الشرقي والانجيل الشرقي، فكيف لايحتفل الشرق، ويحتفل الى الأبد بذكرى القيامة المجيدة.

على طريق دمشق صدح صوت آمن صاحبه بالرب يسوع هو شاول المضطهد اهتدى الى الايمان في دمشقن دمشقنا المقدسة بالذات، إنه بولس الرسول وهو يقول:

” ان المسيح مات من أجل خطايانا وقبر وقام في اليوم الثالث كما في الكتب وتراءى لبطرس وسائر التلاميذ ولآكثر من خمسمائة أخ من الإخوة. وأخيراً تراءى لي انا بولس.”

” فإن كان المسيح لم يقم فبشارتنا باطلة وكذلك ايمانكم. وان كان المسيح لم يقم فليس من قيامة لأحد من الناس. وهذا يعني بالتالي أن المسيح لهذه الحياة فقط، وانه ليس لنا أي رجاء في الآخرة، وهذا غاية الشقاء.”

ويستطرد بولس فيقول:” انه يا اخوتي، كما اتى الموت في واحد هو آدم كذلك تأتي القيامة في واحد هو المسيح. وهذ ايمان راسخ أذوق الموت من أجله في كل يوم. ولو لم يكن الأمر كذلك لاكتفيت في بشارتي بأن أقول لكم: هيا الى الطعام والشراب لأننا غداً نموت”.

فإذا تساءل أحدكم يا إخوتي كيف نقوم من الموت؟ أبهذا الجسد نقوم؟.

إذا تساءل أحدكم هذا التساؤل أُجيبه بكل وضوح:” إننا لانقوم بجسدنا هذا كما هو بل نلبس جسداً آخر روحياً به نقف يوم الدين أمام الديان العادل.”

لننتقل الى شرقي آخر من أنطاكية السورية الذي رأى في ذكرى القيامة المجيدة دعوةالى مائدة الهية شأنه شأن أي شرقي أصيل. إنه يوحنا الذهبي الفم القائل:

“من كان حسن العبادة ومحباً لله فليتمتع بحسن هذا الموسم البهج.

من كان عبداً شكوراً فليدخل الى فرح ربه مسروراً.

من تعب صائماً فليأخذ الآن أجرته ديناراً…”

“ادخلوا كلكم الى فرح ربكم. أيها الأغنياء والفقراء اطربوا معاً فرحين. أمسكتم أو توانيتم أكرموا هذا النهار. صمتمام لم تصوموا. افرحوا اليوم. المائدة مليئة فتمتعوا كلكم، تمتعوا كلكم بوليمة الايمان. تمتعوا كلكم بوليمة الصلاح. لايندبن أحد على إثم،  فإن الفصح قد بزغ من القبر. لايخافن أحدٌ الموت. فإن موت المخلص قد اعتقنا . ان المخلص أخمد الموت حين ذاق الموت وسبى الجحيم بنزوله اليه، تمرمر الجحيم لأنه أُبطل، تمرمر لأنه أُميت. تناول إنساناً فصادف الهاً. تناول أرضاً فألفاها سماءً.

اين شوكتك ياموت؟ ثام المسيح زانت صُرعت. قام المسيح من الأموات وفرحت الملائكة. قام المسيح والحياة بُعثت. قام المسيح من الأموات فصار باكورة القائمين من الأموات. فله المجد والعزة الى الدهر. آمين.”

فالقيامة عند هذا السوري الأنطاكي ليست محاكمة ولا دينونة انها حب شديد ومنعة لاتخرقها الشرور ورحابة لاحدود لها.

وهيا بنا أخيراً الى عودة الى دمشق، دمشقنا فإنها كلها في القيامة تعني القيامة وتشدو لها وتشدو. والكنيسة الشرقية في كل العالم تغرف لغنائها وشدوها من معين ابن الشام أعني به الدمشقي يوحنا، فقد تغنى الدمشقي ليقول:

القيامة عبور من الموت الى الحياة. وهذا العبور نصر للحياة على الموت. الحياة أقوى من الموت. القيامة نقلةٌ من الارض الى السماء، ومن الأدنى الى الأسمى.

المسيح الناهض من القبر هو باعث بهجتنا وسرورنا، والى الأبد هو هكذا.

قيامة المسيح محوّلة للخليقة الى وجود جديد. وليس في الكون ما ليس مدعواً الى الحداثة الدائمة والطلاوة واليناع.

المسيح قام بذات سلطانه لأنه الاله. ولو كان مضافاً الى الله اضافة لبقي قي قبره تتآكله الديدان، ولكان شأنه شأن أكثر الأنبياء والمرسلين.

ويلتقي ابن الشام. يوحنا بمن اهتدى الى الايمان بنور الهي في دمشق الشام . فيقول:

لقد قام يسوع من القبر كما سبق فقال، ومنحنا الحياة الأبدية والرحمة العظمى. 

ويوالي الدمشقي نداءه الى المؤمنين فيقول:

“ايها الأحبة، اليوم يوم القيامة، يوم الفرح لكل شعوب الأرض . والقيامة هي قيامة الرب ذاته. لذلك هي قيامة الأمم كافة كائنة من كانت، لافرق بين انسان وانسان فالخلق كلهم عيال الله. وعلينا بمناسبة القيامة أن نخاطب البشرب “يا اخوة” لأن أسلوب القيامة اسلوب الأخوة. ولنكن صفوحين رحيمين كما ان ربنا صفوح ورحيم. ورحمة الرب تفوق كل زلةٍ وكل خطيئة.

انتهى قول الدمشقي.

هكذا بمناسبة عيد القيامة، العيد الشرقي سمعنا الملائكة تنزل وتبشر في مشرقنا العزيزن وسمعنا بولس المهتدي الى الايمان في دمشقن دمشقنا، يُدلي بشهادته في القيامة المجيدة وحقيقتها واستمعنا ليوحنا الذهبي الفم السوري الأنطاكي يقول فرح القيامة في شرقنا ذاته، واخيراً رددنا اناشيد ابن دمشق، دمشقنا، يوحنا الدمشقي.

بعد هذا كله، حريٌّ بنا اليوم أن نرفع قلوبنا الى الله العلي القدير ونسأله أن يكلأنا بعين رحمته ورضوانه  وان يكلأ انطاكيتنا وسوريتنا ويوقف نزفها ويمنح حماتها القوة والحماية وقامات ياسمينها الجرحى الشفاء ومخطوفيها الاطلاق بالسلامة ووالشهداء الابرار الاقامة مع القديسين ويهدىء سائر المشرق…

ولنهتف ختاماً “المسيح قام من بين الأموات ووطىء الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور…”

ونجيب:”حقاً قد قام الرب”