توقيع ماهدة سيفر

مستر (X) والصراع المفتوح. اصداء تاريخية من معاهدة سيفر

مستر (X) والصراع المفتوح.

اصداء تاريخية من معاهدة سيفر

 

جسدت إتفاقية “سيفر” الخنجر الغربي لتمزيق تركيا فوقعت أجزاء منها تحت النفوذ البريطاني وأخرى الفرنسي وثالثة الإيطالي ورابعة لليوناني، وسمحت بإقامة دولة كردية، وأُذل الجيش بتسريح أغلب قواته وقادته واعتقال آخرين. في 16/3/1921، تم توقيع اتفاقية الصداقة والإخاء بين السوفييت وتركيا، لتقدم موسكو عشرة ملايين روبل ذهبي وكميات من السلاح والذخيرة معونة لتركيا، وزارها في ذات العام أحد رفاق لينين المقربين وأشد داعميها، ميخائيل فرونزي، فزادت موسكو من دعمها السياسي والدبلوماسي والمالي والعسكري لتركيا… وخلال الفترة 1920-1922 زودتها موسكو بـ39 ألف بندقية، 327 رشاشا، 54 مدفعا، 63 مليون طلقة، و147 ألف قذيفة مدفع وسفينتين حربيتين، وساعدتها على اقامت مصنعين للبارود ومصنع للذخائر، ودعما كبيرا بالمال والذهب… والأهم، وقفت إلى جانبها في مؤتمر لوزان عام 1923 الذي الغى مفاعيل مؤتمر سيفر عام 1920 بتقاسم تركيا بين دول خرجت منتصرة من الحرب العالمية الأولى. لذلك، وبأمر

توقيع اتفاقية سيفر
توقيع اتفاقية سيفر

مباشر من كمال اتاتورك، تمّ بناء تمثالين لشخصيتين سوفيتيتن ضمن نصب “الجمهورية” التذكاري في ساحة تقسيم بمدينة اسطنبول، كليمنت فوروشيلوف مفوض الشعب للشؤون العسكرية، وسيميمون أرالوف أول سفراء الإتحاد السوفيتي في أنقرة. أي، قبل تدخل موسكو بجيوشها وطائراتها وأساطيلها في سورية لتساعدها على موجهة أضخم هجمة إرهابية عرفها التاريخ، تدخل السوفيتي وبأمر من لينين شخصيّاً، لتوحيد تركيا واستعادتها استقلالها… فهل يعدّ أردوغان ومن يشبهه هذا الدعم غزواً أم إنقاذاً من غزو وتفتيت؟. ولكن، ما علاقة ذلك بسورية وعدنان مندريس الذي يتباهى أردوغان بأنه معلمه الروحي، ومن هي الشخصية (X) التي تربط بينهما، وسرّ عدائهم الكبير لسورية؟. 
في ثلاثينيات عمره، قدّم اطروحته اللافتة لحصار موسكو في دائرتين على الأقل: أوراسيا ومنطقة “الشرق الأوسط”، وتبنتها واشنطن ولندن وحلفائهما، ورتبوا لانقلاب في تركيا ينهي حالة التفاهم السوفيتي-التركي الآنفة الذكر. وقع الإنقلاب، وسُلّم “الإسلامي” عدنان مندريس الحكم، فأنقلب على نهج اتاتورك بالكامل. كانت البداية بإعادة “الأذان” باللغة العربية، والتساهل مع لبس الحجاب وفتح المدارس الدينية… وهذا اسلوب تركي دائم في كل مرة فكرت فيها بالتدخل في محيطها العربي الإسلامي. وبدأ مندريس بعملية إلحاق تركيا ذليلة تابعة بالغرب ومشاريعه في المنطقة والعالم. بالرغم من اعتراف تركيا بالكيان الصهيوني قبل وصول عدنان مندريس للحكم بأشهر معدودة، ولكنه هو من حوّل هذه التصريحات الى وثائق وعلاقات دبلوماسية، ليتبادلا السفراء في 3/7/1950. وعندما اندلعت حرب الكوريتين في حزيران 1950، أعلن مندريس فوراً انحيازه الصريح لأمريكا، ودعم بجيشه كوريا الجنوبية. وسمح بإقامة قاعدة “أنجيرلك” الأمريكية 1951، وانضم لحلف النيتو 1952، وشارك بتأليف حلف بغداد مع ايران والعراق 1955، بدعم مباشر من واشنطن ولندن دون أن تنضما اليه صراحة بذريعة مقاومة المد الشيوعي. وفي 1957، هاجم مندريس سورية ابان رئاسة شكري القوتلي، ابن دمشق التركي الأصل، الذي لم يكن علويا ولا بعثياً ولا مجوسيا ولا براميل أو كيماوي لديه ليقصف به شعبه… ولكن فقط: بسبب رفض سورية الانضمام الى حلف بغداد. واحتل أجزاءً من محافظة ادلب، وعمل على تمزيق الجيش العربي السوري، وأسس جيشاً مولياً لتركيا تحت مسمى (الجيش الحر)… وفي العام 1958، وقع مع ديفيد بن جوريون اتفاقية تعاون، تتضمن التنسيق بين الطرفين ضمن الخطة الأمريكية-الغربية لمحاربة الاتحاد السوفيتي وتفتيت المنطقة العربية… ليستمر تحالف نسجه مندريس حتى بعد رحيله وإعدامه عام 1966. ذلك الشاب الذي نَظّر لحصار موسكو وعبر البوابة التركية، وملأ الفراغ الذي خلّفه إنهيار الإمبراطوريات العثمانية والبريطانية والفرنسية… هو برنارد لويس. وهو ذاته، يعد اليوم من اشد المنظرين والمؤيدين للحرب على سورية، وتقسيمها ومعظم المنطقة، ومحاصرة موسكو في الدائرة الأوراسيّة، أوكرانيا وجورجيا والقرم… وعبر الدائرة التركية التي نَشَطت منذ أيام عدنان مندريس، لكسر ظهرها وتعطيل انبعاثها من زلزال 1991، ومنع تجاوزها المرحلة الانتقالية الفاصلة بين السقوط والنهوض بأي شكل كان.
ضمن “الصراع المستمر” بين البرّ والبحر، الاسطول والساحل، حاملة الطائرات والمقاوم على أرضه… تظهر أهمية الإنسان المقاتل والمقاتل الإنسان. الإنسان المقاتل في لحظة السلم والإستقرار النسبي، يبني وطنه ويراكم من عناصر قوته وتقدمه… وفي لحظة تهديد الإستقرار أو ضياعه يتحول إلى المقاتل الإنسان، الذي ينتمي لوطن ساهم ببنائه ومراكمة عناصر تقدمه وقوته. هذه اليد العاملة-المقاتلة دفعت هنري كيسنجر للتعبير عن

خريطة تركيا في معاهدة سيفر
خريطة تركيا في معاهدة سيفر

أرقه يوماً للرئيس الراحل حافظ الأسد خلال مفاوضات فك الإشتباك على الجبهة السورية، عندما قال له:(أحمد الله أنك لا تحكم خمسين مليون إنسان)… إشارة منه إلى محورية العنصر البشري في بناء موازين القوة، وموقف الرئيس الأسد وطبيعة فهمه لهذه “اليد” وللصراع وموقعه فيه بعكس الخائن أنور السادات… . فمثلاً: من أهم أسباب اندثار الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والعثمانية… و”قريباً” الأمريكية، هو اعتماد جيشها على جنود مستعمراتها، وكانت تخسرهم في معادلات القوة والنفوذ لحظة انتزاع هذه المستعمرات لاستقلالها. اليوم، معظم المجتمعات الغربية تشبه حال إمبراطوريات الأمس، حيث تدنى مستوى الخصوبة، وتساوى معدل زيادة السكان مع معدل الوفيات أو كاد، وفي بعض الأحيان فاقه لسنوات… ما أدى لشيخوخة هذه المجتمعات، وتقلص يدها العاملة، وتآكل أذرع قوتها العسكرية وخصوصاً العنصر البشري، أي الجندي المقاتل… فازداد اعتمادهم على “الروبوت المقاتل” بحثاً وتطويراً واستخداماً. واستعادوا آليات تجنيد الغرباء في الجيوش الوطنية (الفيلق الأجنبي في الجيش الفرنسي)، والشركات الأمنية التي تشغل المرتزقة من كل أنحاء العالم (شركة بلاك ووتر الأمريكية)، وعقد واستغلال التحالفات المحلية والإقليمية والدولية لخوض الحروب بالوكالة ( العدوان الصهيوني في حرب تموز 2006)، وابتكار الجيل الرابع من الحروب (مثل داعش وأخواتها)، وصولاً إلى افتعال واستغلال الصراعات والحروب لتنظيم حركات هجرة منتقاة لرفد هذه المجتمعات المتآكلة تحت غطاء اللجوء الإنساني، أولاً، ولإضعاف الدول والأحلاف المنافسة بتشجيع الهجرة منها بالمغريات أو بافتعال الأزمات فيها، ثانياً. صحيح بأن الهجرة أحد تداعيات الحروب وأشكال عدم الإستقرار، لكن أن تُنصب مخيمات اللجوء في دول جارة، وقبل عام تقريباً من وقوع أي حدث في سورية، فإن هذه الهجرة تكتسب معان جديدة كليّاً، خصوصاً إذا نظرنا إليها في سياق الهجوم المستمر منذ قرون على أهم الحواضن التاريخية العربية في المشرق العربي: بغداد، دمشق، القاهرة، صنعاء… 

اثنان من الموقعون العثمانيون وهما من اليسار: رضا توفيق والصدر الأعظم الداماد فريد باشا ثم مجهول ثم السفير رشيد خالص
اثنان من الموقعون العثمانيون وهما من اليسار: رضا توفيق والصدر الأعظم الداماد فريد باشا ثم مجهول ثم السفير رشيد خالص

ومع تراجع إمكانية شنّ الحروب الإستعمارية المباشرة، وتزايد حاجة الطُغمة الغربية الحاكمة وأدواتها المتربعة على سدّة الحكم في عالمنا العربي إلى المزيد من نهب وسرقة شعوب المنطقة، وتصاعد حدة الصراع مع قوى أخرى منافسة في الإقليم والعالم… ظهرت الحاجة لحرب من نوع جديد؛ حرب الجيل الرابع. يعتمد هذا النوع من الحرب على مقولة محورية: تعميم القتل والهمجية والتعصب الأعمى لإقامة ولايات الخوف وتحالفات الضرورة، التي “تبيح” كل محظور، مع هجوم مركز على النموذج الحضاري-الإنساني. من المعروف أنّ مستوى الوعي الفردي والجمعي، والعتبة الحضارية-الثقافية التي يتكئ عليها شعب أو أمة ما هي العنصر الأول والحاسم في طبيعة استجابته وتعامله مع التحديات والأزمات، وهي التي تكون لديه مسلمات الأمن القومي: من هو العدو ومن هو الصديق؟. هكذا، وعند الإستسلام لمخرجات الجيل الرابع من الحروب، يصبح تجميع الطوائف والمذاهب والأديان والأعراق باستخدام آليات وتداعيات الخوف من الآخر في كانتونات متناحرة أمراً “مشروعاً” وحاجة حيوية… فتتلاشى الروابط الإنسانيّة والحضاريّة والتاريخيّة… لصالح محركات ودوافع غرائزيّة بدائيّة تُعرّفُ النفس وتفهمها بالضد من الآخر، ليكون التربص به والتأهب للوثوب والاجهاز عليه هي القواعد التي تحكم سلوكنا وثقافتنا وهويتنا مع من كان يوماً شريكاً في الوطن، ومكوناً من مكونات الهوية والفضاء الروحي والثقافي والإنساني. والآخر، سيُدفع بفعل “خوفه” وقلّة حيلته، لينزاح الى غريزة البقاء فيعبر عنها تقرباً من قوى محلية وإقليمية ودولية مهما كانت التناقضات جذرية وقاطعة معها… فالموت المؤجل أرحم من موت “قريب محتم”. حين يُخلق “العدو” خلف الأسوار ما نفع الجدران والأبواب والحراس؟!. إمّا التفاهم وتجاوز المخاوف، أو يتم تفتيت المدينة خلف الأسوار، أو أن يُهدم بعضها للتحالف مع أعداء بُنيت الأسوار أصلاً بوجههم، أو أن يتصارع من هُم خلف الأسوار حتى يستقر الأمر للأقوى… .
هكذا يمكن أن نُقيّم موضوعياً وتاريخياً: حركات إسلامويّة تعادي الغرب ثقافياً ولكنها شريك كامل له في كل مشاريعه ومخططاته الخاصة بالمنطقة والعالم. والحركات الإنفصالية الكردية والعربية، التي جعلت من أحلامها الإنفصالية مطيّة يعتلي ظهرها كل عدو طامع بتفتيت سورية والعراق وإيران؛ بل وتركيا… وهكذا أيضاً يمكن الكشف عن الدور الإستعماري-التفتيتي الذي يلعبه أردوغان و”إخوانه” وربما لن يستطيعوا مغادرته أو الفكاك منه، تحت عباءة الإسلام والديموقراطية… وحتماً، أدوات وأطماع الصهيو-أمريكية والغرب الممولة بالبترو-دولار العربي في المنطقة والعالم… وخطورة مخيمات اللجوء وتفريغ سورية من أبنائها على دورها التاريخي، وغايات التدمير الممنهج للإرث الحضاري والإنساني لها ولمنطقتنا العربية… لنقف وجهاً لوجه أمام واحدة من الميزات كبرى لسورية، قدرتها على التحدث عروبياً في زمن التغريب، وبالاستناد لإرث حضاري-إنساني ثري للغاية في لحظة التيه. ومقاومتها المريرة لمقولات الإنبطاح، ومحاولات تجريد المنطقة من دورها التاريخي وعناصر مناعتها الإنسانية… وتصديها لهجمة “بترودولار” تخرب الإنسان قيماً وثقافة، وهجمة “تكنولوجية” تسلبه نفسه وهويته ومهامه، وهجمة إرهابية “تُجرفُ” الأرض وما عليها من أوابد وشواهد حضارية لتبتره عن تاريخية، فيتوه عن حاضر يجب أن يبنيه، ومستقبل عليه أن يطمح إليه ويناضل من أجله.

(سمير الفزاع) بتصرف