دير النبي الياس شويا/ الشوير

صفحة مضيئة من تاريخ دير النبي الياس شويا

صفحة مضيئة من تاريخ دير النبي الياس شويا

توطئة

نحن في ربيع السنة 1749 في مطرانية بيروت ارثوذكسية في مجلس ضم الطيب الذكر يوانيكيوس متروبوليت بيروت وتوابعها وعدداً من أعيان الرعية للنظر في مصير دير النبي الياس القريب من قرية الشوير الذي أمسى موضوع جدل ساخن بين الروم الارثوذكس والروم الكاثوليك منذ انقلابهم واتضاح سياسة روما عبر مبشريها ورهبانها وسياستهم الاستلابية عام 1724 وتبطرك كيرلس طاناس في مريمية الشام بالرسامة غير الشرعية على الكرسي الانطاكي والمقاطعة الشاملة من مطارنة الابرشيات وأراخنة الدمشقيين، وبدا للعيان ان رومة كانت تخطط منذ دخل مبشروها دائرة الكرسي الانطاكي المقدس مطلع القرن 17 وماقبل انها كانت تسعى الى ادخال انطاكية في طاعتها وادخالها في تبعيتها بطريركية كاثوليكية خاضعة لكرسي رومية…

التمهيد لذلك

كان بعض الرهبان الحلبيين وفي مقدمهم الشماس عبد الله زاخر في دير البلمند قد أبطنوا الكثلكة منذ اوائل القرن السابع عشر مع اظهار افتيموس الصيفي مطران صور وصيدا خضوعه لروما وقيام البابا بتعيينه اول اسقف على الروم  الذين تبعوا رومة عام 1700(1)

وكان بعض هؤلاء الرهبان الحلبيين قد خرجوا من دير البلمند الارثوذكسي مكان رهبنتهم وأموا الشوير وابتاعوا في السنة 1710 بعض الأراضي المتاخمة لمزار يوحنا الصابغ في خراج الشوير، وأسسوا ديراً جديداً حول هذا المزار جاعلين  منه نقطة انطلاق لبث دعوتهم. وفي السنة 1716 شاق للشاب الحلبي نقولا الصايغ أن يترهب في هذا الدير الجديد فأغناه بأدبه وبلاغته وفصاحته وماله اذ كان من اسرة حلبية وجيهة وغنية.

كنيسة الدير
كنيسة الدير

واتصل الرهبان الحلبيون الشويريون برهبان دير النبي الياس القريب في الشوير، ورهبان دير مار شعيا بين بحنس وبرمانا ورهبان دير السيدة في قرية رأس العين في بلاد بعلبك، فقبل هؤلاء دعوتهم لأنها كانت لاتزال ارثوذكسية في ظاهرها.

واجتمعوا مع الحلبيين في دير ماريوحنا في اجتماع عام في السنة 1720. ثم كان ماكان في امر الانفصال سنة 1724(2).

فتمسك الحناويون بدير النبي الياس ونشأت مشادة عنيفة لم تنته قبل السنة 1749م.

تبعية أديرة جبل لبنان

كانت اديار جبل لبنان لاتزال داخلة الى حد ما في نظام الاقطاع، فكان الامراء الاقطاعيون اصحاب الكلمة في تحديد مصير هذه الأديار.

وكانت ابرشية بيروت تشتمل على جبل لبنان “ابرشية بيروت ولبنان” (3) وكان وقتها الشيخ يونس نقولا الجبيلي الشهير بأبي عسكر هو عين من أعيان الكنيسة الارثوذكسية في هذه الابرشية، واحد بل الاقوى في وجهاء بيروت الارثوذكس، وكان ابو عسكر عاقلاً وديعاً محمود السيرة مقرباً الى السلطات نافذ الكلمة لدى الأمير ملحم الشهابي. فرأى أعيان الأبرشية في مجلسهم ان يوكلوا حل مشكلة دير النبي الياس الشوير الى حكمة ابي عسكر ودرايته ولباقته، فارتأى هو بدوره، فيما يظهر، أن يستغل دخول الاديرة في نظام الاقطاع لرفع يد الرهبان الكاثوليكيين عن دير النبي الياس الشوير، مطرح التنازع، وإعادته الى حضن الكنيسة الارثوذكسية.

دير النبي الياس شويا / الشوير
دير النبي الياس شويا / الشوير

فنجح في مسعاه ونظم ضبطاً بذلك وقعه الأميران الإقطاعيان اسماعيل وحسن اللمعيان، ووافق عليه وأمر بتنفيذه الأمير ملحم الشهابي، ومرت السنون وضاع الصك.

وبقي ضائعاً حتى عثر عليه الوجيه والطيب الذكرالمرحوم فريد عرمان وشقيقه شيخ كنيسة بيروت الجليل السيد رزق الله عرمان (4)، فحفظاه وقدماه هدية الى مثلث الرحمات البطريرك الأنطاكي الكسندروس الثالث وذلك في ايلول السنة 1946، والتالي نصه:

” وجه تحريره وموجب تسطيره

هو اننا سلمنا الى حضرة عزيزنا الشيخ يونس نقولا دير مار الياس الروم الذي كان بيد الخوري بطرس الحلبي سابقاً وأخذنا من حضرة عزيزنا المذكور الف وخمسمائة غرش نصفها سبعمائة وخمسمائة غرش نظير تسليم الذير المذكور وصار الشرط أننا نسلمه الدير المذكور وصار الشرط اننا نسلمه الدير المذكور بكلما يعرف فيه من الرزق وغيره ويوقف فيه رهبان من رهبانهم ويتصرفوا في الدير وأرزاقه وجميع مداخيله تصرف الرهبان في اديرتهم ما لنا معهم معارضة بوجه من الوجوه وان احد تعرض لهم في الدير المذكور بوجه نحن نمانع عنهم وان قبلنا عليهم زود أم برطيل أم اردنا أن نطالعهم في الزمان من الدير يكون عندنا الى حضرة الجناب العالي الأمير ملحم سبب نذر شرعي الف غرش الذي أخذناها من حضرة عزيزنا الشيخ يونس مع ربحها نظير تسليم الدير ويعطيها الى حضرة عزيزنا الشيخ يونس ولا نقبل عليهم زود من كبير ولا من صغير والشيخ يونس المذكور أشرط على نفسه أن الرهبان الذين يوقفهم في الدير المذكور يلزم يكونوا مجدين مجتهدين في قيام رزق الدير وحانوته وتجديده كما كانوا سلفاؤهم ولايبيعوا من رزق الدير وسحوته شيء يسوي قرش واحد والرهبان المذكورين الذين يوقفهم عزيزنا الشيخ يكونوا عندنا معززين مكرومين مسموعين الكلمة منقامين الحرمة بسوية جيرانهم رهبان الموارنةوأي من عدى عليهم نقاصره مقاصرة ظاهرة وان غيرنا عما هو مذكور بحرف واحد تكون تحت الشرط الذي أشرطناه على أنفسنا وعلى ذلك قول الله ورأي الله وشعيب نبي الله(5) لاتغيير ولاتبديل تحريراً في اوايل شهر رجب المبارك سنة اثنتين  وستين ومئة والف (17 حزيران 1749).

صح صح صح.

الأمير حسن                                             الأمير اسماعيل

(الختم)                                                     (الختم)

(مقال للدكتور اسد رستم مؤرخ الكرسي الانطاكي منشور في “مجلة النور” لسان “حركة الشبيبة الارثوذكسية” العدد 6- حزيران 1962 – السنة 18، وكان بعنوان: “مار يوحنا ومار الياس والكثلكة في الشوير” ونحن تصرفنا فيه بما لم يمس جوهره فقد  غيرنا عنوانه وبوبناه واضفنا عليه زيادات تفيد التوضيح اكثر مع الحواشي، وقد ورد في خاتمة المقال الأساس الفقرة الأخيرة التالية لكاتبه المؤرخ العظيم معلمنا الدكتور اسد رستم:

” وقد يكون لدى اخواننا في المسيح الشويريين الكاثوليكيين مايعاون على فهم الظرف الذي حُرر فيه هذا الصك فإذا ماصح هذا الافتراض فاننا نرجوهم أن يوافونا بما لديهم من النصوص للوصول الى الحقيقة كاملة غير ناقصة.

فالماضي مضى ونحن على عتبة دور من التفاهم والتعاون والصلاة الحارة لوحدة الكنيسة جسد الرب المنظور.”

ونحن تتبعنا بدورنا اصدارات تلك المرحلة ولم نجد التعقيب المرجو لننشره تابعاً لهذا المقال عظيم الأهمية.( اقتضى التنويه).

الحواشي

1-  وهو خريج مدرسة انتشار الايمان في رومة وقد تبناه الرهبان اللاتين، وتم تعيينه بضغط من الرهبان الكاثوليكيين حال تخرجه وعودته على البطريرك كيرلس ابن الزعيم. وتم ذلك بسبب من صفاء نية البطريرك المذكور الطاعن في السن وتمهيدا لصيرورته بطريركا كما هو مخططهم…

2- في البطريركية بدمشق بجلوس كيرلس طاناس على كاتدرا المريمية بتنصيبه بشكل غير شرعي ومخالف، ثم هروبه مع اتباعه عندما قرب وصول البطريرك الشرعي سلبسترس القبرصي و أخذ معه كل ماكان في المريمية والبطريركية من ذخائر مقدسة والبسة وتيجان للبطاركة السابقين، وأدوات مقدسة… الى دير المخلص في صيدا  التابع لخاله مطران الابرشية افتيموس الصيفي، ثم بدأ وقتها ينشىء  هيكلية بطريركية للروم الكاثوليك مع الابرشيات والرهبنات ويقيم اساقفة وآباء عامين للرهبنات… كما في تاريخ الكرسي الانطاكي للطيب الذكر الدكتور اسد رستم، مؤرخ الكرسي.

3-تم فصل الجبل عن بيروت عام 1902  واحداث ابرشيته باسم ابرشية جبيل والبترون وتوابعها وكان اول رعاته هو المتروبوليت بولس ابو عضل وذلك بقرار المجمع الانطاكي تنفيذا لرغبة رعاياه وذلك لكبر ابرشية بيروت والجبل وضعف رعايتها، حيث ورد في عرائضهم المتلاحقة من كل رعايا الجبل الى البطريرك ملاتيوس الدوماني شكواهم من ان المطران ربما كان يتسنى له زيارتهم مرة كل 4 او 5 سنوات، اضافة الى غنى جبل لبنان بالأديرة والحاجة الى رعايتها اكثر والاشراف عليها وتنمية مواردها، وناشدوه والمجمع المقدس احداث ابرشية خاصة بهم، وتم ذلك.

(4) في موقعنا هنا/ اعلام ارثوذكسيون

(5) شعيب نبي الدروز كون الاقطاعيان اسماعيل وحسن اللمعيان منظما الصك والأمير ملحم الشهابي دروز.