المعلم داود قسطنطين الخوري 1860 ـ 1939  

 المعلم داود قسطنطين الخوري 1860 ـ 1939  

 المعلم داود قسطنطين الخوري 1860 ـ 1939 


مقدمة

من اعلام حمص في الكنيسة والادب و القصة والشعر والمسرح

في بعض من السيرة الذاتية

وُلِدَ داود بن قسطنطين الخوري في مدينة حمص  محلة بستان الديوان في حمص القديمة يوم الخميس في 2 شباط سنة  1860، والده الاديب والشاعر الحمصي قسطنطين الخوري من وجهاء وأراخنة أبرشية حمص، والدته السيدة زهراء لوقا 1860 في بيت  ككل البيوت الحمصية والعائلات الارثوذكسية، منتمٍ الى الكنيسة وممارس لطقوسها  سواء في البيت وكذلك في الكنيسة صحبة والديه. ولذلك عشق الترتيل الرومي منذ طفوليته، فكان يرتل وبصوت شجي منذ طفوليته، ويقوم بالخدمة ككل رفقته في هيكل الكنيسة بتشجيع من والديه.

علمه وثقافته

تلقّى في حمص علومه الأوليّة مبكراً في كتاب من الكتاتيب، حيث لم تكن بعد مطرانية حمص قد احدثت المدارس الغسانية الارثوذكسية الشهيرة (احدثها مثلث الرحمات مطران حمص اثناسيوس عطا الله في منتصف العقد الثامن من القرن 19) كما أخذ عن والده اللغة العربية وآدابها وفتن بشعر ابيه، وكذلك علمه والده اللغة التركية، وألم  باليونانية عن استاذ يوناني زائر لمدينة حمص اودعه والده لديه لتعليمه اليونانية كونها لغة طقسية في الكنيسة الارثوذكسية الانطاكية تفيده في الترتيل الرومي البديع بشقيه العربي-اليوناني.

 ولكن علمنا منذ طفوليته كان عاشقا للقراءة والتثقف بمفرده وبجهوده ومايقع تحت يده من مخطوطات وكتب في العبادة المسيحية الارثوذكسية وفي شتى انواع العلوم والمعارف، يبادر الى اقتنائها بتسهيل ودعم من والده  معتمداً  على نفسه منهج التثقيف الذاتي ككل ابناء عصره، لذا كانت مطالعته الشخصية هي مدرسته الكبرى.

 ظهرت ميوله الأدبية مبكرة، فاقتنى من الكتب المخطوطة والمطبوعة ليزيد من غذاء نفسه الروحي والعلمي ما أشبع فيه تطلعه وأرضى أشواقه، وتكونت لديه ثقافة أدبية علمية تاريخية فأصبح كوكباً ساطعاً في سماء الترتيل ونظم التسابيح الكنسية الارثوذكسية، وفي الأدب والفن والتأليف والتمثيل والشعر فكان سريع الخاطر، متوقِّد الذهن واسع الخيـال وتفتّتحت عبقريته عن شِعْرً رقيق وفنّ تصويري رائع، وذاع صيته حتى في الأقطـارالعربية.

كاتدرائية الاربعين شهيدا الارثوذكسية في حمص بستان الديوان
كاتدرائية الاربعين شهيدا الارثوذكسية في حمص بستان الديوان

عمله

عمل في بداية عهده موظفاً في الدوائر الحكومية ثم أُستاذاً للرياضيات والفــن والموسيقى في المدارس الأرثوذكسية بحمص عام 1888، وتخرَّج على يديــه ما لايُحصى من التلاميذ. عمل مدرساً للغة العربية والتاريخ والموسيقى الكنسية والشرقية في المدرسة الأرثوذكسية بحمص (1888) – إلى أن دخلت تركيا الحرب فأغلقت المدرسة من 1914-1918، كما انقطع عن التحرير في جريدة حمص التي توقفت عن الصدور بسبب الحرب أيضاً.

داود الخوري وابو خليل القباني
كان علمنا اضافة الى مواهبه كصحفي ادار جريدة “حمص” وحرر فيها منذ تأسيسها عام 1909 الى ان توقفت مؤقتاً سنة 1914 بسبب دخول تركيا الحرب العالمية الأولى، وكان مترجماً أجاد اليونانية والتركية وألمَّ بالفارسية، وكان فوق الكل نابغة في التأليف المسرحي وفناناً ذو اذن موسيقية مرهفة، اذا سمع لحناً عمد الى تصويره في منظومة رقيقة، وواحداً من ابرز تلامذة الشيخ احمد ابي خليل القباني الرائد المسرحي الاول في سورية ومصر ولكن يقينا ان الموسيقا البيزنطية وصوته المطواع لها واجادته فن الترتيل اكسبه كل هذا الاحساس الموسيقي المرهف فالموسيقا البيزنطية من الروعة ماتتيح لعاشقها صقل موهبته وتنظيف اذنه الموسيقية وتطويع صوته وهكذا كان علمنا داود موسيقيا  بزنطياً من الطراز الرفيع مع التطويع الشعري للكلمة واجادته اليونانية…

بعد أن توقفت الحرب العالمية الاولى وتحررت سورية من النير العثماني، واستؤنف النشاط التعليمي والصحفي آثر أن يعمل مع أبي خليل القباني في مسرحه بدمشق وقد تعرف عليه يوم كان موظفاً في حكومة دمشق، عن طريق الوالي المصلح مدحت باشا الذي دعا الى اقامة نهضة مسرحية، بعدما رأى كثرة المقاهي التي تُمَّثَّلْ فيها حكايات (قره كوز وعيواظ)، فانتقد وجهاء دمشق على هذا المستوى المنحط، ولامهم لاقبالهم على مشاهدة مناظر مخجلة، واستماع الفاظ بذيئة، ولما سألهم  الا يوجد من يستطيع اقامة مسرح تمثل فيه الروايات الادبية، دلوه على ابي خليل القباني الذي كان يقوم يومئذ بتمثيل بعض الروايات في سهرات خاصة مع فريق من اصحابه في بيوت دمشق.

منذ ذلك اليوم صار داود قسطنطين الخوري لايفارق أبا خليل، يلازمه كظله، يؤلف الاشعار ويلحنها لرواياته  بما أوتي  من موهبة موسيقية لاتقل عن موهبة أبي خليل، وصوت رخيم عذب، وحنجرة صافية، واحساس دقيق بالنغم، فكتب خلال وجوده موظفاً في دمشق عدة مسرحيات نالت اعجاب الجمهور بمغزاها ومعناها، كما اشترك مع المعلم يوسف شاهين بتأليف مسرحيتين أخريين هما”يهوديت” و”سميراميس”، وكانت اناشيدهما والحانهما من وضع داود الخوري وتلحينه.، غير أنه عاد إلى حمص حين تعرض مسرح القباني لمعارضة قوية من المشايخ والبيئة الشامية المحافظة. ضمت فرقة القباني مبدعين معاصرين منهم نقولا شاهين وعطا الايوبي وعزت الاستاذ.

يقول الاستاذ عيسى فتوح في مقاله عنه بكتابه “شموع في الضباب” آسفاً:” لم يصلنا من تراث الخوري الا خمس مسرحيات عثر عليها الدكتور شاكر مصطفى عند ابنائه في البرازيل وهي: “مثال العفاف في رواية الأميرة جنفياف” و”الصدفة المدهشة” واليتيمة المسكوبية” و”عمر بن الخطاب والعجوز” و”الابن الضال” وطبعها ضمن آثاره الكاملة، اما مسرحياته”جابر عثرات الكرام” و”السامري الشفيق” و” العذارى العشر”فلم نقف على أثر لها، ويبدو انها ضاعت في جملة ماضاع من آثاره، أثناء تنقلاته بين دمشق وحمص والبرازيل، ويذكر المؤرخ أدهم الجندي أنه لحن رواية “كورش” وهي المسرحية الوحيدة التي الفها زميله يوسف شاهين.”

لم يفارق داود الخوري صديقه ابا خليل القباني الا بعد ان قامت على الاخير ثورة رجال الدين المشايخ المتعصبين، اذ انكروا عليه فن ( الكوميضة) الذي “تعافه النفوس الأبية، وتراه على الناس خطباص جليلاً، ورزءاً ثقيلاً لاستلزامه وجود القيان، ينشدن البديع من الألحانن بأصوات توقظ أعين اللذات، في أفئدة من حضر من الفتيان والفتيات، فيمثل على مراى من الناظرين، ومسمع من المتفرجينن أحوال العشاق…”

ثم هدموا وأحرقوا مسرحه الذي كان قد أنشأه وأنفق عليه من ماله الخاص، وباع في سبيله حصته من أراضي جديدة عرطوز وحصته من املاكه بدمشق مع القبان الذي كان يملكه…فرحل الى مصر، في حين عاد علمنا الى حمص ليتابع العمل مفرده، فمثل فيها اوبريت”مثال العفاف في رواية الأميرة جنفياف” عام 1890، ثم مثلها هواة ومحترفون في جميع الاقطار العربية عشرات المرات، حيث لقيت استحساناً كبيراً واقبالاً منقطع النظير، حتى نقلها تلامذته الى البرازيل ومثلوها عام 1900، وكانت مسرحياته بالاجمال غنائية من نوع الاوبريت، وهو اللون الذي كان شائعاً في بداية عصر النهضة المسرحية، في كل من سورية ومصر.

وبالرغم من تشتت الصديقين وافتراقهما، فقد بقيت اواصر الود تربط بينهما، فما ان عاد القباني الى دمشق بعد غياب ثماني سنوات تقريباً في مصر، حتى قصد حمص مع عائلته عام 1890 وحل فيها ضيفاً كريماً على أصدقائه: داود الخوري، وغبد الهادي الوفائي ومحمد خالد الشلبي، وكلهم من هواة الفن المسرحي، فأقاموا له معملاً لصنع النشاء ليقيه شر العوز، ويبعد عنه شبح الفاقة، فمكث عندهم سنة واحدة، ثم قفل راجعاً الى مصر، بينما بقيت زوجته واولاده يديرون بعده معمل النشاء حتى سنة 1891.

 

المعلم داود قسطنطين الخوري 1860 ـ 1939  
المعلم داود قسطنطين الخوري 1860 ـ 1939

هجرته

هاجر إلى البرازيل عام 1926  مع باقي أفراد اسرته بدعوة من ولديه الكبيرين توفيق والبرتو، حاملاً معه مسرحياته وأشعاره، فاحتفلت به الجالية السورية بقدومه احتفالاً عظيماً، وانهالت عليه الطلبات من المؤسسات الخيرية والادبية في سان باولو لاقامة الحفلات والروايات التمثيلية، فلبى طلباتها، ومثل روايته “اليتيمة المسكوبية” لكنه لاقى صعوبات جمة في انتقاء الممثلات وتلقينهن الأدوار والألحان، لندرة الفتيات اللواتي يتقن اللفظ العربين ومع ذلك فقد لقيت هذه المسرحية وغيرها نجاحاً كبيراً، تحدثت عنها الصحف العربية في المهجر باسهاب، وهناك ترأس “النادي الحمصي” الشهير الذي كان واحة ادبية، وواصل نشاطه المسرحي حتى رحيله.

قلنا انه عندما هاجر الى البرازيل حمل معه مسرحياته واشعاره التي استطاع ان يجمعها، فظل هذا التراث بعيداً عن انظار مؤرخي الادب ونقاده الذين كانوا يبحثون بأظافرهم عن اي مادة يضعونها اساساً لدراساتهم عن بداية القصة والمسرح في سورية قبل اكثر من قرن من الزمن.منهم كان الدكتور شاكر مصطفى الذي اصبح قنصلاً لسورية في البرازيل وتعرف بأبنائه -وهم قمة شامخة- ومفخرة من مفاخر الجالية السورية في المهجر فوضع يده على هذا الكنز الثمين وحمله عائدا به الى سورية ليطبعه وتم لهذلك وطبع هذا التراث -وان لم يكن كاملاً-بالتعاون مع ابناء الخوري ووزارة الثقافة السورية سنة 1964 فجاء في خمسمائة صفحة من القطع الكبير، وبذلك صانه من التشتت والضياع، فقد كان مقدراً له – لولا- الدكتور مصطفى ان يبقى مخطوطاً ومدفوناً في تلك الارض البعيدة عن الساحة العربية.

توجهه القومي

أسهمت مسرحياته في إيقاظ الروح العربية وبعث الاعتزاز القومي، ولكن دون إثارة ومبالغة، وهذا الاعتدال سبب نجاته من المصير الدامي الذي واجهه القوميون  استشهاداً ونفياً على يد  السفاح التركي  جمال في بلاد الشام.

يعد علمنا من الذين أضحوا بعدئذ من أرقى رجالات مدينة حمص وسورية والمغترب السوري عِلْماً وثقافة وأخلاقاً وبعضهم وهو منهم آقاموا في المهجر.

حمص القديمة 1879
حمص القديمة 1879

عضوية الجمعية الامبراطورية الروسية
وتقديراً لنبوغــه وخدماته الكبيرة لوطنه وللمدارس التي عمل بها عيّنتــه “الجمعيــة الإمبرطورية الفلسطينية ـ الروسية الارثوذكسية” التي كانت تنشيء وتدير المدارس الأرثوذكسية على نفقتها في معظم ارجاء الكرسيين الانطاكي والاورشليمي ـ عضواً في مجلس إدارتها.
كما ومنحته الحكومة الروسية وسام القديس فلاديمير عام 1907 وهو من ارفع اوسمتها سواء في الدولة القيصرية الروسية، أوفي روسيا الحالية…
بقي  معلمنا داود يعمل في مجال التدريس في مدارس الغسانية الارثوذكسية في حمص، ومديراً لتحرير جريدة حمص إلى أن دخـلت تركيـا الحرب العالمية الأولى سنة 1914 فانقطع عن التدريس لسبب إقفال المدارس وتوقّفْ جريدة حمص عن الصدور. فعمل بعدها بالتجارة والصناعة.

المعلم داوود واسرته في سان باولو
المعلم داوود واسرته في سان باولو

مواهبه المتعددة
كان آية باهرة بالذكاء والنباهة فاستثمر قلمه ومواهبه في سبيل النفع العام وخدمة المجتمع، وقد حباه الله حنجرة ذهبية فيها النغم الطروب واللحن الحزين والاداء المتقن، وكان يرتل الالحان الرومية ممزوجة بالالحان والمقامات الشرقية بجزالة وهو احد اهم مرتلي حمص، ويكاد يكون كذلك في الكرسي الانطاكي المقدس في عهده وبين معاصريه، ويكفي انه ترك لحمص وللكرسي الانطاكي القطعة البديعة شعراً ولحنا للقديس ايليان الحمصي:” لك ياحمص افتخار…”

دير مار اليان الحمصي الارثوذكسي في حمص القديمة
دير مار اليان الحمصي الارثوذكسي في حمص القديمة

ولعلمه وولعه بفنون التمثيل والتأليف وسبك الحقائق في قالب الخيال المُمَّثلْ على خشبة المسرح كانت رواياته الشهيرة المذكورة أدناه غنائية من نوع الأوبريت:
(العفاف في رواية الأميرة جنفياف ـ اليتيمة المسكوبية ـ الصدف المدهشة ـ عمر بـن الخطّاب والعجوز ـ الإبن الضال ـ جابر عثرات الكرام ـ العشر عذارى ـ السامـري الشفيق ، وله أيضاً مع المعلِّم يوسف شاهين ( 1853 ـ 1944 ) روايتان هما : (يهوديت وسمير أميس) وكانت أناشيد هاتين الروايتين وألحانهما من وضعه وكثيراُ ماكان ينظم ويُلحِّن في ليلة واحدة أُغنية وأُغنيتين، كما لاقــت الروايتان: (العفاف في رواية الأميرة جنفياف، واليتيمة المسكوبية) نجاحاً كبيراً. فالأولى مُثِّلَت في حمص عام 1890ومُثلت مئات المرّات في جميع الأقطار العربية من قِبَل ممثّلين محترفين وهواة، كما مُثِّلَت في البرازيل عام 1900 من قِبَل تلاميذه في المهجر.

اسرته
تزوّج داود من كرياكي إبنة الخوري ابراهيم السمان سنة 1892 ورُزِقا بثلاثة بنين وثلاث بنات هم:

توفيق ـ عبد المسيح (البرتو) ـ عفيف ـ مفيدة ـ أديل ـ عفيفة.
وبطلب من ولديه في البرازيل توفيق وعبد المسيح (ألبرتو) سافر إلى البرازيل (سان باولو) عام 1926 ورحّبت به الجالية الحمصية هناك وأكرمته بما يليق بمقامه.

ساحة الساعة القديمة والسوق في حمص بداية القرن الماضي
ساحة الساعة القديمة والسوق في حمص بداية القرن الماضي

مكانته
لم يترك مناسبة في الوطن والمهجر إلاّ وكان من مدعوّيها ومُلقياً بشعره بتلك المناسبة متجلياً ومحفوفاً بالتقدير وعلى سبيل المِثال لاالحصر مناسبات:

– اليوبيل الفضي للميتم السوري في سان باولو

ـ تهنئة بشارة محرداوي بعيده الخمسيني

ـ قصيدة بمناسبة تبرع أسعد عبدالله حداد بمكتبة فاخرة للنادي السوري

ـ تهنئة المطران أثناسيوس عطاالله بيوبيله الفضي عام 1911 بحمص

– تهنئة صديقه المعلِّم يوسف شاهين بيوبيله الفضي بحمص. 

كاتدرائية القديس جاورجيوس الارثوذكسية الانطاكية في سان باولو البرازيل
كاتدرائية القديس جاورجيوس الارثوذكسية الانطاكية في سان باولو البرازيل

وفاته
توفي المُعَلِّم داود قسطنطين في سان باولو يوم الخميس في 16 شباط سنـــة 1939. وتميز تشييعه بمظاهرة سورية وحمصية ووطنية في كاتدرائية سان باولو بحضور كل الاكليروس من كل ارجاء البرازيل وحضور اكليريكي وشعبي من الكنائس الشقيقة وكل المغتربين.
كما أقامت له الجاليات العربية  في ارجاء البرازيل، والارجنتين وكل الاغتراب في اميركا الجنوبية وابرشياتها أو في الولايات المتحدة الأميركية  وابرشيتها ورابطاتها الادبية السورية المغتربة حفلات تأبينية ورثاه أُدباء المهجر مثل نسيب عريضة، ندرة حداد، بدري فركوح، نظير زيتون، نصر سمعان، ميشيل مغربي، سلوى سلامة أطلس… وغيرهم بقصائد شعرية تليق بما قدّمه في حياته من أعمال عظيمة. كما استلمت عائلتـه في سان باولو مئات البرقيات ورسائل التعزية منها رسالة تعزية من مؤرخ حمص الخوري عيسى أسعد(1878ـ 1949) حيث كان زميله في التعليم وفي تحرير جريدة حمص، كما نعته صحف المهجر كافة. و نشر الكاتب الكبير نظير زيتون على صفحات جريــدة (الفجر) الحمصية مقالاً نفيساً شرح فيه حياة الفقيد وأدبه ونبوغه  ونشرت جريـدة (حمص) في عددها  439 الصادر بشهر تموز سنة 1960 مقالاً تحت عنوان:
” اليوبيل المئوي للخالد الذكر المغفور له العلاًمـة الكبير رجل التضحيـــة: داود قسطنطين الخوري” وفي المقال نبذة عن حياة الفقيد وخدماته العديدة الصادقة لحمص وبعض من قصائده.

حمص القديمة الحميدية
حمص القديمة الحميدية

وصيته

أوصى المرحوم أن يكتب على قبره ومن نظمه البيت التالي: 
“تفنى الجسوم ورسمها يفنى على مرّ الزمن…………….فابْرِرْ فليس يدوم إلاّ اللـه والذكر الحسن”
تكريمه في الوطن و تخليداً لذكراه: 
1 ـ عمل المجلس البلدي لمدينة حمص على تسمية الشارع الكائن في حي باب السباع الذي يمتد من شــارع ( محمد عبده)الى شــارع (أميّة) بإسم  علمنا: داود قسطنطين الخوري وذلك بتاريخ 29 تشرين أول 1953.
2 ـ كما أن وزارة الثقافة أحيت ذكراه بإصدار كتاب سنة 1964 بعنوان : المُعَــلِّم داود قسطنطين الخوري( تراثه الكامل في الرواية والشعر والأدب) .
ونورد فيما يلي مقتطفات من أعماله: 

ضريح مار اليان في دير وكنيسة مار اليان الحمصي الارثوذكسي
ضريح مار اليان في دير وكنيسة مار اليان الحمصي الارثوذكسي


1 ـ عمل على نظم ترنيمة القديس إيليان الشهيرة شعراً ولحنا التي مطلعها ويطرب معها المرتلون وخاصة ان كان جميلة اصوات المرتلين وافراد الجوقة ويتقنون الترتيل، ويطرب السامعون ويتمايلون وانا  في الحالتين منهم:
لكِ ياحمص افتخارٌ ثابت طول الزمان …………………………….أنتِ للأبــرار دارٌ أنت منشا يوليـان
2 ـ كما أنه بعد أن تمّ بناء وتجديد كنيسة القديس إيليان وتدشينها عام 1845 في عهد المطران متوديوس فقد أرَّخ التدشين المرحوم والده قسطنطين الخوري بعدّة أبيات من الشعر التي أصلحها نجله داود محتفظاً بمعانيها الأصلية والمثبّتة الآن على لوحة رخامية بمدخل الكنيسة وكان مطلعها:
” لشهيد حمص شيّد ذا الدير الذي أضحى مزاراً للبعيـد وللقريبِ
فلتفخر هذي المدينة إذ بهــا قد أشرق القديس إيليان الطبيب”

رواية الأميرة جنفياف
رواية الأميرة جنفياف


ـ من قصيدة الحنين إلى سورية
لي لذّة في ذكْر مجد ربوعي لكنه ذكّرٌ يُسيل دمــــوعي
ذكْرٌ به أرجو لقلبـي راحةً فيثير نارَ الوجـد بين ضلوعي
أن أنسى سورية فما أنا بإبنها ـ الوافي وما حُبّي لها بطبيــعي
فأنا الولوع بحبّها في صبْوتي والبُعد عنها لايُزيل ولوعــي
ياأيّها الدهـر الذي أقصيتني اتجود لي يومـاً بحسْن رجوع؟
ـ من ترتيلة وطنية
حيّ الديار الســورية بعواطف حب وطنيــة
تلك الجِــنان العربية ما أحــلاها لاأنسـاها
مادام لي نفس حيّة
سورية مغنــى أُنْسي مستوطني منشأ غرسـي
في أفقها لاحت شمسي وأبصرت فيـــها نفْسي
نور الحيـاة الحبيّة
ـ من قصيدة يفتخر بعروبته
ألا يامعشر العرب الأكـابر وياأهل المـآثر والمفاخر
لكم لغة حوَت أسمى الجواهر بدّر اللفظ والمعنى غنـية
ــــــ
فإن لم أحترم لغتي وجنسي أضع قوميّتي وجلال غرسي
فيا لغـة الجدود فدتك نفْسي فدومي ياحيـاة العرب حيّة

مسرحيات داوود قسطنطين الخوري
مسرحيات داوود قسطنطين الخوري


ــــــ
ـ كما نظم الأناشيد والتراتيل الوطنية والدينية مثل: نشيد النادي السوري نشيد النادي الحمصي ـ ترتيلة الإتحاد الوطني ـ ترتيلة موجّهة لسوري والبلاد العربية ـ نشيد وطني سوري ـ أناشيد أدبية ـ أناشيد مدرسية-  أناشيد دينية مسيحية وغيرها.

الخاتمة

يعد علمنا من رجالات عصر التنوير الشامي بأبعاده الوطنية والقومية في الثلث الاخير من القرن التاسع عشر  ومن الرواد في الهاب المخيلة الوطنية والقومية للتحرر من عصر الاحتلال التركي وطغيانه، من هنا تتكشف قيمة آثار قسطنطين الخوري التي كتبها وظل يكتبها أكثر من خمسين عاماً، فكان من الرواد الماهدين الذين عبدوا الطريق لهذه النهضة المسرحية التي نقطف ثمارها اليوم.

لقد كتب كثيرون عن ابي خليل القباني ولكنهم اسقطوا مدرسته وتلاميذه ولم يقفوا عن الخوري هذا التلميذ النابغة الذي عرفه معاصروه شاعرا يجيد القافية لمسرحيات القباني ويعين عليها، ويحسن الموسيقى والالحان، وتهتز لهاته بالغناء وللغناء…

علمنا اثبت نبوغاً في  كل المجالات الفنية والمسرحية اضافة الى عميق انتمائه الكنسي لكرسينا الانطاكي في الوطن والمهجر وفي الادب والشعر والموسيقا والمسرح وحسنا فعل الوطن عموما وحمص خصوصا في تكريمه وان كان التكريم محدودا وينبغي الاضاء عليه ليعرفه ابناء كل الاجيال وهو ماقمنا به في تسليط الضوء عليه وامثاله في  موقعنا.

المـــراجع
ـ إنارة الأذهان في ترجمة الشهيد الحمصي إيليان : الخوري عيسى أسعد 1928
ـ تذكار اليوبيل الفضي للمطران اثناسيوس عطاالله : رزق الله نعمة الله عبود 1911
ـ المعلِّم داود قسطنطين الخوري : وزارة الثقافة 1964
ـ أدباء المهجر : جورج صيدح 1957
ـ تاريخ حمص ج2 : منير الخوري عيسى أسعد 1984
ـ الجذر السكاني الحمصي ج5 : نعيم الزهراوي 2003 

– داوود قسطنطين الخوري / المهندس جورج فارس رباحية