سارة محفوض - أم الجياع في السقيلبية...

سارة محفوض – أم الجياع في السقيلبية…

 

سارة محفوض – أم الجياع في السقيلبية…

مقدمة

ابتليت سورية في اواخر سنوات الاحتلال العثماني بين 1914- 1918 اي في  فترة الحرب العالمية الاولى بمجاعة ثقيلة الوطأة دعيت وقته ب”مجاعة السفر برلك” ترافقت مع هذه الحرب التي كانت فيها تركيا من دول المحور وشريكة مع المانيا وبلغاريا ضد الحلفاء الفرنسيين والانكليز والاميركان… دفعت فيها سورية خيرة شبابها استشهادا بحرب لم تكن لسورية وشعبها اي مغنم ولا ناقة او جمل ومعظمهم قضى في جبهات غريبة عن الوطن في جبهات الروملي وترعة السويس، وقد حملت الى الهجرة الى المنافي البعيدة العديد العديد من العائلات والشباب بسبب المظالم التركية والبطش الشديد والغلاء والعوز والاستعلاء العثماني التركي على الشعوب المحكومة، وفوق ذلك قضى مئات الالوف من سكان سورية جوعاً على ارصفة دمشق حيث تقول بعض المصادر المعاصرة ان عشرات الالوف من اللبنانيين حوالي 85 الف من بيروت وزحلة وجبل لبنان… قضوا جوعاً على ارصفة دمشق.

وكان السبب في هذه المجاعة العارمة  القحط والجفاف فلم تنبت الارض وصادر الاتراك كل الغلال بأوامر من السفاح التركي الاتحادي جمال السفاح حاكم سورية وقائد الجيش الرابع من اجل تموين جيشه وحليفه الجيش الالماني، وزاد في ذلك موجات الجراد وكانت على شكل جائحات قضت حتى على اوراق الاشجار وهاجمت البيوت وصار مد القمح يفوق سعره العادي بعشرين ضعفاً وكلنا نذكر مثلث الرحمات البطريرك الرحوم غريغوريوس الرابع 1906-1928 ومآثره التي اوردناها في سيرته العطرة المتقدسة بأفعال الرحمة والوطنية المستمدة من الوثائق البطريركية والتي ادرجناها باسمنا في موقع بطريركية انطاكية وسائر المشرق للروم الارثوذكس، وفي موقعنا الشخصي هنا بكل اسف استلبها كثيرون ونحلوها لأنفسهم دون ذكر المصدر.ومافعله حينما فتح ابواب البطريركية لاطعام الجياع طيلة اربع سنوات من مائدة البطريركية الفقيرة اصلاً وباع ورهن الاوقاف واواني الكنائس والاديرة البطريركية الذهبية والفضية وحتى صليب جبهته الماسي واستدان بفوائد فاحشة وبلغ قيمة الدين حوالي 30 الف ليرة عثمانية ذهبية وقد بيعت معظم الاوقاف في دمشق وسواها لوفاء الديون والفوائد في عهد خليفته البطريرك الكسندروس وصارت البطريركية كما يقال في التعبير الدارج من شدة الفقر:”على الحديدة”

والحق يقال اني عثرت على سيرة مقاربة  للبطريرك غريغوريوس الرابع في افعال الرحمة واعمال الخير في ذات الفترة العصيبة وهي فترة سفر برلك اوردها كاتبها الاستاذ حسان الحموي في صفحة النادي النسائي الشامي لسيدة من السقيلبية بلدة الصمود والاصالة والجود هي السيدة سارة محفوض ابنة عبد الكريم الرستم وهو من مشايخ السقيلبية ككل آل الرستم ومن مشايخ كنيسة ابرشية حماة للروم الارثوذكس ومن الاثرياء والوجهاء في مدينة حماه والمحافظة. وشغل العديد من افراده هذه العائلة الوجيهة مواقع هامة في مفاصل الدولة السورية الحساسة وسلكها الخارجي وفي قيادات الجيش والشرطة والقضاء السوري و… في القرن العشرين.

وهنا  ارى لزاماً علي ان اُدرج بالحرف مانشرته صفحة النادي النسائي الشامي المخصصة اصلاً لاظهار تألق المرأة السورية في العصر الحديث والمعاصر وذلك حفظاً للموثوقية، وحفظاً لحق كاتبها، ومن استند عليهم بما اورد من شواهد، وما اضاف عليه الصديق الاستاذ غيث العبد الله ابن السقيلبية وصاحب “موقع السقيلبية” الثقافي المعروف. 

كتب الاستاذ حسان في صفحة النادي النسائي الشامي    

“حاتم الطائي ذبح حصانه إكراماً لضيفه! فخلده التاريخ!

و أما ضيفتنا اليوم فأطعمت أهل بلدها ما قيمته تساوي نصف قيمة حصان في حينه و على مدى أربع سنوات و بشكل يومي …

و اما من غرائب و عجائب مأثرها رحمها الله انها أمرت بخلع باب دارها و تركه مفتوحاً بعدما وجدت رجلا توفي من البرد على بابها عندما فتحته لتستقبل اصحاب الحاجات ..

“و بالرغم من أن الغالية الصديقة و الاخت و الفنانة سارة سامي الرستم الكريمة بنت الكرام و حفيدة الفاضل عبدالكريم الرستم رحمه الله هي من المقربين الى نفسي و قلبي و صديقة عمري ..

الا انها و من شدة تواضعها لم تحكي لي عن جدتها سارة و التي فاقت حاتم الطائي جوداً و كرماً!

يستند الاستاذ حسان فيقول:

كتب الأستاذ الكريم نصر سروري كيلاني المحترم ( وهو من اعيان مدينة حماه) فقال مما قال: 
“أمرني والدي بعد تعرضنا الى تعطل سيارتنا على الطريق ان اذهب الى السقيلبيه و الى منزل السيد عبدالكريم الرستم وكان باطراف البلده لأقصده و اعرفه بنفسي و ان والدي ارسلني ليرسل لنا العون، وسألت الحارس عنه فقال انه لايوجد احد منهم وكلهم بمدينة حماة، وهنا اسودت الدنيا بوجهي لانني لم اجد سياره تقلني الى حماة …”

و بعد سرد جميل للأحداث قال:
“سألت والدي بعدها لماذا طلب مني ان اذهب الى بيت المرحوم عبدالكريم الرستم بالذات!

وهنا قال لي، يا ولدي، بالاضافة للصداقه بين عائلتينا فانني سوف اقص لك عن والدته الفاضلة المرحومة سارة محفوض – أم عبد الكريم الرستم.

سارة محفوض .. كانت ابان الحرب العالمية الاولى و مجاعة “السفر برلك” وعند اشتداد الجوع وغلاء القمح بحيث اصبح قيمة القنطار منه يبلغ اربعون ليرة ذهبيه عثمانيه، والقنطار عباره عن ٢٥٦ كيلو غرام!

كانت كل يوم تخبز نصف قنطار طحين وتطبخ نصف قنطار برغل!

وتقف على بيدر السقيلبيه وتقوم باطعام الجياع بيدها، حيث تعطي كل شخص رغيفاً من الخبز وتضع له عليه مغرفة برغل من الدست الذي طبخت منه..

كانت تقف وتصيح “عَ العيش ياجوعان”!

وكان ذلك كل مدة ” سفر برلك” الذي امتد زهاء اربع سنوات.”

أليست هذه السيدة من النسوة التي يجب ان لايَغِبن عن الذاكرة؟ 
أليست أكرم من حاتم الطائي؟
أليست من الاشخاص النادرين عبر الزمن؟”
إنتهى…

نعم .. رحم الله أم عبد الكريم! 
رحم الله الفاضلة سارة محفوض أم النخوة و الكرم و الجود ..

و اطال الله بعمر سارة سامي الرستم Sara Sami Al Rustom الاخت و الصديقة الغالية و التي حملت اسم جدتها و هي تحمل ايضا خصالها ..

لمن لا يعرف فإن آل رستم كانوا من أثرياء حماه و عائلاتها الاصيلة ..
و كانوا من اكبر من عمل بتجارة القمح و البذار …

و لكنهم لم يهربوا اموالهم و ارزاقهم في ايام القحط و الشدة بل فتحوها للفقير ..

و هاهي الفاضلة أم اكرم تطهو و تخبز و تقدم الطعام و تنادي عليه ليقدم الفقير و يشبع …
و لم تجلس على اريكتها الفاخره في بيتها المنيف لتتمتع بالخير و تنسى الغير …”

 اضاف الاستاذ غيث العبد الله المداخلة التالية على النص اعلاه

” اسمحوا لي أن اساهم معكم حول جدتنا السيدة سارة بنت محفوض بهذه الإضاءة:

سارة بنت محفوض أم عبد الكريم زوجة الشيخ رستم ابن ابراهيم المتوفي سنة1893 والذي على أيامه شيدت كنيسة القديس جاورجيوس في السقيلبية.
مازال أهل السقيلبية حتى اليوم يسترجعون تلك الحادثة الشهيرة التي حدثت قبل أكثر من مائة سنة خلت، والتي تحكي عن كرم وضيافة السيدة سارة بنت محفوض أم عبد الكريم، فقد استيقظت صبيحة نهار شتائي لتجد أمام بيت دارها الموصد جثة فقير جائع، أماته الجوع والعوز والحاجة، والصقيع حين كان يقصد أهل البيت في وقت متأخر من الليل طلباً لسد جوعه، فما كان من سارة أمام هذا المشهد المفاجئ و الحدث المفجع إلا أن خلعت ذلك الباب نهائياً وألقت به جانباً لتُبقي ذلك الدار بلا حاجزٍ أمام من يقصدها من طالبي الحاجة وعلى مر السنين.
في”كتاب الذكرى” يخاطب الصحفي المهجري انطونيوس الخوري الشيخ عبد الكريم الرستم قائلاً:
سلام على أمكم سارة التي كانت بهيبتها وكمالها تشبه الملكات وقد يصدق فيها قول الشاعر :
تَغضيْ حياءً ويُغضى من مهابتِهـا فلا تكلّم إلا حينَ تبتسمُ
وكانت جوادةً متلافة ورثت الجود عن بعلها، والجود فيها سجية، وكانت في الجود كنوّار امرأة حاتم أو تزيد، فسلام عليها وغيثٌ وقطرٌعلى ضريح ضمّ رفاتها.
توفيت السيدة سارة بنت محفوض سنة 1930″.

خاتمة 

حفلت بلدة السقيلبية برجالات قل ان يجود التاريخ بمثلهم في امكنة اخرى، في صدق الانتماء للوطن السوري، وللكنيسة الارثوذكسية وهي موطن الشهامة والعزة والاباء وحتى الآن تقف هذه المدينة التي قدمت (مع شقيقتها وجارتها) محردة اعداداً من الضحايا من الشهداء والجرحى والمخطوفين والدمار بكل شيء حتى في الكنائس والمستشفيات اضافة الى البيوت والمؤسسات الخاصة، ومع ذلك وقت السقيلبية كالطود شامخة منذ قرون خلت وحتى اليوم وهي تتابع هذا الصمود وهي المسماة مدينة السباع وشقيقتها محردة مدينة الفهود واتخذ العدوان المستمر عليهما طابع الحرب الطائفية التكفيرية وصمدتت السقيلبية بدفاعها الوطني وقاومت بقيادة الصديق السبع نابل العبد الله وهو احد احفاد هذه الجدة الطائية التي عاشت على غرار البطريرك غريغوريوس الرابع في جوده وكرمه كأهلها… هذا البطريرك الذي كتبنا عنه شذرة صغيرة جداً في المقدمة.

علما ن هذه الاسرة كانت مع آل العبد الله بسبب مكانتهما وخدمتهما للكنيسة الارثوذكسية في حماه ودير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي  من المقربين لكل بطاركة ومطارنة الكرسي الانطاكي المقدس في حماة وطرابلس وحمص… وبخاصة  البطريركين العظيمين غريغوريوس الرابع والكسندروس الثالث1931-1958… والبطريرك اغناطيوس الرابع 1979-2012

كان من واجبي انا أن انشر في موقعي هنا المخصص لابراز شخصيات من كرسينا الانطاكي المقدس ومن الوطن الغالي سورية لذا نشرت عن هذه الفااضلة وهي ابنة الكنيسة بامتياز وعملت بما تؤمن به مماعلمنا اياه الرب يسوع في اطعام الجياع والعطاش…

فطوبى لهذه السيدة وأسرتها أفعال الرحمة التي خلدتها وقد بنت لها مساكن في السماء…

طوبى لمدينتها السقيلبية وهذا ليس غريبا عن اهلها وابنائها.

المراجع

– النادي النسائي الشامي/ الاستاذ حسان حموي

– الاستاذ غيث العبد الله

– سيرة البطريرك غريغوريوس الرابع/ موقعنا د.جوزيف زيتون