ايليا صاعدا الى السماء على مركبة نارية

سيرة النبي الياس

سيرة النبي الياس

ظهر النبي الياس كما كل الأنبياء قي اسرائيل نظراً لما فطر عليه العبرانيون من النزعة الى الشر والميل الى الابتعاد عن الصلاح ليقوم اعوجاجهم…

هو من انبياء اليهودية ورد ذكره في التناخ في سفر الملوك الثاني في عهد آخاب الملك، وذكر في العهد الجديد عند تجليه مع الرب يسوع في جبل حوريب.

عاش في القرن 9 ق.م في عهد آخاب الملك وزوجته الملكة الشريرة ايزابيل، وكانت المملكة العبرية منقسمة على ذاتها، مملكة اسرائيل في الشمال وعاصمتها السامرة، ومملكة يهوذا في الجنوب وعاصمتها اورشليم وحصل ذلك الانشقاق بعد موت الملك سليمان عام 933 ق.م.

ايزابيل فينيقية الأصل بنت ملك الصدوقيين أنتبعل ، فلما تزوجت آخاب وانطلقت الى السامرة، أخذت معها صنم البعل وصنم عشتاروت مع 450 كاهناً وثنياً يأكلون ويشربون على مائدتها ويقيمون شعائر عبادة الأوثان خلافاً لشريعة التوحيد التي سنها موسى النبي لاسرائيل.

لم تكتف ايزابيل بذلك بل تمادت في الشر وقتلت ما استطاعت من كهنة الرب، واستمالت زوجها وهو ضعيف الشخصية الى عبادة الاوثان، وكانا يعيشان في البذخ والترف ويسكنان بيتاً من العاج.(3ملوك22:39) وأقام مذبحاً للبعل في بيت البعل في السامرة الذي بناه فيها ابوه.

ظهورالنبي الياس

ظهر النبي الياس في هذه الحقبة من تاريخ الشعب العبري نبياً مكتمل الرجولة ذا شخصية فذة وكلمة نارية تحق الحق وتزهق الباطل، فيجابه آخاب  بعقيدة التوحيد ويقَّرع زوجته الفاجرة ايزابيل وينزل بهما وبالشعب المتخاذل عقاباً رهيباً، ومنع المطر عن الارض مدة 3 سنوات ونصف.

معجزاته

على الرغم من طغيان الملك والملكة واضطهادهما فقد واصل الياس جهاده النبوي غير هياب ” فقد كانت يد الرب معه”( 1ملوك46:18).

اتجه ايليا نحو الشرق خوفاً من انتقام آخاب واختبأ عند نهر كريث قرب الاردن، وكانت الغربان تأتيه بخبز ولحم لتعوله كما أمرها الله. وبعد مدة من اقامته هناك جف النهر لابعدام المطر فأمره الله ان يذهب الى ارض صرفة التي لصيداء ويقيم هناك عند امرأة ارملة أمرها الرب أن تعوله.

في الطريق رأى امرأة تقش عيداناً، فطلب منها ماء ليشرب، وبينما هي ذاهبة لتأتيه بالماء طلب منها كسرة خبز، فأجابته بأنه لايوجد لديها سوى ملء كف من الدقيق في الكوارة، وقليل من الزيت في الكوز، وانها تقش عودين لتصنع كعكة تأكلها هي وابنها ثم يموتان! فطيب النبي الياس نفسها وقال لها:

” لاتجزعي فقد قال الرب ان كوارة الدقيق لاتفرغ، وكوز الزيت لاينقص الى اليوم الذي يعطي به مطراً على الارض.”

وبالفعل هذا ماكان، فقد أقام النبي الياس عند الأرملة أياماً وكوارة الدقيق لم تفرغ وكوز الزيت لم ينقص حسب فول الرب.

ومرض ابن الارملة واشتد سقمه حتى لم تبق به نسمة، فهرعت الامرأة الى النبي وولدها بحضنها نادبة نائحة، فأخذه منها ورجا من الله ان يرجع نفس الغلام الى جوفه فاستجاب الرب لرجاء النبي الياس فرجعت نفس الصبي الى جوفه فعاش.

وبعد ايام كثيرة اشتد الجوع في السامرة فدعا الملك آخاب عوبديا القائم على بيت المال، وكان رجلاً صالحاً، وسعيا كل واحد في طريق يبحثان قرب عيون الماء وعند الاودية عن عشب وكلأ ترعاه الماشية والخيول والبهائم فتُحفظ من الهلاك. وفيما كان عوبديا في طريقه ظهر له النبي فخر على وجهه رهبة ومهابة فطلب منه الياس أن ينهض ويأتي بآخاب. وعندما قدم الملك صاح به النبي:

” يامكَّدِّرْ الشعب بتركك وصايا الرب وسيرك وراء البعل، اذهب واجمع كل شعبك على جبل الكرمل وادع انبياء البعل جميعهم لأقابلهم هناك.”

فانصاع آخاب لطلب النبي وأرسل بطلب بني اسرائيل وجميع الأنبياء الى جبل الكرمل. فظهر الياس للشعب وكلمهم صائحاً

” الى متى تعرجون بين الفرقتين، إن كان الرب هو الله فاتبعوه وان كان البعل فاتبعوه.”

ثم التفت الى كهنة البعل وقال:”هاتوا ثوراً اذبحوه وقَّطِّعوه وضعوه على الحطب ولاتضعوا ناراً. وأنا اذبح ثوراً آخرأُقَّطِّعَهُ وأضعه على الحطب ولا اضع ناراً، ثم تدعون باسم آلهتكم وأنا ادعو باسم الرب، والاله الذي يستجيب الدعاء بنار يكون الله.

فوافق الجميع على هذا الرأي، ودعا انبياء البعل من الصباح الى الظهيرة فلم يستجب لهم بنار، فتقدم  النبي الياس وطلب ان يملأوا اربع جرَّات من الماء يصبونها على الحطب ففعلوا ذلك ثلاث مرات. ثم دعا باسم الرب فاستجاب له بنار عظيمة التهمت الثور والحطب، فصاح الشعب بصوت عظيم:

” الرب هو الله، الرب هو الله”.

فوثب الياس طالباً من الجموع الغفيرة التي آمنت بالعجيبة أن تمسك بأنبياء البعل فلا يفلت منهم رجل. فانقضت الجموع الثائرة عليهم، فأمسكتهم، ونزل بهم الياس الى نهر قيشون (المُقَطَّع قرب حيفا) وذبحهم هناك.

ايليا يذبح كهنة البعل
ايليا يذبح كهنة البعل

نزول المطر

وكان بعد ذلك أن ظهرت غيمة صغيرة فوق البحر بقدر كف انسان مالبثت أن تلبدت وامتدت حتى غطت السماء، ثم عصفت الرياح ودوت الرعود وحصل مطر عظيم.

نبؤته بمقتل آخاب

بعد اعجوبة الكرمل لم يرعو آخاب الا زمناً يسيراً عاد بعدها الى كفره وآثامه. وحدث أن كانت لرجل يدعى نابوت اليزرعيلي أرضٌ في بلدة يزرعيل (قرب الناصرة) حَسنت بعيني الملك فطلبها من صاحبها فعزَّها عنه ذلك انه لم يشأ ان يفرط بميراث أبيه واجداده، فكادت الملكة ايزابيل مكيدة لنابوت فأشهدت عليه شاهدي زور بأنه جدف على الله والملك، فرُجم بحجارةٍ حسب شريعتهم فمات، واقتربت منه كلاب الحي تلحس عنه الدماء. ثم تم دفنه.

وقصد آخاب ناحية يزرعيل ليرث أرض نابوت فظهر له النبي الياس وصاح به: أقتلت وورثت أيضاً، فكما لحست الكلاب دم نابوت اليزرعيلي تلحس دمك أنت أيضاً، فاغتم الملك من كلام النبي وحزن حزناً شديداً.

وبعد ثلاث سنوات قدم الملك يهوشفاط ملك القدس في زيارة للملك آخاب في السامرة، وكان الآراميون قد أغاروا على بعض الثغور التي كانت تحت سلطة ملك السامرة واحتلوا بعض الأراضي، فرغب آخاب بالقتال لاسترجاع راموت جلعاد وإنقاذها من احتلال الآراميين وطلب من يهو شفاط المساعدة والنجدة فلم يبخل عليه بهما.

وقبل ان يشتبك الجيشان بالقتال أبدل آخاب ثيابه وتنكر حتى لايعرفه أعداؤه فيتعمدوا قتله، الا أن رجلاً من رجال الآراميين نزع بقوسه غير متعمِّد، وضرب ملك اسرائيل فنفذ السهم بين أوصال الدرع فقتله، ومرت بعد ذلك كلاب لعقت دماءه كما تنبأ له النبي الياس، فنبؤة الأنبياء الموحى بها من الله قضاءٌ لاشك نافذ… وهكذا انتهت حياة ذلك الملك الضال.

نبؤة ايليا بموت أخزيا

بعد مقتل آخاب ملك ابنه أخزيا على اسرائيل فكانت ايامه خِزياً…

عبد البعل وسجد له وسلك سبيل أبيه يعيث فساداً ويعمل شراً.

وحدث أن وقع من الكوة التي في علَّيِتَّه فمرض وأزمنت علَّته، فأرسل رُسلاً الى بعل زِبوبَ وهو أحد الأصنام في أرض عِقرون يستشيره في أمره ويسأل لنفسه العفاء. فظهر النبي الياس للرسل وصاح

” ارجعوا الى سيدكم وقولوا له: أليس لنا إله نسأله حتى تُرسل الى بعل زبوب تستشيره في أمرك، لهذا فالسرير الذي صعدت عليه لن تنزل عنه بل موتاً تموت”

فعاد الرسل على أعقابهم، فسألهم الملك عن سبب رجوعهم فأنبأوه بكلام الرجل الذي ظهر لهم بطريقهم. فطلب الملك منهم أن يصفوه له فقالوا:

” إنه رجل أشعر يرتدي رداء ومتمنطقٌ بمنطقةٍ من جلد على حُقَويه”. فعرفه الملك وجُنَّ صائحاً: “إنه الياس النبي…” ثم أمر رئيس خمسين من قواده أن يمضي بفرقته ويأتيه بالنبي، فنزلت نارٌ من السماء التهمت قائد الخمسين ورجاله، فأرسل الملك قائداً آخر فالتهمته النيران مع من معه من الجنود، فبعث بثالثٍ وكان هذا صالحاً فتقدم من الياس وجثا على ركبتيه أمامه وطلب الرحمة فرقَّ له قلبه وسار معه الى أخزيا وصاح به:

” ايها الغوي الشرير لأنك نسيت الرب الهك وأرسلت تسأل إله عقرون الشفاء لنفسك فالسرير الذي صعدت عليه لن تنزل عنه بل موتاً تموت.”

ومات الملك أخزيا حسب كلام الرب الذي نطق به النبي الياس.

صعوده الى السماء

عندما انتهت أعماله ذهب يتبعه تلميذه اليشع حتى وصلا الى اريحا، فتقدم أنبياؤها وأتقياؤها من اليشع وسألوه: “اتعلم أن في هذا اليوم سيأخذ النبي الياس الى ملكوته؟ فأجابهم بالايجاب وطلب منهم أن يصمتوا…

وبعد حين طلب النبي الياس من اليشع البقاء في اريحا لأنه سيمضي وحده عبر الاردن ملبياً نداء الله فرفض  اليشع وتعلق به، فسارا الى  أن بلغا النهر، فضرب الياس الماء فشقه وعبرا الى الضفة الثانية، وهناك سأل ايليا اليشع عن بغيةٍ يقضيها له قبل أن يُؤخذ منه فتمنى اليشع أن يكون له بقدر اثنتين من روح سيده، فأجابه النبي: “لقد صعبت السؤال، فإن ترني وأنا اصعد الى السماء يكن لك ماتريد.”

وفيما هما يسيران اذا مركبة من نار وخيل من نار فصلت بينهما فصعد الياس في العاصفة الى السماء وسقط رداؤه على اليشع فحمله هذا وعاد الى اريحا.

وانتهت سيرة هذا النبي الذي صعد حياً الى السماء.

مرجع السيرة: الكتاب المقدس / العهد القديم: الملوك الأول من الاصحاح 17-22

                    =      =     / =    =  : الملوك الثاني من الاصحاح 1- 2   

 

ماورد في الكتاب المقدس/ العهد الجديد عن ايليا النبي

الرب يسوع في الغمام ومعه موسى وايليا في التجلي على جبل حوريب
الرب يسوع في الغمام ومعه موسى وايليا في التجلي على جبل حوريب

ورد ذكره في الانجيل الطاهر في اماكن قليلة تذكر بأنه قد تراءى برفقة النبي موسى للرب يسوع له المجد.

انجيل متى ( الاصحاح السابع عشر من الآية 1- 8)

” وبعد ستة ايام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه وصعد بهم الى جبل عال منفردين * وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور * واذا موسى وايليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه * فجعل بطرس يقول ليسوع يارب جيد أن نكون ههنا. فإن شئت نضع هنا ثلاث مظال. لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة *  وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظلَّلتهم وصوت من السحابة قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا * ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جدا * فجاء يسوع ولمسهم وقال قوموا ولا تخافوا * فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده.”

انجيل مرقس ( الاصحاح التاسع من الآية 2-8)

“وبعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا وصعد بهم الى جبل عالٍ منفردين وحدهم. وتغيرت هيئته قدامهم  * وصارت ثيابه تلمع بيضاء جداً كالثلج لايقدر قصَّارٌ على الارض  أن يبيض مثل ذلك * وظهر لهم ايليا مع موسى. وكانا يتكلمان مع يسوع * فجعل بطرس يقول ليسوع ياسيدي جيد ان نكون هاهنا فلنصنع ثلاث مظال  لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة * لأنه لم يكن يعلم مايتكلم به إذ كانوا مرتاعين * وكانت سحابة تظللهم. فجاء صوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب. له اسمعوا * فنظروا حولهم بغتةً ولم يروا أحداً غير يسوع وحده معهم.”

انجيل لوقا ( الاصحاح التاسع من الآية 28-36)

“وبعد هذا الكلام بنحو ثمانية ايام إخذ بطرس ويوحنا ويعقوب وصعد الى جبل ليصلي. وفيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة ولباسه مبيضاً لامعاً. واذا رجلان يتكلمان معه وهما موسى وايليا. اللذان ظهرا بمجد وتكلما عن خروجه الذي كان عتيداً ان يكلمه في اورشليم * وأما بطرس واللذان معه فكانوا قد تثقلوا بالنوم. فلما استيقظوا رأوا مجده والرجلين الواقفين معه * وفيما هما يفارقانه قال بطرس ليسوع يامعلم جيد ان نكون هاهنا. فلنصنع ثلاث مظال. لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة. وهو لايعلم مايقول * وفيما هو يقول ذلك كانت سحابة فظللتهم فخافوا عندما دخلوا في السحابة. وصار صوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب . له اسمعوا * ولما كان الصوت وُجدَ يسوع وحده وأما هم فسكتوا فلم يخبروا أحداً في تلك الأيام بشيء مما ابصروه.”

 في القرآن يرد ذكر النبي الياس في موضعين  الأول في سورة الأنعام الآية 86 وهي تقول:

” وزكريا ويحي وعيسى والياس كلٌ من الصالحين”

والثاني في سورة الصافات من الآية 123 حتى الآية 132 وهذا نصها:

” وان الياس لمن المرسلين * اذ قال لقومه ألا تثقون * أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب ابائكم الأولين… انه من عبادنا المؤمنين”