إضاءات على مجتمع اصحاب مخطوطات قمران(2)

إضاءات على مجتمع اصحاب مخطوطات قمران(2)

 

إضاءات على مجتمع اصحاب مخطوطات قمران(2)

 

توطئة

في أواخر أربعينات القرن الماضي، عثر البدويان محمد الذويب ومحمد حماد في احد كهوف خربة قمران المطلة على البحر الميت على ماعُرف فيما بعد ب”مخطوطات البحر الميت أو لفائف قمران”

في تدوينة سابقة لناب موقعنا هنا، وكانت تحت عنوان: “مخطوطات البحر الميت/ مخطوطات قمران” سلطنا فيها الضوء على هذا الاكتشاف المثير وأبطاله ومراحله…، جئنا هنا نسلط الضوء ولو يسيراً على مجتمع أصحاب المخطوطات وكيف عاشوا.

هذه المكتشفات”مخطوطات البحر الميت/ مخطوطات قمران” التي حظيت بشهرة عالمية وماتزال مثار اهتمام أجيال متتابعة من الباحثين من شتى اصقاع العالم، وَوُضِعَ عن المخطوطات اكثر من ثلاثة آلاف دراسة باللغات الحية كافة. ومازالت المطابع نهمة لطبع أي شيء جديد عن هذه المخطوطات.

وُضعت المخطوطات بداية في المتحف الفلسطيني في القدس، وكانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني والمتحف بادارة بريطانية ومدير بريطاني، ثم انتقلت الى عهدة الاردن بعدما تم ضم القدس والضفة الغربية الى “إمارة  شرق الاردن” ثم “المملكة الاردنية الهاشمية”.

البدويان محمد الذويب ومحمد حماد مكتشفا مخطوطات قمران
البدويان محمد الذويب ومحمد حماد مكتشفا مخطوطات قمران

عند سقوط القدس باحتلال العدو الصهيوني لها في اعقاب هزيمة 5 حزيران 1967  سيطر العدو على المتحف الفلسطيني، وتم نقل المخطوطات الى “متحف الكتاب الاسرائيلي” في القدس الغربية.

واذا كانت المخطوطات مازالت تثير جدلاً خصوصاً حول مايمكن أن تقدمه من اعادة النظر في تاريخ الاديان المعروف. فإنه غابت في حومة هذا الجدل الذي لاينتهي حتى يبدأ، الظروف التي عاشها أفراد طائفة الأسينيين أصحاب المخطوطات في مجتمعهم الاشتراكي في تلك المنطقة المقفرة على ضفاف أخفض بحيرة في العالم.

ويقدَّرْ الآن للمتابعين معرفة بعض الأدوات التي استخدمها الأسينييون الذين انقطعوا للعلم، وتحصيل المعرفة والكتابة التي وصلتنا على شكل مخطوطات، من الجلود او الصفائح النحاسية وغيرها، من خلال معرض استضافته مكتبة الكونغرس في واشنطن.

معرض مكتبة واشنطن

مكتبة واشنطن
مكتبة واشنطن

هذا المعرض كان قد افتتح بعدما أُعِدَّ له جيداً في حزيران 1993، وحُوِّلَ الى الشبكة العنكوبتية في نيسام 1996.

هَدَفَ هذا المعرض الذي ضم قطعاً من المخطوطات والأدوات التي عُثرَ عليها أثناء البحث في قمران والكهوف المحيطة بها الى زيادة فهم للزوار للفترة المضطربة التي نسخت فيها المخطوطات.

وكان السبب في تنظيم هذا المعرض بعدما تزايدت الضغوط العالمية خصواً من اوساط اكاديمية عالمية معتبرة. لكشف المزيد عن مضمون المخطوطات دفع مصلحة الآثار الاسرائيلية الى تنظيمه بعرض معروضات هي انتقتها…!

وقد حظي المعرض باهتمام الباحثين من مختلف دول العالم، وكذلك المتابعين والمهتمين، الا أنه لم يلاقي نفس الاهتمام من الباحثين العرب لأسباب غير مفهومة، مع أن الأمر يتعلق بفترة مهمة من تاريخ المنطقة، تأثيرها مازال طاغياً حتى الآن.

ضم المعرض الذي يكشف عن جوانب من واقع مجتمع الاسينيين، جرار فخارية، قسم منها لحفظ المخطوطات وسط تلك البيداء الجافة حتى وصلتنا بفضل البدويين الراعيين محمد الذويب ورفيقه محمد حماد  الفتيين مكتشفي مخطوطات قمران…

محمد الذويب مات في احد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وهو يعاني الفاقة ولايجد ثمن الدواء، وبفضل شريكه محمد حماد الذي كان وقتها مايزال على قيد الحياة، واطلع على صور نماذج مخطوطات معرض مكتبة الكونغرس واستطاع التعرف على بعضها والتأكيد انه عثر عليها ورفيقه محمد الذويب في خربة قمران.

لفتت انتباه حماد شكل الجرار الاسطواني ولم تكن معروفة في أي مكان آخر غير قمران، ولم تكشف الحفريات الآثارية عن جرار مثلها، ويعتقد العلماء انها صنعت محلياً من قبل الأسينيين في خربة قمران في منطقة البحر الميت.

الفخاريات

جرار المخطوطات
جرار المخطوطات

كما عثر على أدوات فخارية متعددة مثل الدوارف والقوارير الصغيرة والأواني والأطباق والسلطانيات والمزهريات، مماجعل العلماء يصفون ماعُثر عليه في هذا المجال بأنه كنز أثري، ويميلون الى الاعتقاد بأن قمران ربما كانت مركزاً اقليمياً متقدماً لصناعة الفخار.

المنسوجات

ضم هذا المعرض المثير منسوجات، عُثِرَ عليها في أحد كهوف قمران في ربيع نيسان 1949 وأثار وجود بعض هذه المنسوجات مخفية مع المخطوطات، التساؤلات لدى العلماء اذا كان الأسينييون استخدموها ليس فقط في اللباس، وإنما  أيضاً ضمن تقاليد أخرى مثل طقوس الدفن.

وعُثر أيضاً على قطع أقمشة، غُطيت بها الجرار ونسجت بطريقة معينة دقيقة، وكذلك على سيور جلدية متعددة الأشكال، ومتعددة الاستخدام.

مخطوطة
مخطوطة

قطع خشبية

عُرضت في المعرض قطع خشبية نادرة، وسهلت بعض السلطانيات، والصناديق، وإطارات المرايا المصنوعة من الخشب على الدارسين الوقوف على اساليب مهنة النجارة القديمة.

أمشاط الشعر

اما الامشاط التي عُرضت فبينت نوعية استخدام الاسينيين لها، والتي صممت لتصفيف الشعر بطريقة تضمن تنظيفه من أي أشياء غريبة، وهذه تشبه شكل الامشاط التي كانت ولاتزال مستخدمة في أرياف أرجاء سورية والشرق الأوسط، حتى سنوات خلت.

المصابيح

عثر على مصابيح في كهوف قمران، تشبه الانواع التي عُثِرَ عليها في مواقع أخرى، مثل مايعرف ب”الحي اليهودي” في القدس القديمة، ويُطلق على هذا النوع من المصابيح اسم “مصباح هيروديان” التي تعود لفترة “الامبراطور الروماني هيروديان”.

وعثر في أحد المصابيح على ألياف من النخيل شكلت فتيلته، وكأنه مُّعَّدّ حديثاً للإيقاد.

سعف النخيل

استخدم الأسينيون سَعف النخيل لصنع السلالم والحبال، مستفيدين من تقنية الضفر الشائع في العصر الروماني، وربما المستمرة حتى الآن.

يعتقد انه في اوقات الشدة، تم استخدام الحصر المصنوعة من النخيل في تغليف بقايا الموتى، كأكفان، لاعادة دفنهم في منطقة مضطربة شهدت تمردات وثورات عنيفة وخاصة عند ثورة اليهود عام 70 م وقمعها بشدة وسقوط القدس بيد الرومان.

النعال

من المعروضات زوج صندل ظريف…يُعتقد انه من نوع كان شائعاً في تلك الفترة، لأنه وُجد مثله في مواقع أخرى في فلسطين مثل قلعة مسعدة.

نعل الصندل مصنوع من ثلاث طبقات من الجلد، وشكله لايختلف كثيراً عن انواع مازالت مستخدمة حتى الآن.

العملات

العملات
العملات

تضمن معرض مكتبة واشنطن نماذج من عملات معدنية عُثر عليها في قمران عام 1955، باشراف دائرة الآثار الأردنية، التي وضعتها في المتحف الفلسطيني وآلت أخيراً الى حوزة الاحتلال الاسرائيلي.

من بينها عملات فضية، وبعضها غير معروف أنه استخدم في قمران، ماجعل العلماء  يعتقدون بأنه عندما كان ينضم أعضاء جدد لطائفة الأسينيين، كانوا يسلمون مامعهم من نقود، التي تودع في خزينة عامة، وبعض النقود عُثر عليها تحت الابواب، وهي ممارسة شائعة في العصور القديمة.

المعيشة اليومية

أثار هذا المعرض من جديد الألغاز عن طائفة الأسينيين، التي قدمها كطائفة دينية متقشفة، يعيش افرادها في شكل جماعي، يأكلون الطعام المعد من مطبخ الطائفة، ويعملون في نسخ المخطوطات في قاعة المكتبة.

وحسب بعض التقديرات فإن الادوات التي عُثر عليها في الموقع ربما تناقض نظرية التقشف عن حياة الاسينيين. ولكن تقديرات أخرى ترى انه لم يكن بامكان افراد الطائفة العيش كجماعة منبوذة دينياً منقطعة للكتابة والتأليف دون ان يكون لديها احتياطي مالي وفير.

كان العلماء قد توقفوا ملياً عند ما عُرفَ ب”المخطوطة النحاسية” التي تحدثت عن كميات كبيرة من الذهب تم اخفاؤها، وعن ذكر أسماء الأماكن التي أُخفيت فيها، ولكن لم يتم التعرف على تلك المواقع، ولم يتم العثور على الذهب على رغم حملات البحث في الموقع، وفي بيداء البحر الميت المستمرة حتى الآن.

الخاتمة

اطلالة على البحر الميت
اطلالة على البحر الميت

اذا كان هذا المعرض قد كشف بعضاً من أساليب حياة الأسينيين، الذي يحلو للبعض اطلاق تسمية “طائفة” عليهم، الا انه/ اي هذا المعرض/ بماعُرض فيه، كان غير قادر على حل أي من الألغاز التي مازالت تحيط بهم وبمخطوطاتهم التي تسيطر عليها اسرائيل، في شكل مخالف القوانين الدولية الخاصة بالآثار، وتحتكر نشر ماتريد منها، كمعروضات معرض مكتبة واشنطن مطرح بحثنا، ولاتستجيب لدعوات متنامية يطلقها علماء من مختلف دول العالم بين الوقت والآخر، يطالبون فيها بفتح المخطوطات للدراسات المستقلة، بعيداً من أي نظريات مسبقة، وهو مايُعتقد انه بعيد المنال حتى الآن وأقله في امد منظور.