صورة نادرة تُعرض للمرة الأولى تمثل لوحة تعود لمنتصف القرن التاسع عشر للرحالة و المستشرق الفرنسي Eugène-Napoléon Flandrin الذي زار الشرق مرتين الأولى عام 1840 م و الثانية عام 1844م، هي مشهد من داخل باحة أحد الدور التقليدية في مدينة حلب في منطقة الجديدة وبالتحديد هي دارة السيد حنا ابن جرمانوس صادر (ترجمان القنصلية البريطانية بحلب في تلك الفترة).

دار صادر في حلب

دار صادر في حلب
– دارة صادر يعود بناؤها إلى أوائل القرن الثامن عشر، تقع في حارة حصرم في حلب القديمة، و كانت في البداية ملكاً للسيد يوحنا ابن جرجس العبديني. لاحقاً أواخر القرن الثامن عشر حوالي عام 1795 م انتقلت ملكيتها إلى عائلة صادر، و بالتحديد قام بشرائها السيد جرمانوس ابن حنا صادر من السيد يوحنا العبديني. كانت هذه الدار تشمل على غرف كبيرة و مربعين وردهتين وإيوان عالي القنطرة. وكان صحنها فسيحاً جداً تتوسطه ثلاث بحرات تكتنفها جنينات وسلسبيل، وأحواض تتوسطها فسقيات تنفر منها الماء. بالاضافة إلى كشك منقوش على الحجر، مما جعل من الدار روضة غناء.

– كانت دار صادر مقصداً لعدد من السياح البريطانيين الذين كانوا يزورون حلب في طريقهم إلى مدينتي الموصل و بغداد في العراق. وكانت تحوي الدار عدداً من النفائس الجميلة، و التحف الشرقية، وكانت أيضاً مقصداً للرحالة الأجانب أمثال الرحالة والمستشرق الفرنسي Eusebe-Francois De Salle الذي زار مدينة حلب حوالي عام 1838م. وخلال إقامته في الشهباء قام مترجمه الخاص السيد يوسف قرألي (صاحب دار أجقباش الحالية) بتعريفه على عدد من وجهاء المسحيين في حلب، وإدخاله الى خمسة بيوت حلبية تعتبر من أجمل وأفخم بيوت التجار المسيحيين في حلب في ذلك الوقت، حيث زارالدور التالية بحسب مذكراته (قرألي (أجقباش حالياً)، صادر، غزالة، كوبا، و دلال) وكان الهدف من الزيارة التعرف على نمط العمارة الحلبية، وتدوين ملاحظات حول نمط تقسيم هذه البيوت و هندستها الداخلية. وقام بوصفها وصفاً دقيقاً، و أعجب كثيراً بدارة ال صادر في الجديدة، وقام بوصف خشبياتها وأثاثها وباحتِها و ليوانها الذي يعتبر ثاني أكبر ليوان في حلب بعد ليوان دار جنبلاط في حي البندرة.

صورة ضوئية  اثرية للدار تعود الى اواخر القرن 19
صورة ضوئية اثرية للدار تعود الى اواخر القرن 19
– أوائل القرن العشرين و بعد تحول الدار إلى مدرسة تم إزالة كل الأحواض الزراعية منها وإزالة البحرة في وسطها وذلك لتأمين مساحة أكبر للطلاب في فترة أوائل الستينات تم نقل الطاوان الخشبي في المربع المقابل لليوان في بيت صادر إلى متحف حلب الوطني ضمن قسم الأثار الإسلامية في القاعة الثانية (قاعة النقود) تحت اسم سقف بيت صادر الأثري وتعتبر أحد أجمل الخشبيات و من روائع الفن العجمي في الشهباء وهي مؤرخة من عام 1758م و تحوي على مجموعة أبيات شعرية جميلة على جنبات السقف، وقد سلِمت خلال الحرب بذلك لتكون أقدم سقف خشبي سليم في الشهباء مازال موجوداً بعد الحرب الشيطانية، ولم يغادرها أو يتم تهريبه أو سرقته، يجدر الذكر أنَّ من ساهم بنقل هذه التحفة الفنية إلى متحف حلب الوطني السيد قيصر صادر (أحد مؤسسي جمعية العاديات في حلب) ليخلد إسم العائلة حيث في نهاية الخمسينات، ونتيجة لتهدم أجزاء من المربع المقابل لليوان في الدار، قام السيد قيصر بعرض على الراهبات (صاحبات الدار في ذلك الوقت) بنقله إلى المتحف خوفاً من ضياعه و تهدمه، و تمت الموافقة، وبعد عدة سنوات تم هدم هذا القسم كاملاً نتيجة تصدعه كلياً تم بناء قسم حديث من البيتون مشوهاً منظر الدار و فاقداً رونقه.

سقف من سقوف الدر والمحفوظ في المتحف الوطني خوفاً عليه
سقف من سقوف الدر والمحفوظ في المتحف الوطني خوفاً عليه
يُذكر أن ال صادر عائلة مارونية ذات أصول لبنانية تعود جذورهم إلى منطقة بشري في جبل لبنان و كانت تعتبر من وجهاء موارنة جبل لبنان، وفي عام 1579م تم تنصيب الشدياق باخوس صادر الحدشيتي على مشيخة جبة بشري وأقدم ذكر لآل صادر في الشهباء يعود لعام 1626م حيث غادر الشدياق فرج ابن باخوس صادر جبال لبنان مع حوالي أربعين عائلة مارونية منهم ( آل حوا، آل عبديني، آل أسود، آل جنو، آل حصروني، آل فرحات، أل قرألي وغيرهم) إثر إضطرابات و خلافات مع والي طرابلس يوسف باشا سيفا و سكنوا في منطقة زقاق الأربعين التي عُرفت نسبة لهم أواخر القرن القرن الثامن عشر غادر أحد أبناء هذه الأسرة الشهباء (الياس ابن أنطون ابن زكريا صادر) عائداً إلى جبال لبنان مؤسساً لفرع جديد لهذه العائلة و لاحقاً أحد أبناء هذا الفرع، وهو إبراهيم ابن يوسف صادر قام بتأسيس دار صادر للطباعة و النشر عام 1863م أحد أقدم و أعرق دور الطباعة والنشر في الوطن العربي و لازالت قائمة حتى يومنا هذا.

الصورة الأصلية بدون تعديل و هي مأخوذة من بيت صادر عندما أصبح مدرسة إغناطيوس الأنطاكي.
الصورة الأصلية بدون تعديل و هي مأخوذة من بيت صادر عندما أصبح مدرسة إغناطيوس الأنطاكي.
بداية القرن العشرين انتقلت ملكية دار صادر الأثرية إلى طائفة السريان الكاثوليك  بحلب التي إشترتها من السيد اسكندر ابن ميخائيل صادر بعد أن سكن الدار خلال مئة عام أربعة أجيال من هذه العائلة بدايةً مع السيد جرمانوس لاحقاً ابنه حنا و من ثم ابنه ميخائيل وأخيراً السيد اسكندر وعائلته، حيث قسمت مطرانية السريان الكاثوليك هذه الدار لقسمين (مدرسة و ميتم) وبعد أحداث التأميم في أواخر الستينات أصبحت المدرسة تُعرف باسم مدرسة الأم الواقعة في حارة الحصرم.

الصورة عام 1917
الصورة عام 1917
(بقلم: جاد موصللي)
(صفحة ارشيف حلب الوطني)
(بتصرف)
( الصورة البارزة للمقالة هي صورة نادرة تُعرض للمرة الأولى تمثل لوحة تعود لمنتصف القرن التاسع عشر للرحالة و المستشرق الفرنسي Eugène-Napoléon Flandrin الذي زار الشرق مرتين الأولى عام 1840 م و الثانية عام 1844م، هي مشهد من داخل باحة أحد الدور التقليدية في مدينة حلب في منطقة الجديدة وبالتحديد هي دارة السيد حنا ابن جرمانوس صادر (ترجمان القنصلية البريطانية بحلب في تلك الفترة).