حقيقة أم أسطورة؟

حقيقة ام اسطورة؟

 

حقيقة ام اسطورة؟

التقيت ومجموعة شبابيّة حول قضايا تخصّ الكتاب المقدّس، وبالتحديد قصتي الخلق الواردتين في الإصحاحين الأوّلين من سفر التكوين. أعرب بعضهم عن عدم تصديقه لِما ورد فيهما باعتباره يناقض النظريّات العلميّة المتداوَلة بخصوص نشوء الحياة. بينما آخرون بدوا متشكّكين من أصالة الوحيّ الإلهيّ لكون القصّتين تتقاطعان في بعض أوجه الشَبَه مع ما ورد ممّا اكتُشف في التراث البابلي وغيره. قلّة منهم دافعوا، لكن من منطلق توفيقيّ، بين ما ورد في سفر التكوين من عدد أيّام الخلق وبين الحقب الجيولوجيّة مثلاً.
الرافضون والمشكّكون والمصدّقون بدوا متفّقين على الخلفيّة المشتَركَة في تعاطيهم وهذه النصوص المقدَّسة الموحاة. توحّدت نظرتهم في القراءة الحرفيّة لها، وما استطاعوا النفاذ إلى جوهر التعليم الذي أرادت إيضاحه.
القراءة الحرفيّة للنصوص المقدَّسة تُبقيها على الظاهر منها وتغيِّب الجوهر. فتمسي الصورة هي الجوهر، ويغيب التعليم الإلهيّ الذي هو الهدف الذي تحمله الصورة بين طيّاتها.
تحميل الكتاب المقدَّس ما لم يقصده يحرفُ القارئَ عن الطريق الموصلة إلى الغاية. التعاطي مع الكتاب الإلهيّ باعتباره أطروحةً علميّةً أو توثيقاً تاريخيّاً مدقَّقاً، واعتبارُ كلِّ ما ورد فيه حرفيّاً حقيقةً مُنزَلَة، وإنكارُ البعد الأدبي في لغته وإهمالُ الثقافة السائدة في أثناء كتابته، هذه كلّها تؤدي إلى التمسّك بالمفاهيم التي تضادّ، في كثير من الأحيان، القصدَ الإلهيّ وتمنع القارئَ من بلوغه.
باختصار، التعاطي مع الكتاب المقدَّس على أنّه أكثر من كتابٍ لاهوتيّ يؤدي إلى تحميله ما لا يحمله، وتالياً إلى تشويه تعليمه اللاهوتيّ. هدف الوحي الإلهي المدَوَّن في الكتاب هو تعريف الإنسان بالله. وتالياً محور الكتاب المقدَّس هو الله لا البشر وأحداثهم. فالأحداث واسطةٌ لانكشافات الله للإنسان، بالتدريج، عبر مرافقته تعالى له. استخدم الوحيُ الإلهيُّ الثقافةَ البشريّةَ السائدة في أثناء تدوينه ليكون التعليمُ الإلهيُّ مفهوماً.
من هنا يجب أن ينصبّ الاهتمام على معرفة جوهر الوحيّ الإلهيّ انطلاقاً من الصياغة البشريّة التي تحمل هذا الجوهر. لقد طرحت الاكتشافات التاريخيّة لشعوب عالم الكتاب المقدَّس (بلاد الرافدين والشام ومصر)، في العصر الحديث، تحدّياتٍ كتلك التي طرحها بعض أولئك الشباب. لا تتسّع مقالة قصيرة كهذه لطرح هذا الموضوع بشموليّته. لكنّني أكتفي بلفت النظر إلى أنّ التأثر بالثقافة السائدة آنذاك واستعمالها في التعبير عن التعليم الإلهيّ لا يُنقِصُ من قيمة الوحيّ الإلهيّ لا بل يزيده قوّةً ومصداقيّةً. إنّ وجودَ تشابهٍ هنا وثمّة في بعضٍ ممّا ورد في النصوص الإلهيّة المقدَّسة وما جاء في بعض الروايات الميثولوجيّة كجلجاميش وإنوما إليش وغيرها لا يجب أن يمنعنا من رؤية التباينات بينهما، تلك التي تُظهر جوهر الوحي. لقد وظّف الكتّاب الإلهيّون، ناقلو الوحيّ الإلهيّ، الصورَ والأساليبَ الواردة في الملاحم القديمة أو استخدموها كوعاءٍ يحتوي الكلمةَ الإلهيّة، لكي يبلّغوا الفكر الإلهيّ المتمايز عن الفكر الذي تحمله تلك الملاحم، لأنّها، ببساطة، كانت ثقافة الناس آنذاك.
نجد في ملحمة “أطراحسيس”، على سبيل المثال، أنّ الآلهة تخلق الإنسان ليخفّف من أتعابها الناجمةِ عن مشاقّ العمل، أمّا في الكتاب المقدَّس فالله يخلق الإنسانَ بدافع محبّته، من دون أيّ مصلحة أنانيّة ويقيمه سيّداً على الخليقة كلّها.
في الكثير من قصص الخلق نجد أنّ الإنسانَ يُخلق من التراب ومن عنصرٍ إلهيّ. في الملحمة البابليّة يُمزَج الترابُ بدم إلهٍ مذبوح، فيأتي الإنسان حاملاً لعنةً في طبيعته. أمّا في الكتاب المقدَّس فينفخ الله نَفَسَه، روحَه، في التراب، فيأتي الإنسان على صورة الله، وهو مدعوّ إلى البلوغ بها إلى مثال الله.
يقرّر الآلهة، في الملاحم القديمة، تدميرَ البشر بالطوفان ليتخلّصوا من الجنس البشريّ، لأنّ البشر أقلقوا راحتهم ونغّصوا عليهم صفوَ الحياة. أمّا في الكتاب المقدَّس فيأتي الله بالطوفان عقاباً للبشر على فسادهم، ليخلق منهم بدايةً جديدة خاليةً من الفساد والخطيئة. فالبشر، في الوحي الإلهيّ، مسؤولون عن مصيرهم وليسوا خاضعين لتقلّبات مزاج الآلهة.
في ملحمة جلجاميش يكتشف البطلُ مشكلةَ الموت عندما يموت صديقه، فيقرّر أن يبحث على دواء الخلود. وهذا إسقاطٌ لمشكلة الإنسان، في كلّ الثقافات والأزمنة، مع الموت. يجوز جلجاميش في أخطار كثيرة حتّى يحصل على نبتة الخلود، لكن حيّةً تخطفها منه، فلا يبقى أمامه سوى مواجهة الموت، شأنه كشأن أيّ إنسان آخر.
أمّا في الكتاب المقدَّس فالإنسانُ مخلوقٌ للحياة، ورغبته في معرفة سرّ الحياة، الخير والشرّ، من دون الله تُوقِعُه في العصيان واكتشاف ما لا طاقة له على إدراكه بعد، فيكتشف، بدخوله هذه الخبرة المبكرة، عُرَيَه ويصبحَ خارج الفردوس، لكنّ الله، لمحبّته له، يَعِدُه بمخلّصٍ في أثناء عقابه للحيّة.
لا عجب في أنّ يصوّر الكتابُ المقدَّسُ الشيطانَ بالحيّة ويجعلَها تجسيداً للشرّير؛ الشيطان، انطلاقاً من الثقافة السائدة آنذاك، حيث كانت الحيّة رمزَ آلهةٍ كنعانيّةٍ وقوّاتٍ شرّيرةٍ في بلاد الرافدين. فالوحيّ الإلهيّ موجَّهٌ آنذاك إلى أناسٍ يعيشون في تلك الثقافات، ومن الطبيعيّ أن يكلّمهم باللغة التي يفهمونها.
الكتاب المقدَّس كتاب لاهوتٍ يحمل تعليماً عن الله وعلاقته بالخليقة وعلى رأسها الإنسان، والقصصُ الواردة فيه قصصٌ لاهوتيّة، لا علميّة ولا رمزيّة ولا خياليّة، تحمل تعليماً إلهيّاً بخصوص القضايا التي تتكلّم عنها. ليس الهدف أن يشرح لنا كيف نشأت الحياة، وكيف تمّ الخلق، بل أن يقول لنا أنّ الله هو الخالق، وقد خلق بدافع محبّته، وأراد الإنسانَ شريكاً له في المجد الإلهيّ، وأنّ الابتعادَ عن الله هو السقوط والخطيئة بعينهما… إلى ما هنالك من مفاهيم كثيرة.
متى اقتنعنا بأنّه كتاب لاهوت نبدأ مسيرة الفهم.

المتروبوليت سابا اسبر