ايقونة الميلاد

“ها أنا أقف على الباب، أقرع”: الميلاد هو أن أنهض وأن أفتح الباب.

“ها أنا أقف على الباب، أقرع”: الميلاد هو أن أنهض وأن أفتح الباب.

 

أولى عطايا الميلاد هو “السلام”. وهذا ما نحن بأمس الحاجة إليه. رنَّم الملائكة: “المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرَّة”. عندما نمجد الله في حياتنا، يحل السلام في قلوبنا، وعندها يفرح البشر ببعضهم البعض. كيف أفرح بأخي ويفرح أخي بي، إن لم يكن هناك سلام في قلبي وقلبه؟ أرأيتم، المنطلق دوماً في حل مشاكلنا وتجاوز كافة الصعوبات التي تعترضنا هو “المسيح”. لننظر إلى الأطفال ولنتعلَّم منهم، أو فلنتعلَّم من أنفسنا عندما كنَّا أطفالاً، ماذا كنَّا نفعل، عندما كنا نرتعب من شيء ما؟ من دون أن نفكر، وبشكل جداً عفوي، كنا نهلع راكضين إلى والدينا نتمسك متشبثين بهم بشدة، حتى نسترجع حالة الأمان والسلام التي تزعزعت والتي فقدناها. هكذا أيضاً، كلما اشتدَّت تجارب الحياة وطأة وقسوة وطال أمدها، علينا أن نتمسك بأبينا المسيح ولا نخاف. لنتعلَّم من أمنِّا العذراء. لم تخشَ شيئاً عندما أنبأها الملاك بخبر البشارة. لم تقل في نفسها، ما هذه الأقوال؟ كيف يطلب مني مثل هذا؟ سيفتكر الجميع فيّ بالسوء، ومن بينهم يوسف، وربما سيرجمونني. حتَّى عندما شكَّ بها يوسف، بقيت في سلام، كأنَّها في أحضان الله آمنة. وحتَّى عندما هربت إلى مصر؟ لم تتذمر؟ لم تقل أنا هي أم الله كيف يمكن أن يحدث لي هذا؟ ذهبت إلى مصر وكانت آمنة. المسيح معنا. هذا يعني، أنَّه مهما ارتفعت أمواج الاضطرابات في الحياة عاتية، إلا أننا سنتتصب إلى جانب المسيح فوق تلك الأمواج كأسياد عليها. لا يهم إذا كان هنا مشاكل واضطرابات في حياتنا أم لا، لكن المهم أن نتشبث ممسكين يد الله بقوة ولا نفلتها أبداً.

المسيح نفسه وهو ابن الله، عندما سمع هيردوس الملك خبر ولادته من المجوس اضطرب، واضطربت كل أورشليم معه، وبخباثة طلب من المجوس أن يفحصوا مكانه بتدقيق، لا لكي يسجد له بل ليقتله. ولم تلبث أن استعلنت نواياه الخبيثة، عندما أصدر أمراً من دون شفقة ضد أهله وأخوته في الإيمان نفسِه، بأن يُقتل جميع أطفال بيت لحم من دون السنتين من دون رحمة. قد اضطر يسوع، وهو طفل رضيع، أن يهرب إلى مصر مُحتملاً مشاق السفر وأتعابه. فإن كان بهذا القدر، ابن الله، مرفوضاً منذ ولادته، فكيف بالحري نحن، عندما نتذمر على الله ونتنكر لوجوده ولعمل عنايته الإلهية لمجرد أنَّ تجارب وصعاب تعترضُنا، إذ علينا أن نحتمل كل هذا المساوئ من دون أن نجزع أو أن نضطرب. بل أن نفرح لأننا نقاسم ونشارك الرب حياته. واثقين، كما أنَّ الرب أبطل مكائد هيردوس، سيبطل الرب كل المصاعب، وكل شيء سيتحطم ويفقد مفعوله. الميلاد هو أن نبقى نحن دوماً مع المسيح.

المسيحي هو عنصر وسفير السلام الإلهي على الأرض. حتى عندما تندلع الحروب، ويضيع السلام والأمان بين البشر، يبقى المسيحي ينشر السلام. إذ لا يخاف ولا يضطرب. اللاحرب هي حالة الأمن وسلامة العيش. مسيحياً السلامة والأمن شيء والسلام الداخلي هو شيء آخر. السلام الداخلي أعمق بكثير. من يملك السلام الداخلي، يصير صانع السلام. من هنا طوَّب المسيح صانعي السلام بقوله: “طوبى لصانعي السلام فإنهم أبناء لله يُدعون”. النصر الكبير دوماً هو انتصار الإيمان. ماذا يعني أن ينتصر الإيمان؟ ألا يغرق مركبنا الذي تتخبطه العواصف والأمواج من كل جهة. ماذا يعني أن ينتصر الإيمان؟ يعني أننا صرخنا جميعاً صلاة حارة إلى المسيح الذي يغط في نومه في طرف المركب الذي نحن فيه. فنهض للتو وأمر الريح والبحر، فهدأ كل شيء. كيف يعني أن نصرنا الكبير هو انتصار الإيمان؟ أننا مؤمنون وكلنا ثقة أن يسوع سيأتي في الهجعة الثالثة من الليل وسيقول لنا: “لا تخافوا”، وسنمشي إليه فوق الأمواج العاتية ولكن سننظر إليه ولن نغرق.

“ها أنا أقف على الباب، أقرع”: الميلاد هو أن أنهض وأن أفتح الباب. لا، المسيح ليس بوسعه أن يفتح الباب. الباب مغلق ومُفتاحه موجود فقط من الداخل وليس من الخارج. إذا عليَّ أن أنهض، وأن أفتح للمسيح. كيف يتم هذا؟ من خلال العناية بالغريب والفقير والمريض والسجين واليتيم. المرحلة هي أن نقبل الآخرين في حياتنا كما هم، فنحبهم ونهتم من أجلهم ونضحي ونبحث عما يُفرحهم بالرب. هنا يبدأ الشعور بحضور الرب. هنا تتغير اهتماماتنا. أي اهتمام خارج الرب سيصير لنا مُتعباً، وسنتحمس لكل ما يُرضي الرب، ولكل ما يُبقينا معه. تنمو الرغبة في داخلنا في أن نقضي أكثر وقت ممكن مع يسوع، من هنا نصلي أكثر ونصوم أكثر ونسهر أكثر، ونمارس نسكا أكثر ونعترف ونتوب أكثر على خطايانا. لا نعود نتوب ونعترف لأنه يجب أن نسترجع حالتنا الروحية السابقة. لن نتوب لأن كبرياءنا كبير لا يسمح لأي تدهور روحي أن يطول. سوف نتجاوز هذه التوبة الزائفة، ولا نعود نهتم لا بكبريائنا ولا بكرامتنا، ولا بما يقوله الناس فينا، ولا بنظرتنا الشخصية لذواتنا. الهم هو واحد فقط، أن أبقى بجانبك يا يسوعي العذب. هذا هو الميلاد أن نطلب وجه الرب في كل حركة من حركات حياتنا.

“مطران الارجنتين يعقوب الخوري”