الكتاب المقدس/ العهد الجديد باللغة اليونانية

العهد الجديد كتب باليونانية في بيئة غير يونانية…

العهد الجديد كتب باليونانية في بيئة غير يونانية…

الانجيل المقدس بعهده الجديد له قصة طويلة…

الاسكندر المقدوني فتح المنطقة الشرق أوسطية، ووصل الى الصين، وفي كل مراحل حملته هذه ترك بصمات يونانية واضحة وخاصة لجهة الآثار اليونانية في كل تلك المناطق، فتيوننت الدنيا المعمورة التي حملت تسمية (المسكونة).

في الاصحاح الثاني من أعمال الرسل نرى في اورشليم يهوداً من أقطار عديدة من الامبراطورية الرومانية والامبراطورية الفارسية.

في سفر طوبيا (وهو عند إخوتنا في الكنيسة الكاثوليكية سفر ثانوي، بينما عندنا في كنيستنا الارثوذكسية هو سفر قراءة) المكتوب باليونانية فيه حوادث تجري في أفغانستان. فهذا الانتشار اليهودي الواسع في الامبراطوريتين الرومانية والفارسية، وفي دولة الانباط العربية، التي عاصمتها البتراء في الاردن الآن، واضح في الاصحاح الثاني من أعمال الرسل.

أعمال الرسل والأناجيل واضحة ايضاً عن انتشار اليهودية في مناطق عديدة أيضاً من روما الى تسالونيك، الى أفسس، إلى صيدا وصور، إلى حيفا ويافا، إلى الاسكندرية، الى ليبيا ، فكلمة قيروان (الاصحاح الثاني من أعمال الرسل) ترجمة غير صحيحة. فالقيروان موجودة في تونس اسسها في العام 721 م عقبة بن نافع. المقصود هنا كيرينا عاصمة ليبيا، حيث كانت توجد جالية يهودية مهمة وكان الناس ينطقون باليونانية.

فاذا الانتشار اليوناني لم يعد مرتبطاً بالعرق اليوناني وبأثينا، فالشعوب صارت تتكلم باليونانية وتتثقف باليونانية، وسبقت أثينا في اللغة اليونانية، وآباء الكنيسة ليسوا من أثينا. آباء الكنيسة من شرقي المتوسط من سورية الطبيعية الناطقة باليونانية بطلاقة والحاملة الارث الفلسفي اليوناني اضافة الى اللغة الآرامية…

ايضاً آباء الكنيسة من جنوب البحر المتوسط من غزة وسيناء ومصر وليبيا وقرطاج حيث السيادة اليونانية على الحكم الروماني وعلى الشعب المحلي…

كل هؤلاء الآباء القدامى الذين من كل محيط البحر الابيض المتوسط شرقاً وشمالاً وجنوباً وحتى غرباً الذين كتبوا باليونانية ليسوا من أثينا. لذلك فالانجيل ببشاراته الاربع والاعمال و… كتبت في مناطق معينة…

العهد الجديد

آيات من العهد الجديد باليونانية الاصلية
آيات من العهد الجديد باليونانية الاصلية

انجيل متى الآرامي وهو الوحيد الذي كتب بغير اليونانية نسخته الوحيدة بالآرامية الفلسطينية مفقودة.

ليس لدينا الا النص اليوناني. النص اليوناني مكتوب بلغة يونانية لا بأس بها. مكان الكتابة مختلف عليه. هناك من يقول انه تُرجم في فلسطين، وهناك من يقول انه تُرجم في فينيقية، او في سورية حيث كانت هناك احتكاكات بين اليهود والتبشير المسيحي. فانجيل متى اليوناني الذي هو وحده بين يدينا هو بدون شك اطروحة مهولة جداً بدون جدل، مثل بولس في رومية وغلاطية والعبرانيين. بدون هذه الجدلية مع اليهود يعرض حياة المسيح بصورة لايبقى لموسى مكاناً الا مكان العبد مثلما سمّته الرسالة الى العبرانيين، ويعرض التعليم المسيحي الذي هو أكمل بما لايُقاس  من ناموس موسى، ويعرض يسوع ابن الله المتجسد المولود من العذراء الذي هو أعظم من موسى بما لايُقاس، ويعرض عجائب المسيح التي هي أعظم من عجائب موسى بما لايقاس أيضاً، فالفرق واضح بين جداً ومن هذه الناحية انجيل متى وهو انجيل تبشيري ضد اليهودية وهو انجيل قوي جداً، وفي الكنيسة انجيل محترم جداً وأقدم الأناجيل وأكثرها استعمالاً في الكنيسة منذ القدم ووثيقة “تعليم الرسل القديسين” الذي يقال أنه مؤلف مابين سنة 50-100 (والعلماء مختلفون) أورد “أبانا الذي في السموات”  من انجيل متى وليس من انجيل لوقا وباليونانية أيضاً.

من المعروف أن انجيل مرقس كُتب في روما، وفي روما كانت اللغة اليونانية منتشرة بقوة، ورسالة بولس الى أهل رومية مكتوبة باليونانية، فاليونانية كانت معروفة جيداً في روما. وانجيل لوقا على الأغلب مكتوب في منطقة من بلاد اليونان أو تركيا والبت بذلك ليس بالأمر السهل، ولكن لوقا كتب بلغة يونانية جيدة لأناس يتكلمون اليونانية. من جهة إنجيل يوحنا، من المعروف أنه كُتب بأفسس. ورسائله كُتبت في أفسس، والرؤيا في بطمس، وهذه بلاد تتكلم اليونانية. بولس الرسول رسائله خرجت من أفسس ومن كورنثوس، ومن مكدونية، ومن روما، ومن مناطق يونانية أخرى تتكلم اليونانية إجمالاً، ولأناس يتكلمون اليونانية. رسالة بطرس الأولى كُتبت في روما باليونانية، والكاتب هو سلوانس رفيق بولس في الأسفار وفي التبشير. رسالة يهوذا باليونانية ولانعرف من اين.

رسالة يعقوب الرسول كُتبت باليونانية، ويعقوب كان أسقفاً على اورشليم، ولكن كان في اورشليم من يجيد اليونانية. والاصحاح السادس من أعمال الرسل يتكلم عن الشمامسة المقامين لخدمة الأرامل الناطقات باليونانية. وأسماء الشمامسة يونانية. يخدمون أرامل ناطقات باليونانية في القدس. رسالة بطرس موجهة الى شتات موجودين في آسيا الصغرى.

من جهة بولس الرسول نفسه، فهو موجود في طرسوس عاصمة كيليكيا التي كانت تنطق باليونانية. تربى في أورشليم، وتعلم الديانة والشريعة في أورشليم، وتعّلَّم الديانة في أورشليم على يد غمالائيل المشهور، ولكنه يتكلم اليونانية والعبرية والآرامية. وبولس بشَّر في فلسطين، ولكن تبشيره في فلسطين كان عسيراً ومرفوضاً. بشر في منطقة العربية أي منطقة الأنباط، ربما تعدّى حوران أو بقي في حوران فقد وصل الى الأردن، لأن العربية تعني منطقة البتراء، ولاتعني الحجاز. وبشر في مناطق تتكلم اليونانية.

الرسل القديسون، بعد اغتيال يعقوب الرسول أخي الرب، بقوا في أورشليم، ولكن الاخوة هاجروا، وهربوا الى السواحل، وانتشروا على السواحل حتى بلغوا أنطاكية، وكانوا يبشّرون اليهود فقط. إنما في أنطاكية بشّروا اليونانيين. فإذاً الساحل السوري كله (السوري، الفلسطيني، اللبناني، انطاكية ولواء الاسكندرون وحتى كيليكية) كان يتكلم اليونانية، وكانت تعيش فيه جاليات يهودية محترمة عددياً واقتصادياً، كما كانت توجد في الداخل السوري جاليات يهودية أيضاً. فكانوا يبشرون هؤلاء اليهود.

في مصر نسي اليهود الآرامية الفلسطينية والعبرية فتُرجم العهد القديم الى اليونانية قبل الميلاد بمئات السنين، وهذه الترجمة هي التي كانت منتشرة بين اليهود في الشتات.

إذاً هذه مسألة مهمة.

هناك الأسفار التي يسميها الكاثوليك في ترجمتهم العربية ” القانونية الثانوية”، والتي هي كتب تلاوة في كنيستنا الارثوذكسية، وهذه مكتوبة باليونانية لا بالعبرية، واذا كان لبعضها أصل عبري فنحن نجهل هذا الأصل العبري، فإذاً اللغة اليونانية لغة الحضارة والمدنية والثقافة في حوض البحر الأبيض المتوسط، فلا غرابة أن تكون الأناجيل والرسائل قد كُتبت بها، وكلغة حضارية وثقافية كانت تشبه الانكليزية في انتشارها اليوم، مع فارق أن اللغة اليونانية لغة فكر وأدب على مستوى ثقيل أثّرت في الآداب والفكر العالمي، فلا يوجد فكر عالمي غير متأثر بالفكر اليوناني.

النظرة الأوربية

الأوربيون يقولون عن بلادهم إنها بلاد الحضارة اليونانية اليونانية الرومانية المتنصرة، أي ان اليونان والرومان والمسيحيين هم الذين صنعوا أوربة ثقافياً أو دينياً وفكرياً ومن كل النواحي. ولذلك فكتابة الانجيل والرسائل وأعمال الرسل باللغة اليونانية لا تستدعي الاستغراب أبداً بسبب انتشار المسيحية في مناطق تتكلم اليونانية، في أعمال الرسل ورسائل بولس نرى نشاطاً لبولس واسعاً جداً في آسيا الصغرى والاناضول، وفي أنطاكية وبشر في بلاد اليونان، والمسيحية تركت في هذه المناطق مع سورية الطبيعية آثاراً كبيرة جداً.

مصدر البحث (الشماس المعلم اسبيرو جبور بتصرف)