شعار الكرسي الانطاكي المقدس

البطريرك اثناسيوس الدباس الدمشقي

البطريرك اثناسيوس الدباس الدمشقي

عندما يرد امامنا في التاريخ الانطاكي والسوري اسم هذا البطريرك (العظيم/ البعض يذكره اثناسيوس الثالث والبعض الآخر يعدده الرابع../.حسب المؤرخين وكتاب التاريخ…!)

 على الفور تبرز امامنا ابرشية حلب التي رعاها مطراناً وبطريركاً وجعل من دار المطرانية الحلبية  داراً للبطريركية…وبطريركاً مقيماً في دارالبطريركية الانطاكية الرومية الارثوذكسية بدمشق… والمطبعة العربية الاولى التي سافرالى بلاد الفلاخ والبغدان (رومانيا) لسنوات طويلة، وتدرب فيها على الطباعة العربية ليطبع بها كتب روحية ارثوذكسية خدمة لكرسينا الانطاكي المقدس، ثم احضرها معه من رومانيا الاولى مطلع القرن الثامن عشر… وتبرز معنا في السياق مطبعة البلمند… وريثة مطبعة حلب… ومطبعة الشويرالناشئة بعد اختفاء مطبعة البلمند مع الرهبان الذين اعتنقوا الكثلكة وانتقلوا الى دير الشير ورئيسهم الشماس  عبد الله زاخر الذي عمل تحت يد البطريرك اثناسيوس في حلب في مطبعته الدباسية وتعلم منه فيها فن الطباعة…!!!

مقدمة في حلب

كان لمدينة “حلب” عبر التاريخ دور بارز في الحضارتين العربية والإسلامية وكانت على الدوام مركز إشعاع فكري وثقافي، كما أكسبها موقعها الجغرافي أن تكون ممراً وملتقىً لمختلف الثقافات والحضارات البشرية فكانت أول مدينة سورية وفي منطقة الشرق الأدنى ككل تعرف فن الطباعة.

القناصل والدبلوماسيون في حلب

إن المعاهدات المبرمة بين الدول الكبرى الغربية.والإمبراطورية العثمانية منحت لهذه الدول الحق في افتتاح قنصليات في أهم المدن تتمتع بامتيازات لحماية مصالح رعاياها.

افتتحت قنصلية البندقية في حلب عام 1548 وقنصلية فرنسا عام1562 وقنصلية إنكلترا عام 1583وقنصلية هولندا (الفلمنك) عام1613، وسائر الدول التي لها مصالح في حلب افتتحت لها قنصليات خلال القرن الثامن عشر.

المرسلون اللاتين

وصل الفرنسيسكان إلى حلب عام 1571لخدمة معبد قنصلية البندقية وأوكل إليهم رعاية التجار اللاتين المستقرين في حلب.

وبإيعاز من مجمع انتشار الإيمان الكاثوليكي  وبدعم ريشوليو الدبلوماسي وصلت إلى حلب ثلاث مجموعات من المرسلين اللاتين خلال العقد الثالث من القرن السابع عشر الكبوشيون عام 1623والكرمليون عام1625(وقد أخذ اللعازريون مكان اليسوعيين بعد أن حُلّت الرهبنة اليسوعية عام 1773)كانت غايتهم إعادة وحدة الكنائس الشرقية مع الكنيسة الكاثوليكية وتحت رئاسة بابا روما والإنعاش الثقافي والروحي لهذه الطوائف.وكانت حلب إشعاع المرسلين باتجاه دمشق و(لبنان…صيدا، طرابلس، عينطورة، حريصا).

 الانفتاح على العالم المسيحي الشرقي

في عهد المماليك كان مسيحيو حلب يتصلون بصعوبة مع بقية العالم المسيحي الشرقي. الاحتلال العثماني لبلاد الشام  وصل بين المسيحيين العرب والكتلة المسيحية الشرقية. اليونان المتنفذون في القسطنطينية وضعوا يدهم على بطريركية القدس من خلال رهبنة القبر المقدس اليونانية، وأعيد اعمار دير مار سابا بعناصر اغلبها يونانية. وجذب هذا الدير العديد من الحلبيين الذين تأثروا بالثقافة الأورثوذكسية اليونانية. بقيت البطريركية الإنطاكية بيد العناصر العربية  إلى غاية 1724،  وصارت الجاليات اليونانية المنتمية الى الكرسي الانطاكي تشغل مناصب خدمة في بطريركية إنطاكية المضيافة، وتبوأ بعضهم رئاسة أبرشيات هامة. والعديد من الحلبيين استقروا للتجارة في القسطنطينية والعديد من المدن الأناضولية حيث كانت تقطن جاليات كبيرة من اليونان كمرسين وطرسوس وارضروم وديار بكر. كما أن تجاراً يونان لاسيما من قبرص استقروا في الإسكندرون وفي حلب. وهكذا انفتح الحلبيون على الثقافة اليونانية المعاصرة.

 شخصيات محلية مرموقة

ما عدا هذا الانفتاح والتأثير الخارجي عرفت حلب في هذه الحقبة عدة شخصيات مرموقة: أحبار لامعون (ملاتيوس كرمة، مكاريوس الزعيم، اندراوس اخيجان الارمني، اثناسيوس دباس، جرمانوس فرحات الماروني…) لاهوتيون، شعراء، فنانون ونخبة برجوازية من الأعيان ساندت الفنون والمشاريع وحامت عن الكنيسة.

مقدمة في الطباعة

لم يبرز فن الطباعة بالأحرف العربية في المشرق إلا بعد مرور قرنين ونصف على التعرف اليه في اوربة، وقد حافظ المخطوط العربي في هذه الأثناء على مكانته المتميزة لدى المعلمين بأعداد الوعاء الرئيس لنقل المعلومات والثقافة.

الى ان ظهرت أول مطبعة عربية لغةً وحرفاً سنة 1701 في دير والدة الإله بسناغوف بوخارست (رومانية) خاصة  بالكرسي الانطاكي الأرثوذكسي المقدس على يد بطريركه السعيد الذكر والمجاهد أثناسيوس الرابع  ابن دباس الدمشقي (1685-1724)م الذي عاد الى حلب من رومانيا، ومعه العلم والفن الطباعي والخبرة التي اكتسبها وليؤسس أول مطبعة عربية في المشرق سنة 1706، في مدينة حلب العريقة بالعلم والثقافة والزاخرة بالمكتبات والمخطوطات وقد اغنى مكتبة مطرانية حلب الغنية اساساً بكنوز افتيموس كرمة ومكاريوس الزعيم واثناسيوس الثالث دباس وشقيقه كيرلس،  ثم تأسست مطبعة ثالثة لدى المسلمين باسطنبول سنة 1726، وتبعتها بعد ذلك سنة 1711 مطبعة دير سيدة البلمند البطريركي لتتوقف فجأة وتختفي ادواتها واحرفها ثم  تظهر مطبعة في دير الشير الكاثوليكي في الشوير على يد الطباع ذاته الشماس عبد الله زاخر سنة 1734 ومطبعة جديدة في جاسي(مولدوفا) سنة 1745 وأخيرة في بيروت سنة 1751م.

وتعد ظاهرة تأسيس هذه المطابع عربية خلال نصف قرن علامة بارزة في عملية التحول التي أقدم عليها المجتمع العثماني في القرن الثامن عشر، التي كان يتوقف من خلالها للانتقال الى مرحلة جديدة من تاريخه وهي مرحلة الاصلاح والنهضة التي سيلعب فيها الكتاب المطبوع دوراً بارزاً. ولكن لا يمكن نقل الآراء الجديدة والمعارف العصرية في ذلك العصر بسرعة والتعريف بها على نطاق واسع إلا عبر الكتاب المطبوع. وادت أفكار الإصلاحيين التي برزت في هذه الفترة  والتي تعبر عن رغبة جديدة في تغيير المجتمع والاتجاه الى استعمال ادوات ثقافية متطورة.

دير سيدة والدة الإله بسناغوف بوخارست
دير سيدة والدة الإله بسناغوف بوخارست

كان المسلمون مترددين في استعمال فن الطباعة،  رغم أنهم كانوا على إطلاع مبكر منذ ظهور أحرف الطباعة المنفصلة بأوربة في القرن الخامس عشر، بل كانوا على علم ب”فن الكتابة الجديد” الذي اكتشفه الصينيون في القرن الحادي عشر. ولايختلف الأمر كذلك بالنسبة للمسيحيين الأرثوذكسيين في بلاد الشام الذين كانوا مطلعين على ورشات الطباعة الموجودة عند بعض الطوائف الدينية في الدولة العثمانية منذ القرنين الخامس عشر والسادس عشر.

ان القسطنطينية العاصمة قد سبقت غيرها من عواصم الشرق في صناعة الطباعة. لكن سلاطين بني عثمان لم ينظروا في اول الأمر الى المطبوعات بعين الرضى، وانما كانوا يخافون أن يلجأ أصحاب الغايات الى تحريف الكتب الدينية الاسلامية او حتى يعمدوا الى تزويرها، او يستغلوا الطباعة  لبث الدعوة التحررية عن السلطنة العثمانية.

فقط رخص السلاطين للأقليات الدينية بالطباعة ( اليهود في القسطنطينية واحدثوا مطبعتهم عام 1494 باللغة العبرية، والارمن وكانت اول مطبعة لهم باللغة الارمنية في مدينة سيفا عام 1567 ، واليونان انشأوا مطبعة في القسطنطينية باللغة اليونانية عام 1627…) بشرط عدم استخدام الحرف العربي لأنه يستخدم في اللغة التركية بوجهها العثماني. من هنا نرى أن المطبوعات العربية بالحرف العربي لم تظهر في الشرق الا مع بداية القرن 18م وذلك في حلب على يد البطريرك الأنطاكي الأرثوذكسي المقدام اثناسيوس الرابع دباس (1685-1724)

مع هذا العَلم  الانطاكي العظيم راحت الطباعة العربية تسلك الطريق الى أقطار الشرق عموماً، من مطبعته  في حلب…وان كان العثمانيون ينظرون الى الطباعة بارتياب كما اسلفنا لأنهم رأوا فيها بارقة وعي تشرق في اذهان الشعوب المحكومة، وتصلها بأجواء الوعي الفكري الذي كان يصطخب في دنيا الغرب آنئذٍ، ومن هنا فإنها ستربي فيها روح التمرد، وستكون معولاً بهدم نفوذهم.

آل دباس

عائلة دباس من العائلات المتجذرة في بلاد الشام وهي من كبريات العائلات المسيحية العربية ذات النفوذ الواسع، وتعتبر من أبرز العائلات الكهنوتية التي أعطت الكثير من البطاركة والاساقفة والكهنة والرهبان في خدمة الكنيسة الارثوذكسية والكنيسة جمعاء مدة اربعة قرون. ترقى بجذورها الاولى الى بلدة ازرع في العربية (حوران) وهي بلدة تاريخية متجذرة يونانيا ورومياً بالمسيحية وعرفت المسيحية مبكرة وفيها كنيسة القديس جاورجيوس وكنيسة النبي الياس وتعودان الى مطلع القرن الخامس، بدلالة الكتابات الرومية (اليونانية) المنقوشة في الاولى…وتزامن عمر الثانية معها…

باب توما
باب توما

في عام 1386 سكنها كبير العائلة عبد المسيح، ويبدو ان مهنته كانت صنع الدبس واعتمدت الكنية زمن اعتماد الكنيات في بلاد الشام زمن الاحتلال العثماني وتحديداً مطلع القرن السابع عشر… ومن حوران ومع الفتح العثماني، وانتشار الامن بعد القضاء على المماليك انتقلت عائلة دباس الى دمشق واستقرت فيها، ثم تفرعت في مدن عدة فوصلت الى القدس واللد وحيفا ويافا وبيروت والقاهرة ودمياط والاسكندرية ومرسين وطرسوس في ابرشية كيليكيا بآسية الصغرى، كما وصلت في مراحل لاحقة الى مدن اوربية واميركية كبقية العائلات الاصيلة ومنها آل الحداد والمعلوف وعائلتنا زيتون…المتجذرة في الارض السورية الواحدة.

في اواخر القرن16 واوائل القرن 17 وصلت العائلة الى ذروة الشهرة، لعبت في هذه الحقبة، دوراً اساسياً وقيادياً ناجحاً وشجاعاً على المستويين الكنسي والزمني وذلك عندما اعتلى شابان اخوان من ابنائها العرش البطريركي الارثوذكسي الأنطاكي وهما أثناسيوس الثالث (1)(1611-1619) وكيرلس الرابع(1619-1628)

كان اثناسيوس الثالث الصوت المغرد في الكنيسة الأنطاكية الأرثوذكسية منذ أن نُصِّبَ مطراناً على حوران مع بيروت وجبل لبنان(1581-1611)حيث شهدت ابرشية بيروت معه حركة روحية نشطة.

تم اختياره بطريركاً في ايلول من العام 1611 في ظل ظروف صعبة، كان معها الكرسي الانطاكي قد بدأ يشهد اختراقات من الرهبنات الكاثوليكة، سرعان مانمت في قلب الكنيسة. بالاضافة الى الديون الكبيرة التي كانت تترتب عليها للسلطنة العثمانية.

في البداية عمل أثناسيوس الثالث على وقف تقدم هذه الرهبنات الى حلب، بعد أن كانوا قد وصلوا اليها في مطلع سنة 1525 وأسسوا فيها اديرة ومدارس ونظموا حملات لشد المسيحيين الى كنائسهم واديرتهم ومدارسهم بغية جذبهم اليهم.فرسم ملاتيوس كرمة مطراناً على حلب في 12 شباط من العام 1613، والمعروف عن المطران كرمة ( البطريرك افتيموس كرمة 1634 مؤسس مدرسة الآسية البطريركية الارثوذكسية توفي 1635) علمه وثقافته وادارته، وذلك لوقف المرسلين اللاتينيين وحماية الرعية الارثوذكسية من الاستلاب الكاثوليكي.

حلب القديمة
حلب القديمة

كما انه واجه الظلم العثماني بفرض الضرائب الباهظة والمذلة على المسيحيين  والرئاسة الروحية، وأخذ على عاتقه تسديد الباقي من عجز الشعب المسيحي للدولة العثمانية سنوياً خلال مدة رئاسته على الكرسي الأنطاكي التي دامت سبع سنوات.

بعد وفاة البطريرك اثناسيوس الثالث، اعتلى الكرسي اخوه مطران حوران ومايليها كيرلس في 24 نيسان من العام ذاته يوم احد السامرية وسمي كيرلس الرابع

وتنازع مع ملاتيوس مطران حلب ولكنه كان فد تابع خطى شقيقه أثناسيوس في وقف تقدم الرهبنات الكاثوليكية وفي دمشق مقر الكرسي كان يديرها بطريقة جيدة بمساعدة وكيل عينه عليها هو ابن عمه جرجس دباس الذي كان من الشخصيات النافذة في دمشق وعلى عكس علاقة كيرلس المتينة مع السلطات الحاكمة لم تكن علاقته جيدة مع الدمشقيين لتأييدهم للبطريرك اغناطيوس الثالث 1617ابن عطية المؤيد من مجمع رأس بعلبك وهو الذي اسقط البطريرك كيرلس من السلسلة البطريركية(2) توفي كيرلس الرابع في اول حزيران من العام 1628 وهدأت الاحوال للبطريرك اغناطيوس الثالث حتى وفاته في عام 1634.

“اما والد كل من البطريركين فهو الخوري موسى دباس الحوراني الأصل(1526-1617) وهو عم جرجس دباس وكيل البطريرك كيرلس الرابع في تدبير امور البطريركية في دمشق.

اذن ان مؤسس العائلة في العصر الحديث هو الخوري فضل الله (1620-1706) بن بولس بن موسى بن جرجس بن بولس(1624-1614)، وبولس الأخير هو شقيق الخوري موسى الحوراني(1526-1617).

نزح الخوري موسى الحوراني الى دمشق مطلع القرن 16 مع اخيه بولس الذي انجب جرجس (الوكيل البطريركي) جد بولس والد الخوري فضل الله(1620-1706) الذي تزوج في دمشق من مريم طرزي وأنجب منها ستة اولاد وهم:

1- بولس البطريرك اثناسيوس الرابع (1685-1724)،2- موسى (1661-1749) وهو الجد الأكبر للفرع الدمشقي – البيروتي، موسى هذا كان أحد الأعيان من زعماء الطائفة الأرثوذكسية اللذين في يدهم مقاليد امورها في ذلك الوقت، لعب دوراً كبيراً بجانب ابن اخته البطريرك سلفستروس القبرصي (1724-1766) زمن نشوء الكثلكة في دمشق.3- يعقوب الذي اسس الفرع اليافاوي – البيروتي، ومنه خرج اول رئيس للجمهورية اللبنانية شارل دباس (1926-1932) 4- يوسف الذي اسس الفرع العكاوي، ومنه خرج المطران كيرلس راعي ابرشية صور وصيدا(1810-1826)، والقس أثناسيوس (1710-1797) 5- أوستين. 6- فوتين، والدة البطريرك سلفستروس القبرصي الذي خلف خاله البطريرك اثناسيوس الرابع علمنا على الكرسي الانطاكي.

وهكذا فإن العائلة مرتبطة بعضها ببعض  بسلالة الجد الأعلى الخوري موسى (1526-1617) مروراً بالجد الأكبر الخوري فضل الله بن بولس دباس الدمشقي (1620-1706) الذي ينزل من نسب عبد المسيح(1386)، الى نسب ديمتري يوسف دباس ببيروت (1837-1912) وصولاً الى أحفاده اليوم في بيروت.”(3)

السيرة الذاتية

هو بولس ابن الخوري فضل الله بن بولس دباس الدمشقي الأصل. ولد في عام 1647 في حارة بولاد في باب توما بدمشق من والدين ارثوذكسيين، نشأ البطريرك وترعرع في مدينة دمشق، وفي عائلة أغلى ما لديها إيمان راسخ بالله، احترام وحب للكنيسة الارثوذكسية الأنطاكية وفي مدينة القديس بولس منطلق المسيحية الى العالم، وكان والده الخوري فضل الله من عداد الكهنة الدمشقيين المتميزين وقتها في المعرفة اللاهوتية والعلوم الزمنية، وكان حاضراً مع بقية الكهنة في الاحتفال الذي أقيم لمناسبة ارتقاء مكاريوس بن الزعيم العرش البطريركي الأنطاكي في 12تشرين الثاني 1647. لذلك كانت الحياة الروحية تملأ قلب الطفل بولس من خلال والده الخوري وعائلته المؤمنة جدا والممارسة لايمانها الارثوذكسي في كنيسة مريم وكنيسة القديس نيقولاوس وكنيسة القديسين كبريانوس ويوستينا في الصرح البطريركي الدمشقي.

دمشق القديمة
دمشق القديمة

تلقى العلم على والده طفلاً وفي كتَّاب دار البطريركية في دمشق، فتميز بولس علمنا بحدة ذكائه منذ طفوليته وباجتهاده، وكانت إرسالية رهبنة الآباء اليسوعيين اللاتينية قد فتحت مدرسة للصغار بدمشق، فأدخله والده فيها وكانت هي  اول مدرسة مسيحية نظامية في دمشق(4) وتم الترخيص لها بمساعي  سفيري فرنسا والنمسا، وكان الى جانب دراسته في مدرسة الآباء اليسوعيين يعمل في الخياطة كبقية اقرانه ليتعلم مهنة يكتسب منها ايرادا مالياً وبالذات هي مهنة العائلة. وكان جميل الصورة جداً.

في النصف الثاني من القرن السابع عشر انتقل مع والده وبعض افراد اسرته من دمشق الى القدس. وهناك تعرف على الحياة الرهبانية عن كثب.

الكاتدرائية المريمية (كنيسة مريم) الايقونسطاس
الكاتدرائية المريمية (كنيسة مريم) الايقونسطاس

رهبنته

في القدس تعرف على الحياة الرهبانية عن كثب، ولم يلبث أن اعتنق الرهبنة ولبس الاسكيم الرهباني الكبير(5) في دير القديس سابا للروم الارثوذكس التابع لبطريركية اورشليم والواقع جنوب شرق أورشليم على بعد ستة كيلومترات(6) وهذا الدير يُعد معقلاً للارثوذكسية في فلسطين وسائر سورية الكبرى، وهو المركز الذي تفتقت فيه عبقرية المسيحيين العرب، عند ذلك  دُعي بروكبيوس وقيل بائيسيوس. وشهد نبوغ القديس يوحنا الدمشقي…

اتقن اللغة اليونانية القديمة والحديثة مع اطلاع واسع على ثقافتها وهي لغة الاناجيل ولغة المجامع المسكونية ولغة آباء الكنيسة الشرقية، غدت لغة الأرثوذكس قاطبةً، بحيث أصبح بالامكان مقارنتها ايجابيا باللاتينية والعربية، وهما لغتا الثقافتين الكبيرتين في ذلك العصر.

كما اتقن اللغة اللاتينية بطريقة مميزة وتعلم نحَوها وصَرفها بعد ان كان قد درس مبادءها عند الآباء اليسوعيين في دمشق، وتعلم الايطالية عند الرهبان الفرنسيسكان في أورشليم، وعرف الرومانية والسريانية والعثمانية والعبرانية باجتهاده الشخصي، بالاضافة الى تمكنه من اللغة العربية وقد اكتسبها على والده الخوري فضل الله وفي كتَّاب البطريركية بدمشق، ومن ثم تثقفه الذاتي بالعربية وصار من اكبر متضلعي عصره بها، ودرس في الدير الدراسات العالية للعلوم اللاهوتية والدينية واليتورجية.

تخصص في الترجمة والتعريب كما كان خطيباً مفوها. ثم رُسمَ قساً(7). وبعد فترة من الزمن أصبح رئيساً للدير. وكان الدير بالنسبة له مركزاً دائماً ونقطة انطلاق في تجوله حول المدينة المقدسة. وصار علامة عصره.

رسمه بطريرك اورشليم دوزيئس الثاني (1669-1707) اسقفاً(8)سنة 1685 وارسله الى دمشق(9).

بطريركيته

اختاره الشعب الدمشقي الارثوذكسي ومطارنة المجمع الانطاكي المقدس بطريركاً خلفاً للبطريرك نيوفيطوس الاول (1674-1684) واحتفل في تنصيبه يوم الاربعاء في 25 حزيران 1685 في كنيسة مريم (الكاتدرائية المريمية) في الشارع المستقيم وهي كاتدرائية البطريركية وتقع في حرمها. وتولى السدة البطريركية في 25 آب من عام 1685في دمشق.

وكان قد تم الاجماع في الوقت ذاته من فريق من الدمشقيين واعضاء من المجمع المقدس على اختيار كيرلس ابن بولس ابن مكاريوس بن الزعيم بطريركاً  لأنطاكية تقديراً لجهاد جده البطريرك العظيم مكاريوس بن الزعيم لأجل الكرسي الانطاكي.

وقعت الازمة البطريركية واستعر الخلاف بين البطريركين واستمر النزاع بينهما حتى العام 1694 حين تصالحا بصيغة اتفاق بينهما على ان يتنازل البطريرك دباس عن الكرسي البطريركي في دمشق مقابل رئاسة ابرشية حلب وتوابعها وكانت  ابرشية كبيرة لها اهميتها في الكرسي الانطاكي ورعيتها كبيرة، وان يوقع “أثناسيوس البطريرك الانطاكي سابقاً” وعندما يموت ايهما يتولى الآخر السدة البطريركية دون منازع…

وهذا ماتم اذ عند وفاة كيرلس بن الزعيم في العام 1720 عاد اثناسيوس الرابع ابن دباس بطريركا على انطاكية وسائر المشرق من دون منازع حتى وفاته عام  1724، وفي هذه الايام قويت مداخلة طغمة الرهبان اللاتينيين التي دخلت كرسينا الانطاكي في عصر البطاركة السابقين بدون تظاهر منها بما ظهر بعدئذ من المجافاة واجتذاب الناس الى آرائها.

وقد هب هذا الراعي الجليل البطريرك اثناسيوس دباس الى الدفاع عن رعيته ومعتقدها الارثوذكسي القويم والوقوف في وجه التبشير والتغلغل الكاثوليكي المنتظم المدعوم بالمال والاطباء وكبار اللاهوتيين والممول بشكل غير موصوف من اجل لتننة الشرق الارثوذكسي، فألف ونشر جملة كتب بالطبيع في بلاد رومانية كما سنرى وفي مدينة حلب بثقلها الثقافي والروحي الارثوذكسي وبالجبهة العريضة بمواجهة الرهبان الغربيين وابرزهم اليسوعيين جيش روما.

اثناسيوس كتب ونشر كتب الفروض والانجيل الطاهر وكتاب قضاء الحق لنكتاريوس وكتاب في الخمير لأرجنتي الطبيب وعندما شعر بدنو الأجل أشار على الشعب أن ينتخب خلفاً له شماساً كان عنده قبلا وهو إذ ذاك منقطع للعبادة في آثوس في الجبل المقدس اسمه سلبسترس يوناني الأصل من قبرص وهو ابن شقيقته فوتين، فخلف خاله البطريرك اثناسيوس الرابع علمنا على الكرسي الانطاكي.(10)

واثناء رئاسته على ابرشية حلب الانطاكية الارثوذكسية انتُخب من مجمع كنيسة قبرص رئيساً لأساقفة قبرص في العام 1705 بعد موت رئيس اساقفتها جرمانوس (1690-1705) وبقي محتفظا برئاسته على ابرشية حلب، وصار يتنقل بين حلب وقبرص، وبقي في هذا المنصب الى حين عودته بطريركاً انطاكياً مجدداً(11)عام 1720 محولا من مقره في مطرانية حلب مركزاً بطريركياً لادارة الكرسي الانطاكي.

حلب قديما
حلب قديما

كان البطريرك اثناسيوس الرابع دباس الدمشقي رجل انفتاح وعلم وقداسة. جعل الكتاب المقدس والكتب اللاهوتية المختلفة خبزه اليومي استقى منها بشغف، فكَّونَ ثقافة لاهوتية مميزة، مما جعله قدوة للمؤمنين في ثباته على استقامة الرأي والعقيدة الارثوذكسية.

تكمن اهمية هذا العَلَمْ الارثوذكسي الانطاكي الكبير من جمعه لصفات كثيرة في شخص واحد، قداسة السيرة، اللاهوت، الاطلاع على علوم العصر، الجرأة في مواجهة البدع والانحرافات ودفاعه عن الارثوذكسية في مواجهة الغزو التبشيري الكاثوليكي، الموسيقى البيزنطية والتأليف الطقوسي، وتعريب وتأليف الكتب الدينية والعقائدية، واهتمامه بفن كتابة الايقونات البيزنطية، والحوار مع غير المسيحيين بجرأة قل نظيرها في زمن الانحطاط…

تطور العلاقات بين الكرسي الانطاكي ورومانيا في القرن 17

تطورت العلاقات الدينية الارثوذكسية والثقافية بين الطرفين بفضل الاتصالات التي قام بها البطريرك الانطاكي اثناسيوس الرابع ابن الدباس علمنا (1685-1724)، فقد سافر عدة مرات الى بلاد الفلاخ والبغدان(رومانيا)(12) التي كانت تتمتع بنوع من الحرية في ذلك الزمان نظراً للتعاون الوثيق القائم بين امرائها والسلطنة العثمانية. وامكن لحكام رومانيا تنشيط الحياة الثقافية الفنية عندهم بفضل إنشاء مطابع بأحرف يونانية ورومانية واصدار العديد من الكتب. وقد ارسلوا الى اخوانهم ارثوذكس انطاكية  كتب صلوات باللغة اليونانية للاستفادة منها في كنائسها. وقد وجد البطريرك أثناسيوس الرابع الفرصة سانحة للتقدم بطلب الى حاكم بساربيا ويوضا في البلاد الرومانية لطبع كتب عربية بعد حركة التعريب الواسعة للكتب الكنسية خلال القرن السابع عشر وندرة المخطوطات عندهم.

لكن لم يكن للارثوذكس في انطاكية الامكانيات المادية ولا الخبرة الفنية الكافية للمبادرة بتأسيس مطبعة عربية في الكرسي الانطاكي.

ولم يكن أثناسيوس الرابع اول بطريرك انطاكي او ارثوذكسي يزور الفلاخ والبغدان طلباً للعون وخصوصاً من اجل جمع التبرعات لأداء الجزية للعثمانيين ومن اجل الحماية السياسية حيث يفتقد الارثوذكس لمن يحميهم في ظل الاحتلال العثماني والمظالم الواقعة عليهم والجهل والتعصب الديني الواقع عليهم من الوسط الاسلامي وخاصة في زمن الانحطاط العثماني…!

لقد سبق علمنا الى تلك البلاد الغيورة على الايمان الارثوذكسي “بلاد المسيحيين وراء الدانوب او ولايات الدانوب” وفق ادبيات الزيارات التي قام بها العديد من الرهبان والأساقفة والبطاركة الأرثوذكسيين من انطاكية واورشليم والقسطنطينية والاسكندرية، فالبطريرك الانطاكي يواكيم الخامس ضو اواخر القرن 16 هو اول من قام برحلة خاصة الى الفلاخ والبغدان في طريقه الى روسيا ومن بعده البطريرك كيرلس دباس في اوائل القرن 17 ثم جرت العادة لبعض البطاركة ان يسيروا على خطاهما بالسفر الى رومانيا وروسيا او ارسال احد من قبلهم. منهم البطريرك الأنطاكي افتيموس الرابع الساقزي المصور(1735-1647) الذي ارسل من قبله الى رومانيا ارميا الحلبي مطران عكار.

كذلك البطريرك الانطاكي مكاريوس ابن الزعيم (1647-1672) الذي قام بزيارتين الى تلك البلاد، الا ان علمنا البطريرك اثناسيوس الرابع تجاوز المألوف في زيارات من سبقه وكانت تحمل وجه جمع المساعدات للكرسي الانطاكي المظلوم، اذ اهتم بطباعة الكتب الدينية باللغة العربية بعد ان كان قد عربها عن اليونانية وغيرها من اللغات، الأمر الذي طمح اليه البطاركة السابقون لاسيما البطريرك افتيموس كرمة ومكاريوس ابن الزعيم ولم يتحقق.

جذور مطبعة حلب: النشر العربي في بوخارست

بدأت حركة النشر العربي في اوربة مع بداية القرن الثامن عشر حيث ظهرت مطابع عربية في العديد من المدن اولها بوخارست عام 1701 ثم جاسي ولندن ومدريد ولشبونة وفيينا وغيرها. وقد بلغ عدد الكتب العربيةالمطبوعة في ذلك القرن حسب العلامة شنور مائة وستة وخمسين كتاباً.

آلة طباعة قديمة
آلة طباعة قديمة

وطوال خمسة قرون قدم الرومانيون المساعدات المادية والأدبية والأعمال الفنية الى المؤسسات والمراكز الثقافية الارثوذكسية في كل من بلغاريا وصربيا واليونان وجبل آثوس المقدس ودير القديسة كاترينا في سيناء…

لم تكن لدى الرومانيين فائدة مباشرة في طبع كتب عربية على ارضهم حيث لايوجد سكان عرب، ولا علماء مستعربون في جامعاتها، لكن الفائدة تنحصر باخوانهم الأرثوذكسيين في الكنيسة الانطاكية، وكان الاكليروس الارثوذكسي يتردد على رومانيا لمناقشة مسائل دينية. وفي كل مرة يسافر فيها البطاركة والمطارنة الانطاكيون الى رومانيا كانوا يهتمون بالكتب اليونانية والرومانية ويحرصون إما على نسخها او ترجمتها. فمثلا تولى البطريرك مكاريوس الزعيم ترجمة كتاب:” الدر المنظوم في اخبار ملوك الروم” الذي يغطي الفترة الممتدة من الأمبراطور قسطنطين الى السلطان مراد، وقد عهد البطريرك مكاريوس بعملية التعريب عن اليونانية الى ابنه الارشيدياكون بولس والخوري يوسف المصور، اما علمنا البطريرك اثناسيوس الرابع  فقد عرَّب العديد من الكتب عن اليونانية والرومانية منها:

1-“تاريخ بطاركة انطاكية” كتبه بالرومانية ومن ثم عربه سنة 1702.

2- “اصلاح الحكيم وفساد العالم الذميم” عربه عن اليونانية وكلف المطران جرمانوس فرحات مطران حلب الماروني بمراجعته. الى جانب هذه الترجمات جلب البطاركة معهم من رومانيا مجموعة مهمة من المخطوطات واودعوها مكتبات كنائسهم في سورية.

اما اول محاولة للنشر بالعربية فقد ظهرت في سنة 1701 بفضل امير الفلاخ والبغدان حسن العبادة قسطنطين برانكو فيانو الغيور على الارثوذكسية (1688-1714) الذي اسس مطبعة بالأحرف العربية في دير سيدة والدة الاله في سناغوف بالقرب من بوخارست سنة 1701 بناء على طلب البطريرك اثناسيوس الرابع علمنا الذي اعرب عن حاجة انطاكية وابرشياتها وكنائسها واديرتها الى كتب ارثوذكسية مطبوعة بالعربية. وكانت هذه الورشة المصدر المباشر للمطبعة التي أُقيمت بعد خمس سنوات في مدينة حلب عام 1607 عاصمة كرسي البطريرك اثناسيوس(13).

الأمير قسطنطين برانكوفيانو حاكم فلاشيا رومانيا 1688-1714
الأمير قسطنطين برانكوفيانو حاكم فلاشيا رومانيا 1688-1714

بالاضافة الى بعض الآلات والتجهيزات التي نقلت من سناغوف – بوخارست الى حلب، كان أبرز شخصية باشر عملية النشر في بوخارست هو البطريرك اثناسيوس الرابع علمنا. وتكمن اهمية مطبعة بوخارست هذه في انها اول ورشة داخل الامبراطورية العثمانية تصدر كتباً عربية، كما انها تعكس تحولاً مهماً في تاريخ الكتاب العربي المطبوع وفي موقف الباب العالي بالنشر بالحرف العربي الذي كان يرفض اصلاً طبع الكتب العربية كما اسلفنا.

وكان تأسيس المطبعة العربية في سناغوف-بوخارست بمثابة تمهيد لظهور المطابع العربية المسيحية

 حلب، البلمند، الشوير، جاسي، بيروت.

مهدت مطبعة بوخارست هذه لتأسيس مطبعة حلب الأرثوذكسية بصفة مباشرة وهي مطبعة البلمند، ومطبعة الشوير الكاثوليكيةلاحقاً!!!

اما مطبعة جاسي في مولدوفا فقد مهدت الطريق لمطبعة بيروت الارثوذكسية.

سفرة البطريرك اثناسيوس الرابع الى رومانيا

اسباب السفرة الى رومانيا

في شتاء 1697-1698 كان الناس في ضيق شديد من قلة الأمطار، كما انه في نهاية العام 1699 اجتاح الجراد منطقة سورية، واصبح الناس في وضع اقتصادي حرج، لذلك عزم البطريرك اثناسيوس الرابع في آذار من سنة 1700 على القيام بجولة يطلب فيها المساعدات للشعب المسيحي في دائرة الكرسي الانطاكي المصاب بأزمة غذاء ، واستقبل في كل مكان بالحفاوة والتكريم اذ كانت تربطه علاقات متميزة مع البلاد الارثوذكسية في رومانيا وروسيا وجورجيا وفالاشيا ومولدافيا. وكانت الامارتان الأخيرتان تحت الاحتلال العثماني، وكانت كراسينا الارثوذكسية في انطاكية  واورشليم… قد أقامت علاقات دائمة معهما وكان رهبان الأراضي المقدسة اول من ذهب الى اوربة الشرقية لجمع الاحسان تسهيلاً للحجاج الى فلسطين فشيدت لهم مستشفيات وأديار وخانات على طول الطريق لايوائهم، وكانت هذه الأديار تقوم بواجبات انسانية كبيرة، واعمال حميدة عبر احتضان المسافرين وعابري السبيل تقدم لهم الزاد والماء والعلف لدوابهم. وذلك قبل قيام الارسالية الروسية الامبراطورية منتضف القرن التاسع عشر لتتحول الى الجمعية الامبراطورية الفلسطينية-الروسية الارثوذكسية اواخر القرن ذاته وتفتح مدارس لها في كل بلاد الشام.

خريطة رومانيا
خريطة رومانيا

استقبل علمنا في رومانيا من قبل امير بسربا ويوضا الحسن العبادة يوحنا قسطنطين برانكوفيانو(1645-1714) وقد حكم من (1688 الى1714) وقد استقبله باحتفال كبير، واجرى معه محادثات ودية، واتخذه أباً روحياً له. وفي أيار من العام نفسه بارك زواج ابنة الأمير(سافتا) من رئيس الديوان الملكي(14) (لورداش كريتزولوسكو)، كما حضر في تموز سنة 1703 احتفالات مبايعة آل برانكوفيانو امراء على الفلاخ والبغدان(رومانيا)، كما أنه قام برسامة العديد من الاساقفة على الابرشيات الشاغرة في الامارة.

ومن خلال المباحثات بينهما علم الامير برانكو فيانو ان لغة الكنيسة الأرثوذكسية الانطاكية هي العربية، وانهم يحتاجون الى تعريب للكتاب المقدس والنصوص الطقسية الأرثوذكسية، وان بطريركية انطاكية بحاجة لنقل كل النصوص المقدس الى لغة الشعب وهي العربية.

وافق الأمير على طلب البطريرك دباس لدعم مطبعة للكتب، وكان هذا الأمير يحبذ كثيراً نشر وتوزيع الكتب الارثوذكسية. واسس بعد ان رصد موارد مالية خاصة مطبعة بأحرف عربية في دير سيدة والدة الاله في سناغوف ببوخارست. ويشير البطريرك اثناسيوس الرابع الى طلبه هذا في مقدمة ثاني كتاب عربي يُطبع ببوخارست وهو “الأورولوجيون”، فيقول متحدثاً عن الأمير الروماني برانكوفيانو:”لما علم من حقارتنا في المحل الذي حضينا فيه بالاجتماع مع سعادته، واعلامنا له عن قلة الكتب الكنائسية بسبب انها كتابة اليد وتعذر اقتناؤها، فمن زيادة ورعه وحسن ديانته في الأمور الالهية اجتهد في عمل طبع عربي لأجل الكتب الضرورية بكلفة زايدة واطلاق يد في المصرف”(15).

الامير يوحنا قسطنطين برانكوفيانو 1688-1714 حاكم بسربا ويوضا في البلاد الرومانية
الامير يوحنا قسطنطين برانكوفيانو 1688-1714 حاكم بسربا ويوضا في البلاد الرومانية

ويؤكد البطريرك دباس في طلبه الى الأمير على ندرة المخطوطات العربية وعدم قدرة الناسخين وعددهم كبير على تلبية حاجات كنائس الكرسي الأنطاكي في النصوص العربية الجديدة بعد أن تم تعريب الكتب الدينية للكرسي الانطاكي من اليونانية.

ويتحدث البطريرك دباس عن ظروف انشاء مطبعة عربية في دير سيدة والدة الاله في سناغوف – بوخارست فيقول:” ان الأمير استجاب لطلبه وأسس مطبعة عربية وأمر الاب المتوحد انثيمس ايفير الكرجي الأصل وهو مطبعي ماهر يعمل عنده بطبع كتب دينية باللغتين العربية واليونانية، ووفر له الأموال اللازمة لحفر الحروف العربية بكل دقة”.(16)

الطباع الأب المتوحد انثيموس ايفير الكرجي

هو اندراوس بن يوحنا أفيريانول، ولد في منتصف القرن 17 في ايبيريه (في جورجيا على البحر الأسود وحدود تركيا بين ارمينيا وروسيا). كانت جورجيا اذ ذاك تابعة للبطريركية الأنطاكية، وقد دخلت في دائرة الكرسي الأنطاكي في عهد البطريرك الأنطاكي القديس أفستاثيوس (336-342م) الذي ذهب في القرن الرابع الى تلك البلاد ونصَّرَ سكانها وأقام لهم اساقفة وكهنة وشمامسة، وبنى لهم كنائس في نحو الف قرية بمساعدة القديسة نونا.

الغلاف الداخلي لكتاب الاورلوجيون المطبوع بسناغوف -بوخارست سنة 1702
الغلاف الداخلي لكتاب الاورلوجيون المطبوع بسناغوف -بوخارست سنة 1702

كان اندراوس الكرجي طباعاً بورشة مطبعة الأسقفية ببوخارست في العام 1694 استقدمه اليها من القسطنطينية الأمير برانكوفيانو، واصبح مديرها، وكان ماهراً جداً في الطباعة وفي صنع الكتب.

رسمه ثاودوسيوس متروبوليت بوخارست كاهناً باسم انثيموس، ثم رقاه الى رئاسة دير سيدة والدة الاله في سناغوف (الموجود وسط جزيرة تقع على بعد 30كم شمالي بوخارست) وبقي فيها ثماني سنوات، وكان يتقن اللغات اليونانية والسلافية والرومانية والجورجية والتركية، ودرس الأدب الروماني واليوناني والتركي، فضلاً عن بعض اللغات الأخرى التي كان له فيها المام.

فلما أوعز اليه الأمير أن يعد مطبعة عربية للبطريرك أثناسيوس الرابع، لبى الطلب بطيبة خاطر وشرع  بحفر الحروف العربية (اللغة العثمانية كانت تُكتب بأحرف عربية)، وبقي لذلك في الدير واصلاً الليل بالنهار، فأنشأ فيه مطبعة عربية طبعت بعض الكتب.

رسمه علمنا البطريرك اثناسيوس الرابع اسقفا على ريمنيك قي 31 آذار من العام 1705 ونقل اليها الحروف والمطبعة. وبعد وفاة متروبوليت بوخارست ثاووسيوس، رسمه البطريركان الاسكندري والأورشليمي متروبوليت على بوخارست وسلمه عصا الرعاية الأميرقسطنطين برانكوفيانو في 22 كانون الثاني من العام 1708، فنقل من دير السيدة في سناغوف الى بوخارست.(17)

 اعلان قداسة القديس انثيموس

في عام 2016 تم اعلان قداسة القديس  انثيموس الكرجي في رومانيا حيث رئس بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشرالخدمة الالهية والاعلان في29 ايلول 2016، في إطار زيارته رومانيا وفي إطار احتفالية القديس انثيموس الايفيري، قداسا في دير القديس انثيموس الايفيري في رمنيكو فلتشا،  حيث تمت خدمة تكريس كنيسة الدير على اسم القديس أنثيموس وينبوع الحياة. شاركه في الخدمة البطريرك الروماني  دانيال

غبطة البطريرك يوحنا العاشر بطريرك انطاكية يعلن قداسة انثيموس الكرجي في رومانيا
غبطة البطريرك يوحنا العاشر بطريرك انطاكية يعلن قداسة انثيموس الكرجي في رومانيا

والمتروبوليت يوحنا ممثل  كاثوليكوس جيورجيا والوفد الأنطاكي والجورجي ولفيف من رؤساء الكهنة والكهنة والشمامسة في حضور شعبي كبير ولافت. وعرضت في القداس الالهي  العصا الأثرية التي قدمها بطريرك أنطاكية أثناسيوس الرابع دباس في مطلع القرن الثامن عشر هدية للقديس انثيموس وهي من صنع حلب.

الطباعة في رومانيا

انتقل الاب انثيموس الى دير سيدة والدة الاله في سناغوف وقام بطبع الكتب بعد قام بحفر الحروف العربية وكانت خشنة غير دقيقة، ولم تكن عملية تنضيد النصوص العربية جيدة فقد ارتكب أغلاطاً كثيرة، ويعترف الاب انثيموس بهذا النقص في خاتمة كتابه الثاني:”ايها الاخوة المكرمين الذين تطالعون في هذا الكتاب المبارك أسألكم وأتضرع اليكم أنا الفقير صانع هذا الطبع أن تسامحوني عن جميع ماصدر فيه من الأغلاط وعدم التقويم بما اني غريب عن اللغة العربية”(18) وجد هذا الطباع صعوبة كبيرة في حفر الحروف العربية وفي عملية التنفيذ رغم تعاونه مع البطريرك اثناسيوس علمنا، وهذا الأخير هو الذي راجع النصوص العربية، وكانت البداية دائماً عسيرة في عملية النشر بصفة عامة.

وهكذا بدأ العمل، فأخذ البطريرك دباس يستعد لتحضير المؤلفات التي قام بترجمتها، والمخطوطات ومراجعتها واعدادها للطبع.

كنيسة في رومانيا
كنيسة في رومانيا

المنشورات العربية في سناغوف-بوخارست التي قام بها علمنا

1- الكتاب المقدس بكامله 1700

2- كتاب “الليتورجيكون” أو “القدسات الثلاثة الالهية” (قنداق الكاهن) وهو خدمة القداس الالهي للآباء القديسين باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم ويعقوب الرسول طبع سنة 1701 وقد طبع بالعربية واليونانية ليصل الى اكبر عدد من رجال الاكليروس الارثوذكسي.

3- كتاب “اورلوجيون” اي السواعي سنة 1702 باللغتين العربية واليونانية وهذا الكتاب طبع حسب النص الذي راجعه البطريرك افتيموس كرمة واعاد مراجعته علمنا البطريرك اثناسيوس الرابع من هنا كان حرص البطريرك دباس على الدفاع عن الايمان القويم واستقامة النعليم من كل تحريف والحفاظ على استقلالية كنيسته، من كل تدخل غربي في شؤونها فكان أن توجه الى اخواته الارثوذكس برومانيا لطبع كتبه وانقاذها من التشويه والتحريف. لاسيما وان مجمع انتشار الايمان في روما رفض طبعه باشتراط مراجعة هذا الكتاب وفق النص اللاتيني قبل طبعه واعتراف البطريرك بالايمان الكاثوليكي، ويذكر أثناسيوس انه يهدي كتابه الى حاكم بلاد الفلاخ.

كتاب الانجيل الشريف باكورة المطبعة وقد اوقفه على كنيسة السيدة في دير عطية سنة 1720 مذيلة بامضاء البطريرك اثناسيوس الرابع وخاتمه
كتاب الانجيل الشريف باكورة المطبعة وقد اوقفه على كنيسة السيدة في دير عطية سنة 1720 مذيلة بامضاء البطريرك اثناسيوس الرابع وخاتمه

4- كتاب “تاريخ بطاركة انطاكية” طبع في بوخارست سنة 1702 كتبه باللغة العربية ثم ترجمه الى اللغة اليونانية العامية، وقد ترجم الى اللغة الرومانية من اجل الأمير يوحنا برانكوفيانو

تكمن اهمية مطبعة سناغوف – بوخارست في انها مهدت الطريق للارثوذكس الأنطاكيين لاقامة مشاريع مماثلة ببلدهم فالدعم المادي والفني من رومانيا مؤمن بالاضافة الى نجاح ورواج منشوراتها لدى ابناء الكرسي الانطاكي واكتساب البطريرك اثناسيوس للخبرة الفنية الكافية علاوة على تحمسه للمطبعة. كل ذلك قد اسهم في القيام بأول تجربة في بلاد الشام تتمثل في تأسيس مطبعة بأحرف عربية في مدينة حلب.

توقفت مطبعة سناغوف-بوخارست بسبب سفر البطريرك اثناسيوس الرابع الى قبرص وتعيينه رئيساً لأساقفتها سنة 1705

ولما عاد الى حلب نقل معه آلات مطبعة جديدة الصنع اهداه اياها الامير يوحنا الى جانب مجموعة مهمة من المخطوطات اودعها مكتبات كنائسه وتابع تأليفه واصدار كتبه.

مطبعة حلب

تأسيس المطبعة والمؤسس

تتفق المصادر التاريخية المحلية والانطاكية والارثوذكسية العالمية والمؤرخون …على ان مؤسس اول مطبعة عربية في سورية الكبرى والمشرق هو علمنا البطريرك اثناسيوس الرابع الذي ذُكر في اهم مصدر أصلي، وهو الكتاب الأول الذي طُبع في مدينة حلب (الكتاب المقدس) سنة 1706، متحدثاً عن دوره في طباعة هذا السفر المقدس:” فشرعت حيئذ بطبعه بعد أن ترجمته عن اللغة اليونانية بوضعه جملة فجملة وأصلحت اعرابه لفظة فلفظة”(19). يتبين من هذه الفقرة أن بطريرك أنطاكية أشرف على طبع الكتاب، وأنه سخر كل خبرته التي اكتسبها في سناغوف ببوخارست من أجل تصوير مطبعة حلب الجديدة.

في العام 1706 بدأت المطبعة بالعمل في “دار البطريركية” بحلب(20) يقول علمنا:” انه عمل مع مجموعة من الأشخاص حيث أن الله وفقنا الى عمل طبع الحرف العربي”.

ونجد ذكراً للشخص نفسه في مقدمة آخر كتاب تصدره المطبعة:

“كير أثناسيوس البطريرك الأنطاكي الأفخم والهمام النبيل المعظم لما باشر مشارفة طبع هذا الكتاب الجلي المعاني الواضح المباني”.(21)

الصفحة الاولى من كتاب صلاح الحكيم وفساد العالم الذميم الجزء الثالث
الصفحة الاولى من كتاب صلاح الحكيم وفساد العالم الذميم الجزء الثالث

نبذة في اصدارات مطبعة حلب الدباسية

1- كتاب ” الانجيل الشريف الطاهر والمصباح المنير الطاهر”طباعة سنة 1706

2 و3- كتاب “الزبور الالهي” المعروف بكتاب المزامير طبعه عام 1706 وهو تعريب الشماس عبد الله بن الفضل الأنطاكي المطران، جدد طبعه 1709 في المطبعة الدباسية وأعيد طبعه في لندن سنة 1725.

4و5- كتاب ” الدر المنتخب من مقالات القديس يوحنا فم الذهب” عربه عام 1700 وطبعه سنة 1707 اعاد الارشمندريت غفرئيل شاتيلا الدمشقي طبعه في مطبعة المعارف في بيروت سنة 1872

6- طبعة جديدة من الكتاب المقدس مع تفسيرات لقراءات الآحاد والأعياد سنة 1707

7- كتاب “النبؤات الشريف” طبع في سنة 1708 وهو كتاب معروف في الكنيسة اليونانية(22).

8- “فصول من الانجيل المقدس”، لكل أعياد السنة، وفي آخر كل فصل تفاسير. طبع في سنة 1708.

9- كتاب “الرسائل”، طبع سنة 1711.

10- كتاب “مواعظ البطريرك اثناسيوس الأورشليمي (1460-1464).

11- كتاب” الباراكليتيكي” اي “المعزي” وهو من الكتب الطقسية اليونانية المعروفة اعاد النظر في تعريبه قبل طبعه في سنة 1711.

12- كتاب”سلك الدرّ النظيم في سر التوبة والاعتراف القويم” طبع في سنة 1711.

البطريرك اثناسيوس الرابع وضع مؤلفات وترجمات تاريخية وعقائدية ودفاعية وروحية وكتب ونشر مقالات لآباء الكنيسة وبطاركتها من أجل توعية الشعب الأرثوذكسي.

المؤلفات التي وضعها البطريرك اثناسيوس الرابع

1- “تاريخ بطاركة أنطاكية”

وضعه البطريرك اثناسيوس في نهاية القرن السابع عشرويمتد من عهد بطرس الرسول الى ايامه، كتبه اولاً باللغة العربية ثم نقله الى اللغة اليونانية. وتم ذلك على الارجح عام 1702 وقد اهداه في حزيران من العام نفسها الى الامير برانكوفيانو اثناء زيارته الى رومانيا.

في مقدمة الكتاب يقول:”خلال اقامتنا لدى سموّكم في بوخارست المحروسة بالله…ترجمنا هذا العمل من اللغة العربية الى اليونانية الدارجة، تاريخ بطريركي كهذا ترجمناه بمباركة الله…” وقد اعتمد التاريخ الارثوذكسي الخاص ببطريرك الاسكندرية الطبيب والمؤرخ الارثوذكسي أفتيخيوس وهو سعيد بن البطريق وابن اخته يحي ابن السعيد الانطاكي، وكذلك الاعمال التاريخية الخاصة بالبطريرك مكاريوس ابن الزعيم  وابنه بولس. كذلك اعتمد على العديد من المؤلفين والمؤرخين الكنسيين كمصادر له مثل اوسابيوس القيصري(265-340)م وسقراط سكولاستيكوس القسطنطيني (380-450)م صاحب كتاب ” التاريخ الكنسي” وثيوذوريتوس اسقف قورش (423-460)م والمؤرخون البيزنطيون ثيوفانس القرن الثامن…

2- “سلك الدر النظيم في سر التوبة والاعتراف القويم” واحياناً يدعوه رسالة وجيزة توضح كيفية التوبة والاعتراف وفيما يلزم المعترف والمعرف. طبعه في حلب عام 1711م.

وكانت غايته من تأليفه هذا الكتاب بالاضافة الى شرح سر التوبة والاعتراف، تثبيت الأرثوذكسية لاتدعو الى الاعتراف.

حيث كانت قد رسخت العادة منذ بدء التبشير اللاتيني في صفوف الارثوذكسيين دعوة المؤمنين الأرثوذكسيين للاعتراف عند كاهن كاثوليكي. وقد زرع المبشرون هذه الفكرة فيهم لدرجة الاعتقاد ان الكنيسة الارثوذكسية لاتقول بسر التوبة ولاتدعو المؤمنين الى الاسترشاد او الى الاعتراف. من جهة ثانية كانت جلسة الاعتراف بالنسبة لهؤلاء المبشرين فرصة ذهبية لايصال الدعوة اللاتينية الى المؤمنين الارثوذكسيين.

في ارشيف “مجمع انتشار الايمان” في روما عدد كبير من الرسائل والتقارير كتبها مبشرون لاتينيون تتحدث عن تحول اكليريكيين ارثوذكسيين الى الكاثوليكية اثر اعترافهم عند كاهن كاثوليكي. وقد واجه علمنا البطريرك اثناسيوس هذا الموقف وهو على فراش الموت.

3- “مواعظ آحاد وأعياد السنة” اصدرها بمنشور في تموز من العام 1716 وكان قد ترجمها وجمعها في كتاب ليستخدمها الكهنة والوعاظ ليستفيد منها ابناء الكنيسة.

4- سيرة القديس خريستوذولوس

5- “قوانين خاصة بالأسرار”

الترجمات التي قام بها البطريرك اثناسيوس الرابع

1- في القانون الكنسي ويمكن القول بحق انه صاحب أهم مجموعة قانونية باللغة العربية منها آ- “تاريخ المجامع”ب- “اعمال مجامع نيقيا وسرديكيا والقسطنطينية”ج- ” اعمال المجمع المسكوني الثالث في افسس 431م” د- ” اعمال المجمع المسكوني الرابع في خلقيدونية م451″

2- الأدب الآبائي

…والكثير الكثير من الانتاج اللاهوتي والتاريخي والطقسي

الخاتمة…

يدل هذا على دور هذا البطريرك العظيم الذي اشرف على طباعة الكتب المقدسة الارثوذكسية بالعربية وبعضها بالعربية واليونانية لمنفعة كل الاكليروس الأنطاكي وفي كل الأبرشيات وهو الذي انشأ مطبعة حلب وطبع بها من سنة 1606 الى حين توقفها سنة 1711، اي انه واكب كل مراحل هذه المطبعة التي بدأها في رومانيا عندما سافر اليها  عام 1700وطلب مساعدة اميرها لفائدة الكرسي الانطاكي المقدس وبالتالي الكرسي الاورشليمي فلم يبق مكتوف الأيدي بعد توقف مطبعة بوخارست العربية في سنة 1702 عن العمل، اذ سعى منذ عودته الى حلب بعد سنتين من ذلك الى تأسيس مطبعة، وتمكن من الحصول على مساعدة مادية مهمة من حاكم الفلاخ فالاشي لتنفيذ مشروعه

ان الدعم الذي قدمه هذا الحاكم لتأسيس المطبعة، لاينفي  دور البطريرك أثناسيوس الرابع في صناعة هذا المشروع، فهو مؤسس مطبعة حلب ومديرها.

كان البطريرك اثناسيوس الرابع دباس الدمشقي رجل انفتاح وعلم وقداسة. جعل الكتاب المقدس والكتب اللاهوتية المختلفة خبزه اليومي استقى منها بشغف، فكَّونَ ثقافة لاهوتية مميزة، مما جعله قدوة للمؤمنين في ثباته على استقامة الرأي والعقيدة الارثوذكسية.

تكمن اهمية هذا العَلَمْ الارثوذكسي الانطاكي الكبير من جمعه لصفات كثيرة في شخص واحد، قداسة السيرة، اللاهوت، الاطلاع على علوم العصر، الجرأة في مواجهة البدع والانحرافات ودفاعه عن الارثوذكسية في مواجهة الغزو التبشيري الكاثوليكي، الموسيقى البيزنطية والتأليف الطقوسي، وتعريب وتأليف الكتب الدينية والعقائدية، واهتمامه بفن كتابة الايقونات البيزنطية، والحوار مع غير المسيحيين بجرأة قل نظيرها في زمن الانحطاط…

حواشي البحث

(1) اثناسيوس الثاني عند: دباس، انطوان/ ورشو، نخلة بكتابهما “تاريخ الطباعة العربية في المشرق” وقد خالفا  في الترتيب د. رستم، اسد في كتابه” تاريخ انطاكية…”، وخير الله، امين ظاهر بكتاب ” الأرج الزاكي في تهاني البطريرك الانطاكي” ونحن بكتابنا ” زيارة البطريرك اغناطيوس الرابع الى انطاكية وكيليكية والاسكندرون1992″د.جوزيف زيتون طباعة دمشق 1994  وينسحب ذلك على علمنا هنا.

(2)بريك/ الخوري ميخائيل:”الحقائق الوفية في تاريخ الكنيسة الانطاكية”- ظاهر خير الله / امين:” الأرج الزاكي في تهاني غبطة البطريرك الانطاكي ملاتيوس…”لم يتعرض انطون قيصر دباس ونخلة رشو الى النزاع في حلب مع ملاتيوس ولامع اغناطيوس في دمشق بكتابهما:”تاريخ الطباعة العربية في المشرق” ولم يذكرا اسقاطه من مجمع رأس بعلبك من السلسلة البطريركية.

(3) دباس ورشو” تاريخ الطباعة العربية في المشرق.

 (4) كان محظورا على المسيحيين المحليين ورئاساتهم الروحية فتح الكتاتيب والتعليم خارج دور الكنائس… فقط وبمساعي دبلوماسية  من سفراء وقناصل فرنسا والنمسا سمحت السلطات العثمانية للرهبنات الغربية الوافدة كاليسوعيين والفرنسيسكانيين والبيزنسون و…الخ بفتح مدارس ومن ذلك الاذن بفتح الجامعة اليسوعية… وكذلك الحال سمح للارساليات البروتستانتية الواردة من بريطانيا وايرلندا واسكوتلندا والمانيا واميركا بفتح مدارس ومنها الكلية السورية الانجيلية (الجامعة الاميركية) وهذا ماساهم في اعتناق الكثلكة والبروتستانتية بقوة في ارجاء الكرسيين الانطاكي والاورشليمي الارثوذكسيين وقلب عقيدة مدن وبلدات وقرى بأكملها خلال القرون المنصرمة من الارثوذكسية الى الكثلكة ونشوء طوائف كاثوليكية من كنائسها الام.

(5)الاسكيم هو الثوب الرهباني أو ماجُعلَ منه على الرأس.

(6) انظره هنا في موقعنا في باب آثارنا المسيحية وقد ترهب في هذا الدير القديس يوحنا الدمشقي في القرن الثامن المسيحي

(7) في الكنيسة الارثوذكسية ثلاث درجات للكهنوت المقدس هي الشموسية والقسوسية والاسقفية، وان كل رئيس كهنة او الاسقف هو كاهن كل الرعية وكل مذبح، وان مانسميه “الخوري” هو ذاته القس الذي ينتدبه الأسقف لرعاية جماعة محددة من الرعية. مع توضيح هو ان الخوري وقبل ان يتم تسليمه الحُجْرْ من الاسقف (والحُجرهو القطعة القماشية المربعة المتدلية  على جانب الكاهن الايمن كالسيف) يُدعى قساً اي لم ينل بعد سلطة الحل بموجب سر الاعتراف، وغيرمسموح له سماع اعتراف المؤمنين ومن ثم منحهم سلطة الحل، ولايمنح عادة  هذا الحُجْرْ للقس الا بعد فترة زمنية.

(8)يُعطى الأسقف الارثوذكسي عند رسامته سلطة مثلثة:1-اقامة الأسرار2-التعليم 3-الادارة والتوجيه.

(9)بريك، ميخائيل (الخوري) تاريخ بطاركة انطاكية.

(10) دباس،انطوان قيصر ورشو، نخلة”تاريخ الطباعة العربية في المشرق” وقد انفردا بأن سلبسترس القبرصي ابن شقيقة البطريرك اثناسيوس الرابع، لم يذكر ذلك د. رستم بكتابه تاريخ انطاكية، وخير الله، أمين بكتابه الارج الزاكي في تهاني البطريرك الأنطاكي.

(11)بابادوبولس، خريسوستموس تاريخ كنيسة انطاكية ص786 تعريب الاسقف استفانوس حداد.

(12)الفلاخ والبغدان: رومانيا حالياً، كانت إمارة في اوربة، تقع جنوبي شرقي البحر الأسود بين اوكرانيا ومولدافيا وبلغاريا وصربيا والمجر، عاصمتها بوخارست تحررت من العثمانيين عام 1878 وتبنت النظام الملكي حتى اعلان الجمهورية عام 1947. كانت قبلا تعرف بالفلاخ والبغدان على اسم الجبال التي احتلتها قبائل داق سكان البلاد القديمة  وعرفها مؤرخو العرب مثل ابي الفداء والقلقشندي وغيرهم باسم اولاق ومن ذلك اتت تسمية فلاخ. اما البغدان فسميت باسم احد زعماء قبائلها القديمة ومعناها بلغتهم “هبة الله”. واسرة بغدان التي تعيش في بلدة عربين بريف دمشق وهي من العائلات الارثوذكسية الكبيرة في هذه البلدة وهي قد اتت من تلك المنطقة، ومنهم اسرة بوغدانوف في روسيا.

وكانت بوخارست عاصمة البغدان الصيفية وطرغشتا عاصمتها الشرقية. انظر مجلة النعمة البطريركية، حزيران 1911 دمشق، السنة الثالثة، الجزء الأول، ص 44-45

(13) كانديا، فرجيل، “موجز عن تاريخ رومانيا” عربته ايلينا جوركان تشوفو طباعة دار النشر – ميريدياني بوخارست 1977

(14) ادلبي، ناوفيطوس (المطران)، اساقفة الروم الملكيين بحلب، ص 115

(15) كتاب الاورولوجيون، سناغوف-بوخارست 1702

(16) مقدمة كتاب الليتورجيكون، سناغوف – بوخارست 1701.

(17)النعمة، حزيران 1911، ايضا دباس، أثناسيوس (البطريرك)، تاريخ بطاركة انطاكية.

(18) كتاب الأورولوجيون، سناغوف – بوخارست 1702

(19) كتاب الانجيل المقدس، حلب، 1706،ص2

(20) كانت دار مطرانية حلب الارثوذكسية في حارة ابو عجور مكان دار باسيل الأنطاكي، وكانت فيها المطبعة الأرثوذكسية التي أنشأها البطريرك اثناسيوس دباس، وكانت تسمى الدار البطريركية بسبب اقامة علمنا وهو بطريرك فيها مدة 40 سنة تقريباً. انتقلت اوائل القرن التاسع عشر الى مكانها الحالي في حي الجديدة في الصليبية بعد ان احترقت ورممت سنة 1859. مجلة النعمة تشرين الثاني 1910الجزء الثالث السنة الثانية ص 407.

(21) كتاب المواعظ، حلب، 1711، ص2

(22) شيخو، لويس (الأب)، تاريخ فن الطباعة في المشرق، ص34.

المراجع 

– د. اسد رستم، تاريخ كنيسة مدينة الله انطاكية العظمى

– خريسوستموس ببادوبولس تعريب الاسقف استفانوس حداد، تاريخ كنيسة أنطاكية، منشورات النور، 1984

– غطاس قندلفت تاريخ البطاركة الانطاكيين، المنار 1899

– الحقائق الوفية في تاريخ الكنيسة الانطاكية

– امين ظاهر خير الله، الأرج الزاكي في تهاني غبطة البطريرك الانطاكي السيد ملاتيوس، طبع المطبعة العثمانية، بعبدا سنة 1899

– انطوان قيصر دباس ،نخلة رشو، تاريخ الطباعة العربية في المشرق/ البطريرك أثناسيوس الثالث دباس(1685-1724) طباعة دار النهار بيروت 2008 

– الاب لويس شيخو اليسوعي، تاريخ فن الطباعة في المشرق

– مجلة النعمة البطريركية دمشق 1910 و1911

– المطران ناوفيطوس ادلبي، اساقفة الروم الكاثوليك بحلب.