البطريرك الانطاكي مكاريوس بن الزعيم

البطريرك الانطاكي مكاريوس بن الزعيم

.

 البطريرك الانطاكي مكاريوس بن الزعيم

هو يوحنا بن الخوري بولس بن الخوري عبد المسيح الملقب بالبروطس أي “الزعيم” من قرية

كفربهم (1) في 12 تموز 1672  وكفربهم من البلدات المشهورة بالانتماء الارثوذكسي المكين.

نشأ في اسرة كهنوتية تتوارث نعمة الكهنوت فوالده هو الخوري بولس المشهور بورعه وتقواه، فترعرع على التقوى وحب المعارف متثقفا على يد والده الخوري بولس ذي السيرة الصالحة. فعاش عيشة فاضلة، وتعلم حرفة والده الحياكة ومارسها وبرع فيها منذ صغره.

في حلب

وكان الخوري بولس والد علمنا يوحنا ابن الزعيم قد هاجر من بلدته كفربهم إلى  حلب في مطلع  القرن السادس عشر مع من هاجر اليها من رعية كفربهم في زمن  السلطان العثماني سليم الاول.

وصار كاهنا فيها وهو المشهور في حلب بتقواه وسيرته الصالحة.

وكان الحلبيون مشربين حب والده الخوري بولس عارفين قدر خدمته لكنيستهم الارثوذكسية  فأجمعوا على انتخاب  ابنه علمنا  لخدمتهم الروحية، فرسم شماسا وقسيساً (كاهناً) وتولى خدمة رعية حلب الارثوذكسية بغيرة  وجهاد.

ولما رُسم البطريرك افتيموس كرمة الحموي مطراناً على حلب باسم (ملاتيوس) سنة 1612 اتصل علمنا حكماً بخدمته واتقن على يديه اللغتين اليونانية والسريانية اضافته الى اجادته للعربية التي كان قد نهلها عن والده المرحوم الخوري بولس الزعيم.

انكب علمنا الخوري يوحنا على تعريب الكتب  التي كان معلمه المطران ملاتيوس كرمة قد اهتم بها واولاه تعريبها لثقته به، وكان علمنا كثير الجلد على المطالعة والنسخ متوسط الخط. وكثيراً ماكان استاذه المطران ملاتيوس يوكل اليه مراقبة اداء النساخ في المقابلة والمراجعة والنسخ.

ولع علمنا الخوري يوحنا بجمع الكتب ومطالعتها واستنساخ او نسخ مالم يتمكن من ابتياعه منها الى ان جمع مكتبة مفيدة حافلة بنفائس المخطوطات. وكان لمعلمه المطران ملاتيوس كرمة مكتبة غنية جداً(2)، فانكب علمنا على مطالعة مخطوطاتها ، واحرز نصيباً وافراً من الآداب والتاريخ والعلوم الدينية.

وكان من زملائه في النسخ والدرس الخوري ملاتيوس الصاقزي المصور(3)( الذي صار بطريركاً خلفاً لاستاذه البطريرك ملاتيوس كرمة) والمؤرخ الشهير الخوري ميخائيل بريك الدمشقي(4)، والقس يوسف المصور الحلبي المشهور بمعرباته(5) والياس بن مسرة بن الحاج سعادة القارىء المشهور ببمعرباته ومنسوخاته وثلجة بن الخوري حوران كرمة شقيق معلمه البطريرك افتيموس الثالث(6) كرمة المشهور بخطه الفائق الجمال.

البطريرك الانطاكي مكاريوس بن الزعيم
البطريرك الانطاكي مكاريوس بن الزعيم

رزق علمنا الخوري يوحنا بولد اسماه بولس سماه بولس باسم والده الخوري بولس المتوفي حسب عادة التسميات في تلك الايام (ولاتزال الى اليوم) هذه العادة التي كانت تدل على النسبة او الكنية عند غموض شيء منها، لكن لم يطل العهد على هذا الطفل حتى يُتم بفقد والدته فانقطع ابوه علمنا الى تربيته، فترعرع الطفل بولس على مبادىء ابيه الخوري يوحنا الصالحة ورغب كأبيه في العلوم والمعارف وتفوق باتقان الخط على معلمه ثلجة كرمة المشار اليه اعلاه ومال منذ صغره الى حب التاريخ وتدوينه والتأريخ.

فكان علمنا الخوري يوحنا مع مامني به من فقد زوجته وتيتُمْ طفله بولس صبوراً غيوراً على رعيته مثابراً على المطالعة والنسخ والتأليف لايشغله عن إتمام واجباته شاغل، كبير الهمة، كثير البحث  فزاد مكتبته الكبيرة كثيراً من المخطوطات العربية واليونانية والعثمانية والسريانية وهي اللغات التي كان يعرفها، ثم مال الى التنسك فقصد دير القديس سابا في غور الاردن قرب اورشليم(7)، وصرف فيه راهباً سنوات كان فيها رمز الفضيلة والتقى.

مطرانيته على حلب

ولما كان كرسي حلب قد فرغ لانتخاب اسقفه ملاتيوس بطريركا سنة 1634م وانتقاله بطريركاً الى دمشق باسم افتيموس الثالث، استُقدم علمنا من دير القديس سابا واسندت اليه النيابة الاسقفية فقام بها خير قيام واجمع الرأي على انتخابه خلفا لأستاذه مطراناً على حلب، وكان سرور الشعب الارثوذكسي الحلبي عارماً بهذا الاختيار لمناقبيته وورعه وحسن تدبيره وانه خير خلف لخير سلف وسائر على خطى معلمه ملاتيوس كرمة.

ولكن حال دون التعجيل انشغال المجمع الانطاكي بموت البطريرك افتيموس المفاجىء بعد ثمانية اشهر فقط من  تنصيبه بطريركاً، وانتخاب خلف له هو زميل علمنا الخوري ملاتيوس الصاقزي باسم افتيموس.

وماكاد يستقر المقام بالبطريرك الجديد افتيموس الصاقزي في دار البطريركية بدمشق حتى استقدم اليه علمنا الخوري يوحنا الزعيم هذا يوم عيد الصليب، فجاءها مع قافلة حلبية كبيرة يصحبه كهنة  ووجهاء واراخنة الشعب الارثوذكسي الحلبي ومن عموم ابرشية حلب وتوابعها، ورسمه البطريرك الصاقزي يوم الاحد27 تشرين الاول 7143 لآدم الموافق 1635مسيحية شرقي مطراناً على ابرشية حلب وتوابعها وتنصيبه في الكاتدرائية المريمية بدمشق عملاً بوصية معلمه البطريرك افتيموس كرمة، وباحتفال عظيم على ماروى الارشيدياكون بولس ابن علمنا في ( رحلة والده الى روسيا) وقد سماه البطريرك افتيموس الصاقزي الذي كان يحبه كثراً باسم معلمهما المشترك ملاتيوس كرمة الحموي.

واتماماً لوصية البطريرك كرمة جعله البطريرك الصاقزي كاثوليكاً(8) مشرفاً على جمع واردات كرسيه البطريركي (انوريته)، واقامه وكيلاً وناظراً(9) على بلاد آمد (10) وانطاكية  ونواحيها التي هي كرسي البطريركية الاساس(11) والتابعة الى البطريرك بدمشق، وأذن له بالتقديس فيها.

وقد رافقه البطريرك الصاقزي (لمحبته الشديدة لرفيقه ملاتيوس الزعيم) الى حلب وسط استقبال مشهود، وقد سر الشعب براعيهم الجديد الذي عاشوه كاهناً ثم وكيلاً اسقفياً… الذي كان لا يوفر جهدا في تعزيز شؤونهم وحفظ حقوقهم فنمت الطائفة الارثوذكسية  في أيامه نمواً كبيراً مشهوداً وتعززت مكانتها. وكان وجوده تتمة لمشاريع سلفه ومعلمه البطريرك افتيموس كرمة.

وفي السنة السابعة من اسقفيته على حلب السنة 1642م سار الى القدس الشريف مع ستين نفراً من حلب بين كهنة وشمامسة ورافقه ولده بولس تبركاً بزيارة الاماكن المقدسة عن طريق دمشق وحضرا الفصح المجيد في اورشليم، وهناك زارا  بالتالي دير القديس سابا الرهباني مكان تنسكه ولبثا فيه يومين، ثم عادا الى دمشق يوم الخميس بعد احد توما، وفي يوم أحد السامرية رسم ولده بولس شماساً اناغنوسطاً (مبتدئاً) في مريمية الشام بحفلة روحية بديعة بحضور البطريرك الصاقزي، والقى عظة انعشت النفوس.

ولما زار البطريرك افتيموس الصاقزي حلب اقنع المطران ملاتيوس بأن يزوج ولده الشماس بولس فاحتفل باكليله يوم احد الابن الشاطر في 17 شباط 1644 وكان اذ ذاك ابن 17 سنة فقط… وكان للمطران ملاتيوس وولده الشماس بولس الفضل الاكبر في جمع الكتب وضم ماهو نادر منها مماكانا يبتاعانه من اسواق مخطوطات حلب الشهيرة بمكتباتها وماتحويه من نفائس المخطوطات، ومما كانا ينسخانه بيديهما او يستنسخانه بالأجرة الى مكتبة دار مطرانية حلب الارثوذكسية التي كانت غنية بمخطوطاتها العربية واليونانية والسريانية والفارسية التي كانت ماقبل المطران كرمة ومما ابقاه فيها عندما نقل معظم مكتبته الى دمشق.

وقد كان يدأب وولده الشماس بولس بخدمة الانفس بغيرة كبيرة ومع ماكان يتهدد الرعية الارثوذكسية الحلبية من انقسام قبل ذلك بسنوات بفعل التبشير اللاتيني المنظم والمدعوم من القناصل الاجانب والولاة العثمانيين مماكانوا يتقاضونه من رشاوي لتسهيل هذا الاقتناص، ولاسيما ماكان قد المَّ بالارثوذكسيين من الخسائر الفادحة من جراء ذلك والتصدي له حتى تراكمت الديون الباهظة على الكرسي الانطاكي برمته والمطرانيات وتحديداً مطرانية حلب مستوطن التبشير اليسوعي و…المنتظم. ومع كل هذه الاعباء كان علمنا يدير اعمال كرسي مطرانيته وماكلفه به البطريرك الصاقزي في آمد وانطاكية بحكمة وافرة غير غافل عن مساندة البطريرك الصاقزي ايضاً بآرائه وامداده بالمال.

وهكذا في عهده نمت الارثوذكسية في حلب وارتفع شأن رعيتها وتعلقت بحب علمنا وولده الشماس وعرفت قدرهما واتعابهما في الخدمة… وكان لعلمنا نفوذ كبير في الولاية فلهذا كان يقضي مشاكل الجميع بحمية نادرة غير مدخر وسعاً في نصرة المظلومين…

 بطريركيته

البطريرك الانطاكي مكاريوس بن الزعيم
البطريرك الانطاكي مكاريوس بن الزعيم

في مطلع  سنة 1647م مني البطريرك افتيموس بداء عضال أقر الطبيب بعجزه عن شفائه،  فاجتمع الكهنة في الدار البطريركية بدمشق، ومسحوه بالزيت المقدس وصلوا من اجله، واستشاروه في من يوصي بأن يكون خليفته، فأجابهم  البطريرك افتيموس أنه لايجد أليق لهذا المنصب من مطران حلب يوحنا بن الزعيم، كما كان قد اوصاه قبلاً استاذه البطريرك كرمة سلفه.

فكان هذا  الترشيح بشرى خير للدمشقيين لحبهم لعلمنا فكتبوا للمطران يوحنا بن الزعيم كتاباً عاجلاً  بتوقيع البطريرك الصاقزي ليحضر الى دمشق، فاعتذر، فبادروه الكتابة مجدداً بنفس الشأن يستدعونه تحت طائلة الحرم بأمر البطريرك ان لم يحضر مطيعاً، فأجاب بالقبول وقام من فوره مع ولده الشماس قادميَّن الى دمشق، لما وصلا حماه واذ بالساعي يفاجئهما برسالة نعي البطريرك افتيموس وقد توفي ليلة 11تشرين الاول 1647م وهي مذيلة بأختام الكهنة ومشايخ دمشق، يلحون فيها بقدومه على جناح السرعة، وان يتخلص من طائلة الحرم بحضوره الى دمشق لتنفيذ وصية معلمه البطريرك كرمة التي القى عبئها على البطريرك الصاقزي المتوفي. فأسرع بالسير تفادياً لما قد يحدث من الشغب ان لم يحضر الى دمشق. فحضر واحضر معه ملاتيوس اسقف حماه وفيلوثاوس اسقف حمص لرسامته، كما اشار الدمشقيون والكهنة واراخنة الشعب، وبمرورهم في دير صيدنايا كان يواصف مطران قارة هناك فرافقهم الى دمشق فدخلوها صباحاً واستقبلهم غريغوريوس مطران حوران، فبإجماع الكلمة عليه قرروا رسامته بطريركاً فتأهب لذلك متضرعاً الى الله أن يوفقه الى خدمة الرعية والقيام بأعباء الرئاسة ومصالح الكرسي الأنطاكي والابرشيات كافة.

ولذلك احتفلوا في الكنيسة المريمية الكبرى في دمشق برسامته في 12 تشرين الثاني 7156 لآدم 1647م بحفلة شائقة لم يسبق لها مثيل في الحفلات التي تقدمتها لماكان لعلمنا من المنزلة السامية في القلوب  وسمي “مكاريوس” فألقى عظة بليغة بيَّن فيها عبء هذا المنصب الخطير الذي القي على عاتقه واستعانته بالاله القدوس ليخدم الرعية خدمة مخلصة فكان لكلامه تأثير عام في القلوب.

وقد شارك في رسامته وتنصيبه بالاضافة الى المطارنة المحكي عنهم 25 كاهناً وستة شمامسة.

الشماس بولس ارشيدياكوناً

في 21 تشرين الثاني 1647 رسم  مرافقه وربيبه الخوري ميخائيل القسيس بشارة الحلبي مطراناً على حلب خلفاً له، ورسم ولده الشماس بولس ارشيدياكوناً اي رئيس الشمامسة في الكرسي الانطاكي المقدس.

وشرع من لحظة تنصيبه في تعزيز شأن الكرسي الانطاكي المقدس والغيرة على ابنائه كافة.

 وكانت الديون قد بلغت مع فوائدها ونفقات مأتم سلفه وكلفة براءته البطريركية 13000غرش وكان قد أخذ في الاقتصاد ليفي هذه الديون  فلم يستطع ذلك، بل رهن التيجان الاربعة القديم والكبير والحلبي والاسلامبولي وبقية البدلات وآنية القداس الثمينة، ثم ارسل الرسائل والمنشورات الرعوية البطريركية الى جميع ابرشيات البطريركية الانطاكية اذ ذاك… الى أطراف العراق والاقطار الشاسعة وكانت كلها مفعمة بالنصائح والفضيلة واحترام الحكومة  وحفظ الدين وحب القريب…

تحديث المدرسة البطريركية الارثوذكسية الدمشقية ( الآسية)

وفي العام ذاته 1647م وايماناً منه بأهمية تطوير العلم لرفع شأن الرعية الارثوذكسية في ابرشيته البطريركية دمشق وذلك باعادة فتح المدرسة الارثوذكسية التي كان قد فتحها استاذه افتيموس كرمة عام 1634م ونقصد بذلك “المدرسة الآسية الارثوذكسية”، وهكذا شرع هذا الحبر وولده الارشيدياكون بولس في تعزيز شأن ابناء الرعية الدمشقية من خلال هذه المدرسة البطريركية لرفع منار الدين والعلم ولتهذيب الجيل الارثوذكسي الناشىء، وكان هو وولده يقومان فيها  بتعليم العربية واليونانية والدينيات، وجمعا ماكان لديه من الكتب المخطوطة في حلب الى مكتبة فخمة عززاها باستنساخ ونسخ المخطوطات والاشتغال بالنقل والتعريب فوصلا الليل بالنهار عملاً واجتهاداً فتحقق سعيهما وكان النجاح رفيعا لأول مدرسة في بلاد الشام هي مدرسة الآسية.

سفرته الاولى الى العالم المسيحي الارثوذكسي 1652-1659

وفي أوائل سنة (1652م) خرج لزيارة الابرشيات  فزار حمص  وحماه وانطاكية وحلب ومن هذه عزم على أن يقصد المسيحيين الارثوذكسيين في  اوربة الشرقية وروسيا ليجمع الحسنات لتسديد ديون الكرسي الأنطاكي التي ورثها عن سلفه، ولتعزيز شؤون الكنائس والمدارس…في كرسيه الانطاكي المقدس… كما فعل بعض اسلافه. وفي اواخر عام 1652 ترك حلب مع ولده الارشيدياكون وبعض الكهنة من الحاشية البطريركية فوصل  القسطنطينية ولبث فيها نحو شهرين ونصف فاحتفى باستقباله بطريركها بائيسيوس، وزار الجبل المقدس آثوس وبلغاريا والفلاخ والبغدان (رومانيا) وبولونيا وكان ماقطعوه من القسطنطينية الى البغدان أكثر من 300 ميل وتوفي معهم الخوري سليمان الزهر الدمشقي أحد رفقائهم ليل الثلاثاء في 25 نيسان 1655م ودفن في احد اديار الفلاخ ومرضوا جميعاً بسبب تفشي وباء في تلك البلاد…ومن البغدان ساروا الى بلاد القوقاز وقد رافقهم سبعة رؤساء اديرة من الفلاخ إلى بلاد المسكوب (روسيا) في اول صوم الرسل سنة 1655م ودخلوا بلاد القوقاز (اوكرانيا) بطرق مخيفة ثم دخل البطريرك مكاريوس وولده بولس ورجاله عاصمتها كييف، ومنها اتصل بحدود روسيا القديمة، ودخل عاصمتها موسكو سنة (1655م) وهناك جرى له استقبال حافل من ملكها ألكسيوس ميخائيل( ابن ميخائيل وهو اول ملك روسي من آل رومانوف وكان ابنه هو بطرس الأكبر اعظم القياصرة الروس وتوفي عام 1725) ونال لديه منزلة كبيرة وقبل الهدايا التي حملها البطريرك مكاريوس اليه واكرم مثواه، ولما اسر البطريرك للملك  عن حاجة الكرسي الانطاكي الى الاموال لاصلاج شؤونه وترقيه، امده الملك بالأموال وسر كثيرا بمساعي غبطته لإصلاح الكرسي الانطاكي وتسديد الديون، وكان ولده بولس يدون كل ما جرى لهم في هذه السفرة.

البطريرك مكاريوس بن الزعيم في بلاط الملك الروسي الكسيوس ميخائيل والبطريرك الروسي نيكون ورجال البلاط الروسي واعضاء المجمع الروسي المقدس سنة 1655
البطريرك مكاريوس بن الزعيم في بلاط الملك الروسي الكسيوس ميخائيل والبطريرك الروسي نيكون ورجال البلاط الروسي واعضاء المجمع الروسي المقدس سنة 1655

وبعد ان صادق علمنا ملكها وبطريركها السيد نيكون وكبار الاسرة المالكة ورجال الحكومة والاعيان وأقام هناك مدة كانت كافية لاشهار فضائله ومعرفتهم منزلة ولده الارشيدياكون بولس، استأذن بالعودة فأذن له الملك وودعه ورفته ومعه البطريرك الروسي والمجمع الروسي المقدس وكل الاعيان…كما كان الاستقبال بالحفاوة البالغة مثقلين بالاحسان والاكرام تصحبه بطانته البطريركية…فتركوا بكرش( بوخارست) عاصمة الفلاخ في 9 ايلول 1658 ويوم اثنين الباعوث دخلوا مرعش فكلس فحلب عشية الخميس 21 نيسان 1659   ثم جاء دمشق فاستقبل فيها استقبالاً رائعاً، وما ان استقر به المقام بعد الاستراحة من عناء هذه السفرة المتعبة حتى شرع في وفاء الديون المترتبة على الكرسي الانطاكي والمقر البطريركي بدمشق. وقد وفى القسم الاعظم من هذه الديون، وشرع في تحسين الكنائس وتزيينها وترقية المدرسة البطريركية الآسية وسواها ساعياً في خير الرعية ورفع شأنها ومقامها، دائباً وولده في نشر الفضيلة والورع والتقوى.

سفرته الثانية الى روسيا 1666-1669

 في عام 1666 دعاه القيصر الروسي الكسيس الى موسكو مع البطريركين الاسكندري والاورشليمي وبعض الاساقفة للنظر في موضوع البطريرك الروسي نيكون، فسار البطريرك مكاريوس ومعه البطريرك الاسكندري الى ارضروم  وانتقلوا منها الى بلاد الكرج (جورجيا) ومنها الى موسكو عن طريق استراخان.

ولما دخل البطريركان والوفد الكبير المرافق موسكو صادفوا استقبالاً بحفاوة عظيمة من الملك الكسيس والاسرة المالكة والمجمع الروسي المقدس والشعب الروسي المؤمن.

عقد البطريركان الانطاكي والاسكندري  وبطانتهما من الاساقفة ولفيف الاساقفة والكهنة الروس مجمعاً عرف باسم مجمع موسكو الكبير سنة 1667م ، وقرر هذا المجمع استقلال الكنيسة الروسية  ولكنه لم يرض بتدخلها في شؤون الدولة الروسية، وعزل البطريرك نيكون، وتثبيت ترجمة الكتب الطقسية التي ترجمها البطريرك نيكون المعزول، ومن أعماله في روسيا أنه أقنع القيصر الكسيس بناء على طلب البطريرك نيكون ان يلبس الاكليريكيون الروس قلنسوة بدون اطار في اعلاها مثل رهبان جبل آثوس المقدس.وعاد منها إلى دمشق.

في وفاة الارشيدياكون

توفي في بلاد الكرج (جورجيا) ودفن في العاصمة تفليس (تبليسي) كما تقول رسالته المؤرخة في 22 تموز 1669. في طريق العودة الى دمشق.

 عودته الى دمشق

عاد الى دمشق عام 1669 بعد غياب 3سنوات وكان يصادف حفاوة بالغة من الرعية الانطاكية  في كل مكان من الابرشيات الانطاكية الى أن وصل الى دمشق وكانت  اولى اعماله السعي في وفاء الديون التي على كرسيه فرَّصَّدَ بواقيها من الاحسانات التي جمعها في هذه السفرة وخلصه من عبئها الثقيل. وشرع بتزيين “كنيسة مريم” (الكاتدرائية المريمية) فجملها بالنقوش وأعدَّ لها اللوازم كالثريات والقناديل والكراسي الجدارية(12) ورمم دار البطريركية ووسعها وشيد فيها قاعة القاشاني محل القاعة الكبرى ومحل المكتبة بجانب كنيسة القديسة كاترينا(13) وسعى هذا الحبر العظيم بترميم الكنائس في انحاء الابرشية الدمشقية البطريركية، وتثقيف الكهنة وانشاء المدارس في الكنائس(14) حسب حاجة تلك الايام، ورقى المدرسة البطريركية ( الآسية التي اسسها معلمه البطريرك افتيموس كرمة عام 1635) رمم الكثير من الكنائس في أنحاء الأبرشيات وتثقيف الكهنة وإنشاء المدارس…

كان مواسياً للرعية والحزانى ومنصفاً وعاضداً للبسطاء والفقراء عاملاً في كرم الرب غيوراً عالماً ان من يضع يده على المحراث… لذلك كان يقول دائما “من يضع يده على المحراث لا يلتفت إلى الوراء” استناداً إلى قول السيد المسيح له المجد في  انجيل لوقا: “لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ يَصْلُحُ لِمَلَكُوتِ اللهِ” (لو 9: 62).

وفاته

“بقي مواصلا الاجتهاد في خدمة الرعية والتعريب والتأليف والجمع واحراز الكتب المخطوطة والآثار الأدبية إلى أن ظهر فريق من رعيته كان يناوئه بدسائس بعض ذوي الغايات وبينما هو يجبي العشور حسب عادته تواطأ عليه أناس من حارة الميدان في  دمشق وسمموه فبقي ليلتين يتقلب على فراش الألم ثم لبى دعوة بارئه يوم الاربعاءفي 12 حزيران سنة 7180 للعالم (1672م)  ودفن في تل العظام(15) كيواكيم جمعة وافتيموس كرمة وافتيموس الصاقزي ومدة بطريركيته 24 سنة و7 أشهر و7 ايام كما كان مكتوباً على قبريته الحجرية…”(16)

حواشي البحث

1) بلدة كفربهم وتلفظ كفربو وهي كلمة مركبة من كلمتين كلمة (كفر) بالآرامية وتعني (القرية) وكلمة (بهان) الفارسية وهي في عقائد الفرس القديمة  تعني ملاك موكل بكظم الغضب وتسكينه وموظف على الضأن والبقر، وموظف على الشمس…مركب من (ب) اي على، و(همه) اي الكل.

2) نقلها البطريرك كرمة معه الى دار البطريركية بدمشق حين تنصيبه بطريركاً وكانت مكتبة ضخمة اغنت المكتبة الاساس( كتابنا الآسية مسيرة قرن ونصف 1840-1990 –بطريركية انطاكية وسائر المشرق دمشق ايلول 1991)

3) البطريرك افتيموس الرابع (الصاقزي) 1635م

4) الخوري الدمشقي المؤرخ الشهير ميخائيل بريك ومن تأريخ” الحقائق الوفية في تاريخ بطاركة الكنيسة الانطاكية” انظره هنا في موقعنا باب اعلام كنسيون

5) عائلة المصور الحلبية الشهيرة ومدرستها في تصوير الايقونات انظرها هنا في موقعنا باب اعلام كنسيون

6) البطريرك افتيموس كرمه وثلجة كرمة انظرهما في موقعنا هنا باب اعلام كنسيون

7) انظر هذا الدير في باب (قديسون-  سيرة القديس يوحنا الدمشقي) في موقعنا وفي باب آثارنا المسيحية في موقعنا هنا ايضاً

8) كاثوليكوس او كاثوليك كلمة يونانية تعني الجامع ومنها كلمة الكاثوليكية التي  تعني الجامعة كما نقول في دستور الايمان و”…وبكنيسة واحدة (جامعة) مقدسة رسولية…”  او نائب عام، وعربت بكلمة (جاثليق المستخدمة في الكنيسة النسطورية) ومن هنا تسمية بطريرك جورجيا الارثوذكسية كاثوليكوس ومنذ ان كانت جورجيا تحت التبعية للكرسي الانطاكي المقدس. وتسمية كاثوليكوس الكنيسة الارمنية في اتشميازين…

9) اكسرخوس كلمة يونانية تعني المدبِّر

10) بلاد آمد اي ابرشية ديار بكر الانطاكية الارثوذكسية.

11) انظرهما في موقعنا  هنا- باب كنيسة انطاكية تدوينتينا:”تاريخ الكرسي الانطاكي” و”مختصر تاريخ الكرسي الانطاكي”

12) في الكنائس الارثوذكسية لاتوضع كراسي في الاصل فالصلاة تتم على الواقف مهما كان زمن الصلوات، الا من جداريات اي كراسي على الواقف في محيط جدران الكنيسة من الداخل طبعاً كما كراسي الجداريات في كنيسة الصليب المقدس بالقصاع والاديرة و… وهذا نهج رومي نلحظه في الكنيسة الارثوذكسية ذات النهج الرومي كما في كرسينا الانطاكي المقدس وقد ادخل البطريرك غريغوريوس الرابع الكراسي الى داخل المريمية عام 1912 لجلوس تلاميذ المدارس الارثوذكسية لأول مرة بعد ادخالها الى كنائس الطوائف المسيحية الاخرى ومطالبة الرعية والمجلس الملي بمثلها في المريمية ومنها انتشرت. ولكن لاكراسي جدارية اليوم  ومن الجدير ذكره ان الرجال والشباب يقفون في الكنيسة اما شعريات النساء فهي في الاعلى 

اما الكنائس  الارثوذكسية الاخرى الجورجية  والسلافية في روسيا وصربيا وبلغاريا و…فلا كراسي على الاطلاق في الكنائس وحتى الآن… ولا شعريات للنساء.

13) كانت قاعة القاشاني وهي محل القاعة الكبرى اي قاعة الرعية وكانت تقع في صدر (القسم الجنوبي من دار البطريركية حاليا هو جناح البطريرك وقد شيده البطريرك الكسندروس الثالث 1953)، اما محل المكتبة البطريركية وكان يتم فيها تعليم التلاميذ بجانب كنيسة القديسة كاترينا وكانت امطوش تابع لدير القديسة كاترينا في سيناء وتقع في الجناح الغربي من بناء البطريركية مع قاعة الشمامسة وهذه اعيد بناؤها من قبل البطريرك اغناطيوس الرابع في العقد الاخير من القرن 20 وفق الواقع الحالي.

14) كان محظوراً على المسيحيين افتتاح المدارس ( الكتاتيب) في العهد العثماني الا في داخل الكنائس تحت طائلة اقسى العقوبات التي تصل حد الاعدام. وقد تم تغيير ذلك بأمر قائد الحملة المصرية على بلاد الشام والي مصر محمد علي باشا في حملته على الدولة العثمانية وفيها حرر بلاد الشام (1831-1840) ومنح المساواة بين المسلمين والمسيحيين وسمح بفتح المدارس المسيحية خارج الكنائس واولها مدرسة الآسية البطريركية عام 1836 كما سمح ببناء الكنائس وباعادة ترميم الكنائس والاديرة وهذه كانت محظورة منذ دخول المسلمين الى بلاد الشام…اما المدارس التي فتحها اليسوعيون وبقية الرهبنات اللاتينية بدءا من القرن 18 فكانت لكون هذه الارساليات الرهبانية تحميها فرنسا والنمسا والفاتيكان بواسطة قناصلها النافذي الكلمة عند السلطان العثماني.(كتابنا الآسية مسيرة قرن ونصف 1840-1991)

15) تل العظام هي مقبرة القديس جاورجيوس الارثوذكسية شرق دمشق مقابل باب بولس وقد كانت تدعى تل العظام للدلالة على كونها مقبرة ماقبل تأسيس جمعية لدفن الموتى الارثوذكس باسم جمعية القديس جاورجيوس الارثوذكسية  لدفن الموتى عام 1888، وكان يُدفن بالمقام الذي على اسم القديس جاورجيوس البطاركة والمطارنة وكل الدمشقيين المسيحيين قبل ان يتم دفن البطاركة في مدفن البطاركة في الكاتدرائية المريمية منذ نقل المقر البطريركي من انطاكية عام 1344 الى دمشق ومن مشاهداتنا لمدفن البطاركة والضريح وعليه الشواهد الحجرية ان علمنا وسلفيه كرمة والصاقزي دفنوا في مدفن المريمية، ومن الجدير ذكره ان هذا المدفن الذي كان في فسحة المريمية لجهة الغرب قد نقله البطريرك اغناطيوس الرابع في العقد الاخير من القرن 20 حين ترميم المريمية الى شرق الكاتدرائية وتحت الهيكل من الخارج واحيط بحديقة جميلة وتم وضع للبطاركة الذين دفنوا به كل في  لحد  عبارة عن درج باسم البطريرك مع صورة وجهية للبطريرك من البرونز مع نبذة بسيطة عنه وقد تم دفن البطريرك اغناطيوس الرابع في لحده الذي هو من خصصه لذاته في 20 كانون الثاني 2011 

16) مجلة النعمة عيسى اسكندر المعلوف 1912

من مصادر البحث

  1.   جوزيف زيتون كتابنا ” الاسية مسيرة قرن ونصف 1840-1990″  دمشق ايلول 1991 بطريركية انطاكية وسائر المشرق للروم الارثوذكس.
  2.  عيسى اسكندر المعلوف النعمة عدد تموز 1912
  3. اسد رستم كنيسة انطاكية ج2 ص60