المعمودية الارثوذكسية التغطيس ثلاثاً...

المعمودية الأرثوذكسية وضرورة التغطيس ثلاثا كما في الكنيسة الأولى

المعمودية الأرثوذكسية وضرورة التغطيس ثلاثا كما في الكنيسة الأولى

1– يستوجب سرّ المعموديّة التّغطيس ثلاث مرّات. فقد ورد في قوانين الرسل القدّيسين، في مجموعة الشرع الكنسي، القانون 50: “أيّ أسقف أو كاهن لا يتمّم سرّ المعموديّة بثلاث غطسات، بل بغطسة واحدة لموت الرب، فليسقط، لأن الربّ لم يقل عمّدوا لِموتي، بل قال: “اذهبوا وتلمذوا كلّ الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت 28: 19)”. 
+++
2- لماذا التغطيس؟ ولماذا ثلاث مرّات؟
النّزول تحت الماء يرمز إلى موتنا مع المسيح، والصّعود من الماء يرمز إلى قيامتنا معه.
يقول بولس الرسول: “أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع اعتمدنا لموته فدُفِنّا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك في جدة الحياة. لأنه إن كنا متحدين معه بشبه موته، نصير أيضاً بقيامته”(رومية6: 3-5).
فنحن إذاً عندما ننزل تحت الماء نموت مع يسوع، ندفن الإنسان العتيق فينا، المجبول بالخطيئة، لنقوم معه متجددين بالروح القدس. نُدفن مع يسوع بنزولنا تحت الماء، ونقوم معه بخروجنا منه.
ونغطس ثلاثاً، رمزاً لدفن يسوع الثلاثي الأيام، وباسم الثالوث.
يقول القديس كيرلس الأورشليمي عن التغطيس: “المعمودية ليست تنقية من الخطايا ونعمة للتبني فقط، ولكن أيضاً صورة لآلام المسيح”. المعمودية هي موت أنانيتنا وكبريائنا، وهذا هو الموت “على شبه موت المسيح”. 
+++
3- أما فيما يتعلّق بترتيب ليتورجية سر المعمودية كما حدّدته الكنيسة الأولى، فنقرأ في كتاب الافخولوجي الكبير صفحة 289 ما يلي:
… يأخذ الكاهن الطفل من على يديّ عرّابه ويضبطه بيديه مستقيماً، موجَّهاً نحو الشرق، ويعمّده مغطّساً إيّاه كلّه في الماء قائلاً:
يُعَمَّد عبد الله (فلان) باسم الآب آمين، وينشله.
ثمّ يغطّسه مرّة ثانية قائلاً: والإبن آمين، وينشله.
ثمّ يغطّسه مرّة ثالثة قائلاً: والروح القدس، آمين. وينشله ويضعه على المنشفة التي على يديّ العرّاب…
* ويضيف الكتاب ملاحظة في هامش الصفحة عن السرعة الواجبة للقيام بالغطسات:
اعلم أنّه يجب على الكاهن ان يتمم هذه الغطسات الثلاث والنشلات الثلاث بقدر ما يمكن من السرعة. 
+++
4- شهادات من آباء الكنيسة بأن المعمودية كانت تتمم بالتغطيس في الكنيسة الأولى، وعن قوتها الشفائية نفسًا وجسدًا: 

أ- في رسالة برنابا (كُتِبَت بين 100 و 120) يقول: “ننزل في الماء مملوئين خطايا وأدناسًا، بيد أننا نخرج منه محمّلين ثمارًا…

ب- ترتليانوس (155-220) في كتابه عن المعمودية الذي كتبه عام 198م، يتكلم على بِركة “بيت حسدا” أنها كانت رمزًا للمعمودية، لكنّ هذه البِركة كانت تشفي جسديًّا وتُعطي خلاصًا وقتيًّا، أما المعمودية فأصبحت تشفي النفس وتعطي خلاصًا أبديًّا. “حين يُمحى الإثم يُمحى بالطبع العقاب أيضًا… حالما يُستدعى الله، ينزل الروح القدس من السماء ويحلّ عليها ويقدّسها بحضوره…”
ويتكلم أيضًا عن إتمام سرّ المعمودية، يقول: “قبل دخولنا بقليل في الماء، وفي حضور جماعة المؤمنين وتحت يد الأسقف أو الكاهن، نعترف بأننا ننكر الشيطان وكل خيلائه وملائكته. بعدها نُغَطّس ثلاث مرّات في المياه…

ج- القديس باسيليوس الكبير يقارن بين الخلاص الذي تمّ في البحر الأحمر وماء المعمودية، فيقول: “البحر هو رمز للمعمودية، قاد إلى خلاص الشعب من فرعون، بالطريقة ذاتها تخلص أنت من طغيان إبليس، في المعمودية. الشعب خرج من البحر سالمًا، ونحن أيضًأ نخرج من الماء كأحياء يخرجون من بين الأموات.

د- القديس يوحنا الذهبي الفم يقول: “عندما نغطّس رؤوسنا في الماء، يُدفَن إنساننا القديم في القبر أسفل، ويختفي اختفاءًا تامًّا. وعندما نرفعه يرتفع الإنسان الجديد مكانه. وكما يسهل علينا أن نُغطس ونرفع رؤوسنا ثانية، كذلك يسهل على الله أن يَدفن الإنسان القديم ويُبرِز الإنسان الجديد. وهذا يتمّ ثلاث مرّات لكي تعرفوا أن قدرة الآب والابن والروح القدس تتمم كلّ هذا. كما أنّ المعتمِد في الماء يقوم بسهولة لأن طبيعة الماء لا تشكّل عائقَأ أمام ذلك، هكذا قام المسيح بسهولة عُظمى بعد أن نزل إلى الموت، ولذلك يُسمّى موته معمودية. 

5- ممارسة سرّ المعمودية بالتّغطيس لم يكن يومًا مؤذٍ للإنسان، بل عكس ذلك تمامًا. كثيرًا ما قرأنا ونقرأ عن معجزات، من رؤى، وشفاءات، وإنقاذ من الموت للكثيرين بعد خروجهم من جرن المعمودية، نذكر منهم القصص التالية:

أ- هنا شهادة هائلة من الأب سمعان، ملحد سابق، وهو من مواليد ال”بيرو”. عندما كان صغيرًا، قالت له والدته: “عندما تكبر، سوف ترتدي ثيابًا سوداء، لست أدري ماهية هذه الثياب. سوف تعيش في مكانٍ ليس هو جزيرة إلّا أنّك لن تصل إليه إلّا بالقارب.”
كبُرَ ودرس وجال العالم. ذهب إلى باريس، وهناك التقى براهب أرثوذكسي تعرّف من خلاله إلى الأرثوذكسية. جاء إلى جبل آثوس وهنا اجترح الربّ أعجوبته! تعمّد، وأصبح راهبًا بإسم سمعان ، ومن ثم رُسمَ كاهنًا.
بعد سنوات ذهب إلى وطنه، بيرو، وهناك بشّر والدته وعمّدها في بحيرة. ثلاث مرات أمسك بها وغطّسها في الماء وانتشلها. بعد الغطسة الثالثة، وقفت أمّه بلا حراك، مرتدية قميصًا ناصعَ البياض. بقيت للحظات بلا حراك، من ثم أغمي عليها وسقطت على الأرض. فهرع إليه إخوته ظنًّا منهم أن شقيقهم الراهب قد أغرق والدتهم. لكنّ المرأة قامت وقالت لهم:
“بعد الغطسة الثالثة عندما وقفت، رأيتُ ضوءًا مثل البرق قد ملأ المكان، فيضٌ من نورٍ مشِعّ أحاط بي كرداءٍ منير ومضيء وملأني فرحًا جمًّا. تسلّل هذا النور إلى داخلي وملأني كلّيًّا، أغرقَني، غمرني وجعلني حاملةً للنور. “
كان ذلك الضوء قويًّا جدًّا، والشعور به كان قويًّا جدًّا لدرجة أنها لم تحتمله فأُغمي عليها.
لقد أخبرنا بهذه الحادثة الأب سمعان، المؤمن التقيّ، نفسه.
هذه هي المعجزات التي تحدث في سرّ المعمودية! 

ب- في 19 تشرين الأول عام 1829، في قرية تدعى “سورا” في مقاطعة “أرخانغيلسك” (أي رئيس الملائكة) في روسيا، وُلِدَ طفل ضعيف جدًّا. وخوفًا من أنّه لن يعيش، طلب والداه من الكاهن قبل طلوع الفجر أن يعمّده على الفور، وأسمياه يوحنا. لكن الطفل لم يمت بل عاش، وأصبح قدّيسًا في الكنيسة الأرثوذكسية وهو القديس “يوحنا كرونشتادت”. 

ج- في يوم من أيّام الآحاد وبعد نهاية القدّاس الإلهيّ إذا بسيّدة فقيرة تقدّمت وهي تحمل طفلاً صغيرًا، وطلبت منّي أن أعمّد لها الطفل لأنّه مريض وهي تخشى أن يموت دون أن ينال بَرَكة المعموديّة. كنت يومها حديث العهد بالكهنوت. نظرت إلى الطفل فإذا هو شبه ميت شاحب اللون، وعيناه مغمّضتان متورّمتان، ويتنفّس بصعوبة بالغة. والحقّ يقال إنّني خفت وخشيت أن أعمّده. فقلت للكاهن الآخر: “أنا لا أستطيع، فالطفل لا يحتمل، وأنا خائف”. فردّ عليّ الكاهن بتعجّب: “وهل ممكن أن يموت طفل أثناء المعموديّة؟ عمّده يا أخي ولا تخف فنعمة الله هي الفاعلة.”
صلّيت على الطفل مرغَمًا، وكنت في داخلي أصلّي لكي يمدّني الربّ بالقوّة والإيمان ويطرد عنّي الخوف.ثمّ أخذته من يد أمّه بحرص شديد، وأنزلته جرن المعموديّة وأنا أقول يعمّد عبد الله فلان… ثمّ غطّسته بسرعة في الماء المقدّس وانتشلته وأنا أقول لنفسي هل ما زال حيًّا؟ وإذ رأيته يشهق ويتنفّس فشكرت الله وتقوّيت أكثر. دهنته بالميرون المقدّس، ثمّ ناولته الأسرار الطاهرة بعد أن ألبسته ثياب المعموديّة، وأنا أنظر إلى هذا الطفل الذي بدا بعد المعموديّة منيرًا وقد زال الاصفرار عنه، وعاد طبيعيًّا.
ما إن انتهيت من المعموديّة حتّى وافاني الكاهن وهو يبتسم:
– لا بدّ أن يكون لنا، نحن الكهنة، إيمان عميق وقويّ بفاعليّة الأسرار المقدّسة. أليست المعموديّة قيامة؟ فنحن نُدفن للموت حتّى كما أقيم المسيح من الأموات نقوم نحن في الحياة الجديدة.
اسمع ما جرى معي ذات يوم: جاءني زوجان غنيّان يحملان طفلة حديثة الولادة يريدان أن يعمّداها، وفي هذه الأثناء، وبينما كنت أصلّي على المياه، وافت أرملة فقيرة تحمل طفلها، وطلبت منّي أن أعمّده، فقبلت طلبها. ولمّا خلعت المرأة الفقيرة ملابس ابنها إذا بجسمه مملوء دمامل، فتأفّفت الأمّ الغنيّة من المنظر، وقالت لي: “لا يمكن أن أعمّد ابنتي مع هذا الطفل، لئلا يصيبها هذا المرض”. حاولت إقناعها أنّ للأسرار المقدّسة قوّة إلهيّة فائقة، فلم تقتنع، وأصرّت أن تُغطَّس ابنتها أوّلاً في جرن المعموديّة. وهكذا كان إذ عمّدت البنت أوّلاً ثمّ الولد الفقير، وأنا أتأسّف في داخلي على قلّة الإيمان والنظرة المادّيّة للأسرار.
وفي الأسبوع التالي حضرت الأرملة مع طفلها وقد تعافى تمامًا، بينما جاءتني المرأة الغنيّة تشتكي من أنّ صحّة ابنتها ليست على ما يرام. فأريتها الطفل الفقير وقلت لها: “بسبب قلّة إيماننا لا نحصل على كثير من النعم. انتبهي، يا سيّدتي، فالربّ بنعمته الإلهيّة الكائنة في الأسرار يشفي ويبرئ، ويقيم حتّى من الأموات.”
تأثّرت جدّاً من كلام الكاهن، وتمنّيت لو أرى الطفل الذي عمّدته. ولقد حقّق لي الربّ أمنيتي. وبعد أسابيع إذا بالسيّدة الفقيرة أمامي، فأسرعت إليها أسألها عن حال طفلها، لم تردّ جوابًا، بل أشارت بإصبعها إلى طفل يحبو على أرض الكنيسة، ووجهه طافح بالصحّة. حملته بين ذراعيّ، ورحت أقبّله وكأنّه ابني وأنا أكاد أطير من الفرح. لقد تبدّل الإنسان الميت، وصارت فيه قوّة حياةٍ جديدة.

تابع الاعجوبة في تدوينتنا”حدث يوماً في دمشق”